الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
            جزء صفحة
            قُلْتُ : الْأَحَادِيثُ وَالْآثَارُ مُخْتَلِفَةٌ فِي ذَهَابِ الشَّمْسِ بَعْدَ غُرُوبِهَا ; فَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ عَنْ أبي ذر قَالَ : " كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَسْجِدِ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ ، فَقَالَ : يَا أبا ذر ، تَدْرِي أَيْنَ تَغْرُبُ الشَّمْسُ؟ قُلْتُ : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ ، قَالَ : فَإِنَّهَا تَذْهَبُ حَتَّى تَسْجُدَ تَحْتَ الْعَرْشِ ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى : ( وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ) " . وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ بِلَفْظِ : " فَإِنَّهَا تَذْهَبُ حَتَّى تَنْتَهِيَ تَحْتَ الْعَرْشِ عِنْدَ رَبِّهَا ، ثُمَّ تَسْتَأْذِنُ فَيُؤْذَنُ لَهَا ، وَيُوشِكُ أَنْ تَسْتَأْذِنَ فَلَا يُؤْذَنَ لَهَا وَتُطْلَبَ ، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ قِيلَ لَهَا : اطْلُعِي مِنْ مَكَانِكِ ، فَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ : ( وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ) " وَأَخْرَجَ عبد الرزاق ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : ( وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ) قَالَ : مُسْتَقَرُّهَا أَنْ تَطْلُعَ ، فَتَرُدَّهَا ذُنُوبُ بَنِي آدَمَ ، فَإِذَا غَرَبَتْ سَلَّمَتْ وَسَجَدَتْ وَاسْتَأْذَنَتْ ، فَيُؤْذَنُ لَهَا ، حَتَّى إِذَا غَرَبَتْ سَلَّمَتْ وَسَجَدَتْ وَاسْتَأْذَنَتْ ، فَلَا يُؤْذَنُ لَهَا ، فَتَقُولُ : إِنِ السَّيْرَ بَعِيدٌ ، وَإِنِّي إِنْ لَا يُؤْذَنْ لِي لَا أَبْلُغُ ، فَتُحْبَسُ مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ يُقَالُ : اطْلُعِي مِنْ حَيْثُ غَرَبْتِ . قَالَ الحافظ ابن حجر فِي " شَرْحِ الْبُخَارِيِّ " : لَا تَخَالُفَ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ قَوْلِهِ تَعَالَى : ( وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ ) فَإِنَّ الْمُرَادَ بِهِ نِهَايَةُ مَدْرَكِ الْبَصَرِ إِلَيْهَا حَالَ الْغُرُوبِ ، وَسُجُودُهَا تَحْتَ الْعَرْشِ إِنَّمَا هُوَ بَعْدَ الْغُرُوبِ ، وَقَالَ الخطابي : يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِاسْتِقْرَارِهَا تَحْتَ الْعَرْشِ أَنَّهَا تَسْتَقِرُّ تَحْتَهُ اسْتِقْرَارًا لَا نُحِيطُ بِهِ نَحْنُ ، وَلَيْسَ فِي سُجُودِهَا كُلَّ لَيْلَةٍ تَحْتَ الْعَرْشِ مَا يُعِيقُ عَنْ دَوَرَانِهَا فِي سَيْرِهَا . وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي تَفْسِيرِهِ ، وأبو الشيخ فِي كِتَابِ الْعَظَمَةِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : الشَّمْسُ بِمَنْزِلَةِ السَّاقِيَةِ تَجْرِي بِالنَّهَارِ فِي السَّمَاءِ فِي فَلَكِهَا ، فَإِذَا غَرَبَتْ جَرَتِ اللَّيْلَ فِي فَلَكِهَا تَحْتَ الْأَرْضِ حَتَّى تَطْلُعَ مِنْ مَشْرِقِهَا ، وَكَذَلِكَ الْقَمَرُ . وَأَخْرَجَ أَبُو الشَّيْخِ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ قَالَ : إِذَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ دَارَتْ فِي فَلَكِ السَّمَاءِ مِمَّا يَلِي دُبُرَ الْقِبْلَةِ حَتَّى تَرْجِعَ إِلَى الْمَشْرِقِ الَّذِي تَطْلُعُ مِنْهُ ، وَتَجْرِي فِي السَّمَاءِ مِنْ شَرْقِهَا إِلَى غَرْبِهَا ، ثُمَّ تَرْجِعُ إِلَى الْأُفُقِ مِمَّا يَلِي دُبُرَ الْقِبْلَةِ إِلَى شَرْقِهَا ، كَذَلِكَ هِيَ مُسَخَّرَةٌ فِي فَلَكِهَا ، وَكَذَلِكَ الْقَمَرُ . وَأَخْرَجَ أَبُو الشَّيْخِ عَنْ عكرمة قَالَ : إِنَّ الشَّمْسَ إِذَا غَرَبَتْ دَخَلَتْ بَحْرًا تَحْتَ الْعَرْشِ ، فَتُسَبِّحُ اللَّهَ ، حَتَّى إِذَا هِيَ أَصْبَحَتِ اسْتَعْفَتْ رَبَّهَا مِنَ الْخُرُوجِ ، قَالَ : وَلِمَ؟ قَالَتْ : إِنِّي إِذَا خَرَجْتُ عُبِدْتُ مِنْ دُونِكَ . وَأَخْرَجَ أَبُو الشَّيْخِ بِسَنَدٍ وَاهٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : إِنَّ الشَّمْسَ إِذَا غَرَبَتْ رُفِعَ بِهَا إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ فِي سُرْعَةِ طَيَرَانِ الْمَلَائِكَةِ ، وَتُحْبَسُ تَحْتَ الْعَرْشِ ، فَتَسْتَأْذِنُ مِنْ أَيْنَ تُؤْمَرُ بِالطُّلُوعِ ، ثُمَّ يُنْطَلَقُ بِهَا مَا بَيْنَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ ، وَبَيْنَ أَسْفَلِ دَرَجَاتِ الْجِنَانِ فِي سُرْعَةِ طَيَرَانِ الْمَلَائِكَةِ ، فَتَنْحَدِرُ حِيَالَ الْمَشْرِقِ مِنْ سَمَاءٍ إِلَى سَمَاءٍ ، فَإِذَا وَصَلَتْ إِلَى هَذِهِ السَّمَاءِ فَذَلِكَ حِينَ يَنْفَجِرُ الصُّبْحُ ، فَإِذَا وَصَلَتْ إِلَى هَذَا الْوَجْهِ مِنَ السَّمَاءِ فَذَلِكَ حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ . وَأَخْرَجَ ابن عساكر ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، أَنَّ خزيمة بن حكيم السلمي سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ حَرِّ الْمَاءِ فِي الشِّتَاءِ وَبَرْدِهِ فِي الصَّيْفِ ، فَقَالَ : إِنَّ الشَّمْسَ إِذَا سَقَطَتْ تَحْتَ الْأَرْضِ سَارَتْ حَتَّى تَطْلُعَ مِنْ مَكَانِهَا ، فَإِذَا طَالَ اللَّيْلُ فِي الشِّتَاءِ كَثُرَ لُبْثُهَا فِي الْأَرْضِ ، فَيَسْخَنُ الْمَاءُ لِذَلِكَ ، فَإِذَا كَانَ الصَّيْفُ مَرَّتْ مُسْرِعَةً لَا تَلْبَثُ تَحْتَ الْأَرْضِ ; لِقِصَرِ اللَّيْلِ ، فَثَبَتَ الْمَاءُ عَلَى حَالِهِ بَارِدًا . هَذَا مَجْمُوعُ مَا وَقَفْتُ عَلَيْهِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مِنَ الْأَحَادِيثِ وَالْآثَارِ . وَأَمَّا السُّؤَالُ التَّاسِعُ عَشَرَ : فَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ أَنَّ الشَّمْسَ عَلَى قَدْرِ الدُّنْيَا مَا بَيْنَ مَشَارِقِهَا وَمَغَارِبِهَا . وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ، وأبو الشيخ ، عَنْ عكرمة قَالَ : الشَّمْسُ سِعَةُ الْأَرْضِ وَزِيَادَةُ ثُلُثٍ وَالْقَمَرُ عَلَى قَدْرِ سِعَةِ الْأَرْضِ . وَأَخْرَجَا أَيْضًا عَنْ قَتَادَةَ قَالَ : الشَّمْسُ طُولُهَا ثَمَانُونَ فَرْسَخًا فِي عَرْضِ ثَمَانِينَ فَرْسَخًا . وَأَخْرَجَ أَبُو الشَّيْخِ ، مِنْ طَرِيقِ الكلبي ، عَنْ أبي صالح ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّ رَجُلًا قَالَ لَهُ : كَمْ طُولُ الشَّمْسِ وَكَمْ عَرَضُهَا؟ قَالَ : تِسْعُمِائَةِ فَرْسَخٍ فِي تِسْعِمِائَةٍ ، وَطُولُ الْكَوَاكِبِ اثْنَا عَشَرَ فَرْسَخًا فِي اثْنَيْ عَشَرَ فَرْسَخًا . وَأَمَّا السُّؤَالُ الْعِشْرُونَ : فَقَدْ ثَبَتَ فِي أَحَادِيثَ أَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ ، وَأَنَّهُ يُبَايَعُ لَهُ بِمَكَّةَ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْمَقَامِ ، وَأَنَّهُ يَسْكُنُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ . وَأَمَّا السُّؤَالُ الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ : فَقَدْ صَحَّ فِي مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ النواس بن سمعان أَنَّهُ يَنْزِلُ عِنْدَ الْمَنَارَةِ الْبَيْضَاءِ شَرْقِيَّ دِمَشْقَ . قَالَ ابن كثير : هَذَا هُوَ الْأَشْهَرُ فِي مَوْضِعِ نُزُولِهِ ، وَوَرَدَ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ أَنَّهُ يَنْزِلُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ ، وَجَمَعَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ بَيْنَهُمَا بِأَنَّهُ يَنْزِلُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ ، وَبَيْتُ الْمَقْدِسِ هُوَ شَرْقِيَّ دِمَشْقَ . وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ أَنَّهُ يَنْزِلُ بِالْأُرْدُنِّ ، وَفِي رِوَايَةٍ : بِعَسْكَرِ الْمُسْلِمِينَ . وَأَمَّا السُّؤَالُ الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ ، وَالثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ : فَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَفْضَلُ الْأَيَّامِ يَوْمُ الْجُمُعَةِ ، وَأَفْضَلُ الشُّهُورِ شَهْرُ رَمَضَانَ ، وَأَفْضَلُ اللَّيَالِي لَيْلَةُ الْقَدْرِ " . فَفِي " كَشْفِ الْأَسْرَارِ " : أَنْ يَوْمَ عَرَفَةَ وَيَوْمَ الْجُمُعَةِ -عَلَى خِلَافٍ فِيهِمَا- أَفْضَلُ مِنْ سَائِرِ الْأَيَّامِ ; لِمَا فِي يَوْمِ عَرَفَةَ مِنْ تَجَلِّي الْحَقِّ عَزَّ وَجَلَّ ، وَمُبَاهَاتِهِ الْمَلَائِكَةَ بِالْحَاجِّ ، وَفَيْضُ عَظِيمِ عَفْوِهِ ، وَفَضْلِهِ وَرَحْمَتِهِ عَلَيْهِمْ بِالْعِتْقِ مِنَ النَّارِ وَالْمَغْفِرَةِ ; وَلِمَا حَصَلَ فِي يَوْمِ الْجُمْعَةِ مِنْ خَلْقِ آدَمَ ، وَقَبُولِ تَوْبَتِهِ ، وَإِجَابَةِ الدُّعَاءِ فِيهِ فِي سَاعَةٍ مِنْهُ ، وَالْإِذْنِ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ فِي زِيَارَةِ الرَّبِّ عَزَّ وَجَلَّ- انْتَهَى . وَأَمَّا السُّؤَالُ الرَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ : فَالَّذِي أَقُولُهُ اسْتِنْبَاطًا أَنَّ جَبَلَ أُحُدٍ أَفْضَلُ الْجِبَالِ ; لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أُحُدٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ . وَوَرَدَ أَنَّهُ عَلَى بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ ; وَلِأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ أَرْضِ الْمَدِينَةِ الَّتِي هِيَ أَفْضَلُ الْبِقَاعِ ; وَلِأَنَّهُ مَذْكُورٌ فِي الْقُرْآنِ بِاسْمِهِ فِي قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ : (إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أُحُدٍ) . وَأَمَّا السُّؤَالُ الْخَامِسُ وَالْعِشْرُونَ : فَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : نِيلُ مِصْرَ سَيِّدُ الْأَنْهَارِ ، سَخَّرَ اللَّهُ لَهُ كُلَّ نَهْرٍ مِنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ . وَأَمَّا السُّؤَالُ السَّادِسُ وَالْعِشْرُونَ : فَقَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ قَدِيمًا وَحَدِيثًا فِي ذَلِكَ ; فَمِنْهُمْ مَنْ فَضَّلَ الْفَقِيرَ الصَّابِرَ عَلَى الْغَنِيِّ الشَّاكِرِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ عَكَسَ ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَوَسَّطَ فَفَضَّلَ الْكَفَافَ وَهُوَ الْمُخْتَارُ . قَالَ صَاحِبُ الْوَحِيدِ : ذَهَبَ الجنيد إِلَى أَنَّ الْفَقِيرَ الصَّابِرَ أَفْضَلُ ، وَهُوَ الَّذِي أَرَاهُ ، وَعَلَّلَهُ بِأَنْ قَالَ : مَا مَنْ أَلَّمَ نَفْسَهُ كَمَنْ أَرَاحَ نَفْسَهُ . وَذَهَبَ ابن عطاء إِلَى أَنَّ الْغَنِيَّ الشَّاكِرَ أَفْضَلُ ، وَاسْتَدَلَّ بِأَنَّ الْغَنِيَّ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ ، وَهَذَا مُشْتَقٌّ مِنْهُ ، فَقَالَ لَهُ الجنيد : إِنَّ غِنَى اللَّهِ بِذَاتِهِ ، وَهَذَا الْغِنَى تَمْتَدُّ إِلَيْهِ يَدُ السَّارِقِ وَالْغَاصِبِ فَلَا يُشْتَقُّ هَذَا مِنْهُ ، وَقَالَ الشَّيْخُ عز الدين بن عبد السلام فِي الْقَوَاعِدِ الْكُبْرَى : فَإِنْ قِيلَ : أَيُّمَا أَفْضَلُ حَالُ الْأَغْنِيَاءِ أَمْ حَالُ الْفُقَرَاءِ ؟ فَالْجَوَابُ : إِنَّ النَّاسَ أَقْسَامٌ ; أَحَدُهُمْ مَنْ يَسْتَقِيمُ عَلَى الْغِنَى وَيَفْسُدُ حَالُهُ بِالْفَقْرِ ، وَلَا خِلَافَ أَنَّ غِنَى هَذَا خَيْرٌ لَهُ مِنْ فَقْرِهِ . وَالثَّانِي أَنْ يَسْتَقِيمَ عَلَى الْفَقْرِ ، وَيُفْسِدُهُ الْغِنَى وَيَحْمِلُهُ عَلَى الطُّغْيَانِ ، فَلَا خِلَافَ أَنَّ فَقْرَ هَذَا خَيْرٌ لَهُ مِنْ غِنَاهُ . الثَّالِثُ : مَنْ إِذَا افْتَقَرَ قَامَ بِجَمِيعِ وَظَائِفِ الْفَقْرِ كَالرِّضَا وَالصَّبْرِ ، وَإِنِ اسْتَغْنَى قَامَ بِجَمِيعِ وَظَائِفِ الْغِنَى مِنَ الْبَذْلِ ، وَالْإِحْسَانِ ، وَشُكْرِ الْمَلِكِ الدَّيَّانِ ، فَقَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي أَيِّ حَالٍ هَذَا أَفْضَلُ ، فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ الْفَقْرَ أَفْضَلُ . وَقَالَ آخَرُونَ : غِنَاهُ أَفْضَلُ ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ ; لِاسْتِعَاذَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْفَقْرِ ، وَلَا يَجُوزُ حَمْلُهُ عَلَى فَقْرِ النَّفْسِ ; لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ ، وَقَدْ يُسْتَدَلُّ لِهَؤُلَاءِ بِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ أَغْلَبَ أَحْوَالِهِ الْفَقْرُ إِلَى أَنْ أَغْنَاهُ اللَّهُ بِحُصُولِ خَيْبَرَ وَفْدَكٍ وَالْعَوَالِي وَأَمْوَالِ بَنِي النَّضِيرِ . وَالْجَوَابُ عَنْ هَذَا أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ وَالْأَوْلِيَاءَ لَا يَأْتِي عَلَيْهِمْ يَوْمٌ إِلَّا كَانَ أَفْضَلَ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ ، وَقَدْ خُتِمَ آخِرُ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْغِنَى ، وَلَمْ يُخْرِجْهُ غِنَاهُ عَمَّا كَانَ يَتَعَاطَاهُ فِي أَيَّامِ فَقْرِهِ مِنَ الْبَذْلِ وَالْإِيثَارِ وَالتَّقْلِيلِ ، حَتَّى أَنَّهُ مَاتَ وَدِرْعُهُ مَرْهُونَةٌ عِنْدَ يَهُودِيٍّ عَلَى آصُعٍ مِنَ الشَّعِيرِ ، وَكَيْفَ لَا يَكُونُ ذَلِكَ وَهُوَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : " ابْنَ آدَمَ ، إِنَّكَ إِنْ تَبْذُلِ الْفَضْلَ خَيْرٌ لَكَ ، وَإِنْ تُمْسِكْ شَرٌّ لَكَ " . أَرَادَ بِالْفَضْلِ مَا فَضَلَ عَنِ الْحَاجَةِ الْمَاسَّةِ ، كَمَا فَعَلَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَنْ سَلَكَ مِنَ الْأَغْنِيَاءِ هَذَا الطَّرِيقَ فَبَذَلَ الْفَضْلَ كُلَّهُ مُقْتَصِرًا عَلَى عَيْشٍ مِثْلِ عَيْشِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَلَا امْتِرَاءَ أَنَّ غِنَى هَذَا خَيْرٌ مِنْ فَقْرِهِ ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ حَدِيثُ الصَّحِيحَيْنِ : " ذَهَبَ ذَوُو الْأَمْوَالِ بِالدَّرَجَاتِ الْعُلَى وَالنَّعِيمِ الْمُقِيمِ " - الْحَدِيثَ ، وَفِيهِ ( ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ ) . وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " يَدْخُلُ فُقَرَاءُ الْمُسْلِمِينَ الْجَنَّةَ قَبْلَ الْأَغْنِيَاءِ بِنِصْفِ يَوْمٍ وَهُوَ خَمْسُمِائَةِ عَامٍ " وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " اطَّلَعْتُ عَلَى الْجَنَّةِ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا الْفُقَرَاءَ " فَإِنَّ ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى الْغَالِبِ مِنْ أَحْوَالِ الْأَغْنِيَاءِ وَالْفُقَرَاءِ ، إِذْ لَا يَتَّصِفُ مِنَ الْأَغْنِيَاءِ بِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَنْ يَعِيشَ عَيْشَ الْفُقَرَاءِ أَوْ يَتَقَرَّبَ إِلَى اللَّهِ بِمَا فَضَلَ مِنْ عَيْشِهِ مُقَدِّمًا لِأَفْضَلِ الْبَذْلِ ، فَأَفْضَلُهُ إِلَّا الشُّذُوذُ النَّادِرُونَ الَّذِينَ لَا يَكَادُونَ يُوجَدُونَ ، وَالصَّابِرُونَ عَلَى الْفَقْرِ قَلِيلٌ مَا هُمْ ، وَالرَّاضُونَ أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ الْقَلِيلِ . هَذَا كَلَامُ الشَّيْخِ عز الدين ، وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ فِي حَدِيثِ : " ذَهَبَ ذَوُو الْأَمْوَالِ بِالدَّرَجَاتِ الْعُلَى " - : فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَضَّلَ الْغِنَى نَصًّا لَا تَأْوِيلًا إِذَا اسْتَوَتْ أَعْمَالُ الْغَنِيِّ وَالْفَقِيرِ فِيمَا افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ، فَلِلْغَنِيِّ حِينَئِذٍ فَضْلُ عَمَلِ الْبِرِّ مِنَ الصَّدَقَةِ وَنَحْوِهَا مِمَّا لَا سَبِيلَ لِلْفَقِيرِ إِلَيْهِ . وَقَالَ ابن دقيق العيد : ظَاهِرُ الْحَدِيثِ الْقَرِيبُ مِنَ النَّصِّ أَنَّهُ فَضَّلَ الْغَنِيَّ ، وَبَعْضُ النَّاسِ تَأَوَّلَهُ بِتَأْوِيلٍ مُسْتَكْرَهٍ ، قَالَ : وَالَّذِي يَقْتَضِيهِ النَّظَرُ أَنَّهُمَا إِنْ تُسَاوَيَا وَفُضِّلَتِ الْعِبَادَةُ الْمَالِيَّةُ أَنْ يَكُونَ الْغَنِيُّ أَفْضَلَ ، وَهَذَا لَا شَكَّ فِيهِ ، وَإِنَّمَا النَّظَرُ إِذَا تَسَاوَيَا وَانْفَرَدَ كُلٌّ مِنْهُمَا بِمَصْلَحَةِ مَا هُوَ فِيهِ أَيُّهُمَا أَفْضَلُ ؟ إِنْ فُسِّرَ الْأَفْضَلُ بِزِيَادَةِ الثَّوَابِ فَالْقِيَاسُ يَقْتَضِي أَنَّ الْمَصَالِحَ الْمُتَعَدِّيَةَ أَفْضَلُ مِنَ الْقَاصِرَةِ ، فَيَتَرَجَّحُ الْغِنَى ، وَإِنْ فُسِّرَ بِالْأَشْرَفِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى صِفَاتِ النَّفْسِ فَالَّذِي يَحْصُلُ لَهَا مِنَ التَّطْهِيرِ بِسَبَبِ الْفَقْرِ أَشْرَفُ ، فَيَتَرَجَّحُ الْفَقْرُ ، وَمِنْ ثَمَّ ذَهَبَ جُمْهُورُ الصُّوفِيَّةِ إِلَى تَرْجِيحِ الْفَقِيرِ الصَّابِرِ ، وَقَالَ القرطبي : فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لِلْعُلَمَاءِ خَمْسَةُ أَقْوَالٍ ، ثَالِثُهَا : الْأَفْضَلُ الْكَفَافُ . رَابِعُهَا : يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ . خَامِسُهَا : التَّوَقُّفُ . وَأَمَّا السُّؤَالُ السَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ : فَفِي كَشْفِ الْأَسْرَارِ قَالَ النيسابوري : قَالَ بَعْضُهُمْ : خَلَقَ اللَّهُ أَوَّلًا زُمُرُّدَةً خَضْرَاءَ ، وَيُقَالُ : اللَّوْحَ وَالْقَلَمَ ، وَيُقَالُ : الْوَقْتَ وَالزَّمَانَ ، وَيُقَالُ : الْعَرْشَ وَالْكُرْسِيَّ ، وَيُقَالُ : خَلَقَ أَوَّلًا عَاقِلًا أَرَادَ أَنْ يَنْتَفِعَ بِعَقْلِهِ غَيْرُهُ ، وَيُقَالَ : خَلَقَ جَوْهَرًا مُتَفَرِّقًا مِنَ الْأَلْوَانِ وَالْأَطْبَاعِ وَالْهَيْئَاتِ ، ثُمَّ خَلَقَ الْهَيْئَاتِ فَرَكَّبَهَا بَيْنَ الْأَطْبَاعِ وَالْأَلْوَانِ ، وَصَارَتْ بَسِيطَةً مُؤَلَّفَةً مَطْبُوعَةً ، وَيُقَالُ خَلَقَ أَوَّلًا نُقْطَةً ثُمَّ نَظَرَ إِلَيْهَا بِالْهَيْبَةِ ، فَتَضَعْضَعَتْ وَتَمَايَلَتْ ، فَصَيَّرَهَا اللَّهُ تَعَالَى أَلْفًا . وَأَمَّا السُّؤَالُ الثَّامِنُ وَالْعِشْرُونَ : فَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي تَفْسِيرِهِ ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ قَالَ : إِنَّ أَوَّلَ شَيْءٍ كَتَبَ : أَنَا التَّوَّابُ ، أَتُوبُ عَلَى مَنْ تَابَ . وَأَمَّا السُّؤَالُ التَّاسِعُ وَالْعِشْرُونَ : فَفِي كَشْفِ الْأَسْرَارِ قِيلَ : الْحِكْمَةُ فِي إِدْخَالِ الْمُؤْمِنِينَ النَّارَ لِيَعْرِفُوا قَدْرَ الْجَنَّةِ وَمِقْدَارَ مَا دَفَعَ اللَّهُ عَنْهُمْ مِنْ عَظِيمِ النِّقْمَةِ ; لِأَنَّ تَعْظِيمَ النِّعْمَةِ وَاجِبٌ فِي الْحِكْمَةِ . وَقِيلَ : لِيَكُونَ الْمُؤْمِنُونَ دَلِيلًا لِلْكَافِرِينَ كَمَا أَنَّ جِبْرِيلَ كَانَ دَلِيلًا لِفِرْعَوْنَ فِي الْبَحْرِ ; لِأَنَّ عُبَّادَ الصَّنَمِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُؤْمَرُونَ بِدُخُولِ النَّارِ مَعَ أَصْنَامِهِمْ ، فَيَأْبَوْنَ ، فَيَقُولُ اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِينَ : ادْخُلُوا ، فَيَقُولُونَ : لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ إِنْ أَمَرْتَنَا ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى : ( وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ ) وَحِينَئِذٍ يَتَبَيَّنُ لِلْخَلْقِ أَنَّ بِرَّهُ فِي النَّارِ لِلْعَارِفِينَ أَكْثَرُ مِنْ بِرِّهِ فِي الْجَنَّةِ لِلْمُطِيعِينَ . وَقِيلَ : أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يُطَيِّبَ النَّارَ كَمَا طَيَّبَ بَطْنَ الْحُوتِ بِإِلْقَاءِ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلَامُ ; لِأَنَّ النَّارَ شَكَتْ إِلَى رَبِّهَا فَقَالَتْ : يَا رَبِّ مَا عَصَيْتُكَ قَطُّ ، فَلِمَ جَعَلْتَنِي مَأْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ وَالْجَبَّارِينَ؟ فَقَالَ : أُرِيكِ الْأَنْبِيَاءَ وَالْمُطِيعِينَ . وَقِيلَ : لِيَرَى الْمُؤْمِنُونَ عِيَانًا مَا أَخْبَرَهُمْ بِهِ مِنْ نَجَاةِ إِبْرَاهِيمَ مِنْ نَارِ نمروذ فَقَالَ لِإِبْرَاهِيمَ : ( يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ ) وَقَالَ لِلْمُؤْمِنِينَ : وَرَدْتُمُوهَا وَهِيَ خَامِدَةٌ . وَقِيلَ : لِيَرَى الْكَفَرَةُ جَوْدَةَ عُنْصُرِ الْمُؤْمِنِينَ ; لِأَنَّ الْجَوْهَرَ الْأَصْلِيَّ لَا تَعْمَلُ فِيهِ النَّارُ وَلَا تُفْسِدُهُ ، فَكَذَلِكَ الْمُؤْمِنُ . وَقِيلَ : لِيُظْهِرَ لِلْخَلْقِ أَنَّهُ جَامِعُ النُّورِ وَالظُّلْمَةِ ; لِأَنَّهُ هُوَ الْمُنَجِّي مِنَ الظُّلْمَةِ وَالْمَوْقِعُ فِيهَا . وَقِيلَ : لِيَرَى الْخَلْقُ كَمَالَ قُدْرَتِهِ ، فِرْقَةٌ يَسْتَغِيثُونَ مِنَ النَّارِ ، وَفِرْقَةٌ تَسْتَغِيثُ النَّارُ مِنْهُمْ ، وَهَذَا كَمَا جُعِلَ الْمَاءُ رَحْمَةً عَلَى مُوسَى وَعُقُوبَةً عَلَى قَوْمِ فِرْعَوْنَ ، كَذَلِكَ النَّارُ رَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ، نِقْمَةٌ لِلْكَافِرِينَ . وَقِيلَ : لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَعَدَ النَّارَ أَنْ يَمْلَأَهَا ، وَهِيَ لَا تُمْلَأُ بِالْكَفَرَةِ ، فَتَقُولُ : هَلْ مِنْ مَزِيدٍ ؟ فَيُورِدُ الْمُؤْمِنِينَ فِيهَا فَتُمْلَأُ وَتَقُولُ قَطْ . وَأَمَّا السُّؤَالُ الثَّلَاثُونَ ) . فَفِي " كَشْفِ الْأَسْرَارِ " أَنَّ طَاءَ شَجَرَةُ طُوبَى ، وَسِينَ سِدْرَةُ الْمُنْتَهَى ، وَمِيمَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ فِي قَوْلِهِ : ( طسم ) فَإِنَّ الطَّاءَ مِنْ ذِي الطَّوْلِ ، وَالسِّينَ مِنَ الْقُدُّوسِ ، وَالْمِيمَ مِنَ الرَّحْمَنِ ، وَالْأَقْوَالُ فِي فَوَاتِحِ السُّوَرِ كَثِيرَةٌ مَشْهُورَةٌ ، وَالَّذِي أَخْتَارُهُ أَنَّهَا مِنَ الْمُتَشَابِهِ الَّذِي لَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ . أَخْرَجَ ابن المنذر فِي تَفْسِيرِهِ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ فَوَاتِحِ السُّوَرِ فَقَالَ : إِنَّ لِكُلِّ كِتَابٍ سِرًّا وَإِنَّ سِرَّ هَذَا الْقُرْآنِ فَوَاتِحُ السُّوَرِ . وَأَمَّا السُّؤَالُ الْحَادِي وَالثَّلَاثُونَ : فَفِي كَشْفِ الْأَسْرَارِ قَالَ النيسابوري : سَبْعُونَ ذَرَّةً تَزِنُ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ ، وَسَبْعُونَ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ تَزِنُ حَبَّةً . وَأَمَّا السُّؤَالُ الثَّانِي وَالثَّلَاثُونَ : فَقَالَ السهروردي فِي " عَوَارِفِ الْمَعَارِفِ " : عِلْمُ الْيَقِينِ مَا كَانَ مِنْ طَرِيقِ النَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ ، وَعَيْنُ الْيَقِينِ مَا كَانَ مِنْ طَرِيقِ الْكُشُوفِ وَالنَّوَالِ ، وَحَقُّ الْيَقِينِ مَا كَانَ بِتَحْقِيقِ الِانْفِصَالِ عَنْ لَوْثِ الصَّلْصَالِ بِوُرُودِ رَائِدِ الْوِصَالِ . وَقَالَ فارس : عَلِمُ الْيَقِينِ لَا اضْطِرَابَ فِيهِ ، وَعَيْنُ الْيَقِينِ هُوَ الْعِلْمُ الَّذِي أَوْدَعَهُ اللَّهُ لِلْأَسْرَارِ ، وَالْعِلْمُ إِذَا تَفَرَّدَ مِنْ نَعْتِ الْيَقِينِ كَانَ عِلْمًا بِشُبْهَةٍ ، فَإِذَا انْضَمَّ إِلَيْهِ عَيْنُ الْيَقِينِ كَانَ عِلْمًا بِلَا شُبْهَةٍ ، وَحَقُّ الْيَقِينِ هُوَ حَقِيقَةُ مَا يُشِيرُ إِلَيْهِ عِلْمُ الْيَقِينِ وَعَيْنُ الْيَقِينِ . قَالَ الجنيد : حَقُّ الْيَقِينِ مَا يَتَحَقَّقُ الْعَبْدُ بِذَلِكَ ، وَهُوَ أَنْ يُشَاهِدَ الْغُيُوبَ كَمَا يُشَاهِدُ الْمَرْئِيَّاتِ مُشَاهَدَةَ عِيَانٍ ، وَيَحْكُمُ فِي الْغَيْبِ فَيُخْبِرُ عَنْهُ بِالصِّدْقِ ، كَمَا أَخْبَرَ الصِّدِّيقُ حِينَ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَاذَا أَبْقَيْتَ لِعِيَالِكَ؟ قَالَ : اللَّهَ وَرَسُولَهُ . وَقَالَ بَعْضُهُمْ : عِلْمُ الْيَقِينِ حَالُ الْمَعْرِفَةِ ، وَعَيْنُ الْيَقِينِ حَالُ الْجَمْعِ ، وَحَقُّ الْيَقِينِ جَمْعُ الْجَمْعِ بِلِسَانِ التَّوْحِيدِ . وَقِيلَ : الْيَقِينُ اسْمٌ وَرَسْمٌ وَعِلْمٌ وَعَيْنٌ وَحَقٌّ ; فَالِاسْمُ وَالرَّسْمُ لِلْعَوَامِّ ، وَالْعِلْمُ عِلْمُ الْيَقِينِ لِلْأَوْلِيَاءِ ، وَعَيْنُ الْيَقِينِ لِخَوَاصِّ الْأَوْلِيَاءِ ، وَحَقُّ الْيَقِينِ لِلْأَنْبِيَاءِ ، وَحَقِيقَةُ حَقِّ الْيَقِينِ اخْتُصَّ بِهِ نَبِيُّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .

            ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


            الخدمات العلمية