الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
ثُمَّ كَانَتْ غَزْوَةُ أُحُدٍ. وَذَلِكَ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ لَمَّا رَجَعَ بِعِيرِهِ إِلَى مَكَّةَ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ الْمَخْزُومِيُّ وَعِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ وَرِجَالٌ مِنْ قُرَيْشٍ مِمَّنْ أُصِيبَ آبَاؤُهُمْ وَأَبْنَاؤُهُمْ وَإِخْوَانُهُمْ بِبَدْرٍ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، إِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ وَتَرَكُمْ، وَقَتَلَ خِيَارَكُمْ، فَأَعِينُونَا عَلَى حَرْبِهِ لَعَلَّنَا أَنْ نُدْرِكَ مِنْهُ بَعْضَ مَا أَصَابَ مِنَّا، فَاجْتَمَعَتْ قُرَيْشٌ عَلَى الْمَسِيرِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَحَابِيشِهَا، وَمَنْ أَطَاعَهَا مِنْ قَبَائِلِ مَكَّةَ وَغَيْرِهَا، وَخَرَجُوا مَعَهُمْ بِالظَّعْنِ، فَخَرَجَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ بِهِنْدِ بِنْتِ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ أُمِّ مُعَاوِيَةَ، وَخَرَجَ عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ بِأُمِّ حَكِيمِ بِنْتِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، وَخَرَجَ الْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ بِفَاطِمَةَ بِنْتِ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، وَخَرَجَ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ بِبَرَّةَ ابْنَةِ مَسْعُودِ بْنِ عَمْرٍو، وَهِيَ أُمُّ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَفْوَانَ، وَخَرَجَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ بِرَيْطَةَ ابْنَةِ مُنَبِّهِ بْنِ الْحَجَّاجِ السَّهْمِيِّ، وَهِيَ أُمُّ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، وَخَرَجَ طَلْحَةُ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ بِسُلَافَةَ بِنْتِ سَعْدِ بْنِ شُهَيْدٍ أَحَدِ بَنِي عُرْوَةَ بْنِ عَوْفٍ مَعَ نِسْوَةِ غَيْرِهِنَّ، وَدَعَا جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ غُلَامَهُ وَحْشِيًّا، فَقَالَ: إِنْ قَتَلْتَ عَمَّ مُحَمَّدٍ حَمْزَةَ بِعَمِّي طُعَيْمَةَ بْنِ عَدِيٍّ، فَأَنْتَ عَتِيقٌ، فَخَرَجَتْ قُرَيْشٌ تُرِيدُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى نَزَلُوا بِعَيْنَيْنِ جَبَلٍ بِبَطْنِ السَّبْخَةِ عَلَى شَفِيرِ الْوَادِي مِمَّا يَلِي الْمَدِينَةَ، وَهُمْ ثَلَاثَةُ آلَافِ رَجُلٍ، مَعَهُمْ مِنَ الْخَيْلِ مِائَتَا فَرَسٍ، وَمِنَ الظَّعْنِ خَمْسَةَ عَشَرَ امْرَأَةً، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا سَمِعَ بِهِمْ: إِنِّي رَأَيْتُ فِيمَا يَرَى النَّائِمُ فِي ذُبَابِ سَيَفِي ثُلْمَةً، وَرَأَيْتُ بَقَرَةً نُحِرَتْ، وَرَأَيْتُ كَأَنِّي أَدْخَلْتُ يَدِي فِي دِرْعٍ حَصِينَةٍ، فَتَأَوَّلْتُهَا الْمَدِينَةَ، وَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْخُرُوجَ إِلَيْهِمْ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيِّ بْنِ سَلُولَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لَا تَخْرُجْ إِلَيْهِمْ، فَوَاللَّهِ مَا خَرَجْنَا إِلَى عَدُوٍّ قَطُّ إِلَّا أَصَابَ مِنَّا، وَمَا دَخَلَهَا عَلَيْنَا إِلَّا أَصَبْنَاهُ، فَقَالَ رِجَالٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِمَّنْ كَانَ فَاتَهُمْ بَدْرٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اخْرُجْ بِنَا إِلَى أَعْدَاءِ اللَّهِ، لَا يَرَوْنَ أَنَّا جَبُنَّا عَنْهُمْ، أَوْ ضَعُفْنَا، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَقِمْ فَإِنْ أَقَامُوا أَقَامُوا بِشَرِّ مَجْلِسٍ، وَإِنْ دَخَلُوا عَلَيْنَا قَاتَلَهُمُ الرِّجَالُ فِي وُجُوهِهِمْ وَرَمَاهُمُ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ بِالْحِجَارَةِ مِنْ فَوْقِهِمْ، فَلَمْ يَزَلْ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِينَ كَانَ مِنْ أَمْرِهِمْ حُبُّ لِقَاءِ الْقَوْمِ حَتَّى دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَبِسَ لَأْمَتَهُ، ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْهِمْ، وَقَدْ نَدِمَ النَّاسُ وَقَالُوا: اسْتَكْرَهْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَمْ يَكُنْ لَنَا ذَلِكَ، ثُمَّ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اسْتَكْرَهْنَاكَ وَلَمْ يَكُنْ لَنَا ذَلِكَ، إِنْ شِئْتَ فَاقْعُدْ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ إِذَا لَبِسَ لَأْمَتَهُ أَنْ يَضَعَهَا حَتَّى يُقَاتِلَ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي شَوَّالٍ يَوْمَ السَّبْتِ فِي أَلْفِ رَجُلٍ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ، وَصَلَّى الْمَغْرِبَ بِالشَّيْخَيْنِ فِي طَرَفِ الْمَدِينَةِ، وَقَدْ قِيلَ: بِالشَّوْطِ. ثُمَّ عَرَضَ الْمُقَاتِلَةَ، فَأَجَازَ مَنْ أَجَازَ، وَرَدَّ مَنْ رَدَّ، فَكَانَ فِيمَنْ رَدَّ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وَأُسَيْدُ بْنُ ظُهَيْرٍ، وَالْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ، وَعَرَابَةُ بْنُ أَوْسٍ الْحَارِثِيُّ، وَأَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ، وَأَجَازَ سَمُرَةَ بْنَ جُنْدُبٍ، وَأَمَّا رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَصْغَرَهُ، فَقَامَ عَلَى خُفَّيْنِ وَتَطَاوَلَ عَلَى أَطْرَافِهِ، فَلَمَّا رَآهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجَازَهُ، وَكَانَ دَلِيلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبُو حَثْمَةَ الْحَارِثِيُّ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ لِمَنْ مَعَهُ: أَطَاعَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَصَانِي، وَاللَّهِ مَا نَدْرِي عَلَى مَا نَقْتُلُ أَنْفُسَنَا مَعَهُ، أَيُّهَا النَّاسُ ارْجِعُوا، فَعَزَلَ مِنَ الْعَسْكَرِ ثَلَاثَمِائَةِ رَجُلٍ مِمَّنْ تَبِعَهُ، وَرَجَعَ بِهِمُ الْمَدِينَةَ. وَمَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَبْعِمِائَةِ رَجُلٍ، وَسَلَكَ حَرَّةَ بَنِي حَارِثَةَ، ثُمَّ نَزَلَ حَتَّى مَضَى بِالشِّعْبِ مِنْ أُحُدٍ فِي عُدْوَةِ الْوَادِي وَجَعَلَ ظَهْرَهُ إِلَى أُحُدٍ، وَقَالَ: لَا يُقَاتِلَنَّ أَحَدٌ حَتَّى آمُرَهُ، ثُمَّ أَمَّرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الرُّمَاةِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جُبَيْرٍ أَحَدَ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، وَهُمْ خَمْسُونَ رَجُلًا، وَقَالَ: انْضَحْ عَنَّا الْخَيْلَ لَا يَأْتُونَا مِنْ خَلْفِنَا، إِنْ كَانَتْ عَلَيْنَا أَوْ لَنَا فَاثْبُتْ مَكَانَكَ، لَا نُؤْتَيَنَّ مِنْ قِبَلِكَ، ثُمَّ ظَاهَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي دِرْعَيْنِ، وَأَعْطَى اللِّوَاءَ عَلِيَّ ابْنَ أَبِي طَالِبٍ، وَقَالَ: مَنْ يَأْخُذُ مِنِّي هَذَا السَّيْفَ بِحَقِّهِ؟ قَالَ أَبُو دُجَانَةَ سِمَاكُ بْنُ خَرَشَةَ: وَمَا حَقُّهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: تَضْرِبُ بِهِ فِي الْعَدُوِّ حَتَّى يَنْحَنِيَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَا آخُذُهُ بِحَقِّهِ، فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ، وَكَانَ أَبُو دُجَانَةَ رَجُلًا شُجَاعًا يَخْتَالُ عِنْدَ الْحَرْبِ، وَكَانَ إِذَا أَعْلَمَ بِعِصَابَةٍ لَهُ حَمْرَاءَ يَعْصِبُ بِهَا رَأْسَهُ، فَإِذَا رَأَوْا ذَلِكَ عَلِمُوا أَنَّهُ سَيُقَاتِلُ، فَأَخَذَ السَّيْفَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَخْرَجَ عِصَابَةً فَعَصَبَ بِهَا رَأْسَهُ، ثُمَّ أَخَذَ يَتَبَخْتَرُ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّهَا لَمِشْيَةٌ يَبْغَضُهَا اللَّهُ، إِلَّا فِي هَذَا الْمَوْطِنِ. وَتَعَبَّأَتْ قُرَيْشٌ وَجَعَلُوا عَلَى مَيْمَنَةِ الْخَيْلِ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ، وَعَلَى مَيْسَرَتِهَا عِكْرِمَةَ بْنَ أَبِي جَهْلٍ، وَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ لِأَصْحَابِهِ: إِنَّكُمْ قَدْ وُلِّيتُمْ لِوَاءَنَا يَوْمَ بَدْرٍ فَأَصَابَنَا مَا قَدْ رَأَيْتُمْ، وَإِنَّمَا يُؤْتَى النَّاسُ مِنْ قِبَلِ رَايَاتِهِمْ إِذَا مَالُوا، فَإِمَّا أَنْ تَكْفُونَا لِوَاءَنَا، وَإِمَّا أَنْ تُخَلُّوا بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ فَنَكْفِيكُمُوهُ، فَهَمُّوا بِهِ وَتَوَاعَدُوهُ وَقَالُوا: نَحْنُ نُسَلِّمُ إِلَيْكَ سَتَعْلَمُ كَيْفَ نَصْنَعُ، وَجَاءَتْ هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ وَالنِّسْوَةُ اللَّوَاتِي مَعَهَا يُحَرِّضْنَهُمْ عَلَى الْقِتَالِ، وَتَقُولُ فِيمَا تَقُولُ: إِنْ تُقْبِلُوا نُعَانِقْ وَنَفْرِشُ النَّمَارِقْ أَوْ تُدْبِرُوا نُفَارِقْ فِرَاقَ غَيْرِ وَامِقْ

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية