الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
فَصْلٌ وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَصُومُ السَّبْتَ وَالْأَحَدَ كَثِيرًا ، يَقْصِدُ بِذَلِكَ مُخَالَفَةَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى كَمَا فِي " الْمُسْنَدِ " وَ" سُنَنِ النَّسَائِيِّ " عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : ( أَرْسَلَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَنَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى أم سلمة أَسْأَلُهَا ؟ أَيُّ الْأَيَّامِ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَكْثَرَهَا صِيَامًا ؟ قَالَتْ : يَوْمُ السَّبْتِ وَالْأَحَدِ وَيَقُولُ : إِنَّهُمَا عِيدٌ لِلْمُشْرِكِينَ فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أُخَالِفَهُمْ ) . وَفِي صِحَّةِ هَذَا الْحَدِيثِ نَظَرٌ ، فَإِنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب ، وَقَدِ اسْتَنْكَرَ بَعْضَ حَدِيثِهِ . وَقَدْ قَالَ عبد الحق فِي " أَحْكَامِهِ " مِنْ حَدِيثِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عباس بن عبد الله بن عباس عَنْ عَمِّهِ الفضل ، زَارَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عباسا فِي بَادِيَةٍ لَنَا . ثُمَّ قَالَ : إِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ . قَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ : هُوَ كَمَا ذُكِرَ ضَعِيفٌ ، وَلَا يُعْرَفُ حَالُ محمد بن عمر . وَذُكِرَ حَدِيثُهُ هَذَا عَنْ أم سلمة فِي صِيَامِ يَوْمِ السَّبْتِ وَالْأَحَدِ ، وَقَالَ سَكَتَ عَنْهُ عبد الحق مُصَحِّحًا لَهُ ، ومحمد بن عمر هَذَا لَا يُعْرَفُ حَالُهُ ، وَيَرْوِيهِ عَنْهُ ابْنُهُ عبد الله بن محمد بن عمر وَلَا يُعْرَفُ أَيْضًا حَالُهُ ، فَالْحَدِيثُ أَرَاهُ حَسَنًا . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ وأبو داود عَنْ عبد الله بن بسر السلمي ، عَنْ أُخْتِهِ الصماء ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( لَا تَصُومُوا يَوْمَ السَّبْتِ إِلَّا فِيمَا افْتُرِضَ عَلَيْكُمْ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ أَحَدُكُمْ إِلَّا لِحَاءَ عِنَبَةٍ أَوْ عُودَ شَجَرَةٍ فَلْيَمْضُغْهُ ) . فَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ . فَقَالَ مالك رَحِمَهُ اللَّهُ : هَذَا كَذِبٌ ، يُرِيدُ حَدِيثَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ ، ذَكَرَهُ عَنْهُ أبو داود ، قَالَ الترمذي : هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ ، وَقَالَ أبو داود : هَذَا الْحَدِيثُ مَنْسُوخٌ ، وَقَالَ النَّسَائِيُّ : هُوَ حَدِيثٌ مُضْطَرِبٌ ، وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ : لَا تَعَارُضَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَدِيثِ أم سلمة ، فَإِنَّ النَّهْيَ عَنْ صَوْمِهِ إِنَّمَا هُوَ عَنْ إِفْرَادِهِ ، وَعَلَى ذَلِكَ تَرْجَمَ أبو داود فَقَالَ : بَابُ النَّهْيِ أَنْ يُخَصَّ يَوْمُ السَّبْتِ بِالصَّوْمِ ، وَحَدِيثُ صِيَامِهِ إِنَّمَا هُوَ مَعَ يَوْمِ الْأَحَدِ . قَالُوا : وَنَظِيرُ هَذَا أَنَّهُ ( نَهَى عَنْ إِفْرَادِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ بِالصَّوْمِ ، إِلَّا أَنْ يَصُومَ يَوْمًا قَبْلَهُ أَوْ يَوْمًا بَعْدَهُ ) ، وَبِهَذَا يَزُولُ الْإِشْكَالُ الَّذِي ظَنَّهُ مَنْ قَالَ : إِنَّ صَوْمَهُ نَوْعُ تَعْظِيمٍ لَهُ ، فَهُوَ مُوَافَقَةٌ لِأَهْلِ الْكِتَابِ فِي تَعْظِيمِهِ وَإِنْ تَضَمَّنَ مُخَالَفَتَهُمْ فِي صَوْمِهِ ، فَإِنَّ التَّعْظِيمَ إِنَّمَا يَكُونُ إِذَا أُفْرِدَ بِالصَّوْمِ ، وَلَا رَيْبَ أَنَّ الْحَدِيثَ لَمْ يَجِئْ بِإِفْرَادِهِ ، وَأَمَّا إِذَا صَامَهُ مَعَ غَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ فِيهِ تَعْظِيمٌ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية