الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                      جزء صفحة
                                      المهذب . قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ( تَجِبُ الصَّلَاةُ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ ; لِأَنَّ الْأَمْرَ تَنَاوَلَ أَوَّلَ الْوَقْتِ فَاقْتَضَى الْوُجُوبَ فِيهِ ) . المجموع ( الشَّرْحُ ) مَذْهَبُنَا أَنَّ الصَّلَاةَ تَجِبُ بِأَوَّلِ الْوَقْتِ وُجُوبًا مُوَسَّعًا ، وَيَسْتَقِرُّ الْوُجُوبُ بِإِمْكَانِ فِعْلِهَا ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَدَاوُد وَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ نَقَلَهُ الْمَاوَرْدِيُّ عَنْ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ ، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رِوَايَاتٌ ( إحْدَاهَا ) كَمَذْهَبِنَا ، وَهِيَ غَرِيبَةٌ . ( وَالثَّانِيَةُ ) وَهِيَ رِوَايَةُ زُفَرَ عَنْهُ : يَجِبُ إذَا بَقِيَ مِنْ الْوَقْتِ مَا يَسَعُ صَلَاةَ الْوَقْتِ ( وَالثَّالِثَةُ ) وَهِيَ الْمَشْهُورَةُ عَنْهُ وَحَكَاهَا عَنْهُ جُمْهُورُ أَصْحَابِنَا أَنَّهَا تَجِبُ بِآخِرِ الْوَقْتِ إذَا بَقِيَ مِنْهُ قَدْرُ تَكْبِيرَةٍ ، فَلَوْ صَلَّى فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ قَالَ أَكْثَرُ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ تَقَعُ صَلَاتُهُ مَوْقُوفَةً ، فَإِنْ بَقِيَ إلَى آخِرِ الْوَقْتِ مُكَلَّفًا تَبَيَّنَّا وُقُوعَهَا فَرْضًا وَإِلَّا كَانَتْ نَفْلًا ، وَقَالَ الْكَرْخِيُّ مِنْهُمْ تَقَعُ نَفْلًا ، فَإِنْ بَقِيَ إلَى آخِرِ الْوَقْتِ مُكَلَّفًا مَنَعَ ذَلِكَ النَّفَلُ وُجُوبَ الْفَرْضِ عَلَيْهِ . وَاحْتَجَّ لِأَبِي حَنِيفَةَ فِي كَوْنِهَا لَا تَجِبُ بِأَوَّلِ الْوَقْتِ ; لِأَنَّهَا لَوْ وَجَبَتْ لَمْ يَجُزْ تَأْخِيرُهَا كَصَوْمِ رَمَضَانَ ، وَلِأَنَّ وَقْتَ الصَّلَاةِ كَحَوْلِ الزَّكَاةِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ فِعْلُهَا فِي أَوَّلِهِ وَآخِرِهِ كَالصَّلَاةِ ، ثُمَّ الزَّكَاةُ تَجِبُ بِآخِرِهِ فَكَذَا الصَّلَاةُ ، وَلِأَنَّ مَنْ دَخَلَ وَقْتُ الصَّلَاةِ وَهُوَ حَاضِرٌ وَمَضَى مَا يُمْكِنُ فِيهِ الصَّلَاةُ ثُمَّ سَافَرَ فَلَهُ قَصْرُ هَذِهِ الصَّلَاةِ ، فَلَوْ وَجَبَتْ بِأَوَّلِ الْوَقْتِ لَمْ يَجُزْ قَصْرُهَا ، كَمَا لَوْ سَافَرَ بَعْدَ الْوَقْتِ ، وَلِأَنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ فِعْلِهَا فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ وَتَرْكِهَا ، فَإِذَا فَعَلَهَا فِيهِ كَانَتْ نَفْلًا . وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ } وَالدُّلُوكُ الزَّوَالُ كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ فِي وَقْتِ الظُّهْرِ ، وَهَذَا أَمْرٌ وَهُوَ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ ، وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : كَيْفَ أَنْتَ إذَا بَقِيَتْ فِي قَوْمٍ يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِهَا ؟ قَالَ : فَمَا تَأْمُرُنِي ؟ قَالَ : صَلِّ الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا ثُمَّ اذْهَبْ لِحَاجَتِك ، فَإِنْ أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ وَأَنْتَ فِي الْمَسْجِدِ فَصَلِّ } رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَمَعْنَاهُ يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ عَنْ أَوَّلِ وَقْتِهَا ، فَهَذَا هُوَ الْمَنْقُولُ عَنْ أُولَئِكَ الْأُمَرَاءِ ، وَهُوَ التَّأَخُّرُ عَنْ أَوَّلِ الْوَقْتِ لَا عَنْ الْوَقْتِ كُلِّهِ وَمَعْنَى ( صَلِّ الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا ) أَيْ لِأَوَّلِ وَقْتِهَا ، وَلِأَنَّهَا عِبَادَةٌ مَقْصُودَةٌ لَا لِغَيْرِهَا تَجِبُ فِي الْبَدَنِ لَا تَعَلُّقَ لَهَا بِالْمَالِ ، تَجُوزُ فِي عُمُومِ الْأَوْقَاتِ ، فَكَانَ كُلُّ وَقْتٍ لِجَوَازِهَا وَقْتًا لِوُجُوبِهَا كَالصَّوْمِ . قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ احْتَرَزْنَا بِقَوْلِنَا : مَقْصُودَةٌ لَا لِغَيْرِهَا عَنْ الْوُضُوءِ ، وَبِقَوْلِنَا تَجِبُ فِي الْبَدَنِ عَنْ الزَّكَاةِ ، وَبِقَوْلِنَا : لَا تَعَلُّقَ بِالْمَالِ عَنْ الْحَجِّ ، وَبِقَوْلِنَا : فِي عُمُومِ الْأَوْقَاتِ عَنْ صَلَاةِ الْجَمْعِ ، فَإِنَّهُ تَجُوزُ صَلَاةُ الْعَصْرِ فِي وَقْتِ الظُّهْرِ تَبَعًا ، وَإِنْ كَانَتْ الْآنَ غَيْرَ وَاجِبَةٍ ، لَكِنَّهَا لَا تَجُوزُ فِي هَذَا الْوَقْتِ فِي عُمُومِ الْأَوْقَاتِ ، وَإِنَّمَا تَجُوزُ فِي سَفَرٍ أَوْ مَطَرٍ أَوْ فِي نُسُكِ الْحَجِّ . وَالْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِمْ : لَوْ وَجَبَتْ بِأَوَّلِ الْوَقْتِ لَمْ يَجُزْ تَأْخِيرُهَا كَصَوْمِ رَمَضَانَ أَنَّ الْوَاجِبَ ضَرْبَانِ : مُوَسَّعٌ وَمُضَيَّقٌ ، فَالْمُوَسَّعُ يَتْبَعُ فِيهِ التَّوَسُّعَ وَلَهُ أَنْ يَفْعَلَهُ فِي كُلِّ وَقْتٍ مِنْ ذَلِكَ الزَّمَنِ الْمَحْدُودِ لِلتَّوَسُّعِ ، وَمِنْ هَذَا الضَّرْبِ الصَّلَاةُ ، وَأَمَّا الْمُضَيَّقُ فَتَجِبُ الْمُبَادَرَةُ بِهِ ، وَمِنْ هَذَا صَوْمُ رَمَضَانَ فِي حَقِّ الْمُقِيمِ . وَالْجَوَابُ عَنْ قِيَاسِهِمْ عَلَى حَوْلِ الزَّكَاةِ أَنَّ تَعْجِيلَ الزَّكَاةِ جُوِّزَ رُخْصَةً لِلْحَاجَةِ وَإِلَّا فَقِيَاسُ الْعِبَادَاتِ أَلَّا تُقَدَّمَ . وَجَوَابٌ آخَرُ ، وَهُوَ أَنَّ الزَّكَاةَ لَا تَجِبُ إلَّا بَعْدَ انْقِضَاءِ الْحَوْلِ بِالِاتِّفَاقِ ، وَاتَّفَقْنَا عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ تَجِبُ فِي الْوَقْتِ ، لَكِنْ قُلْنَا نَحْنُ : تَجِبُ بِأَوَّلِهِ ، وَهُمْ : بِآخِرِهِ ، فَلَا يَصِحُّ إلْحَاقُهَا بِهَا ، وَالْجَوَابُ عَنْ مَسْأَلَةِ الْمُسَافِرِ أَنَّ لَنَا فِيهَا خِلَافًا ، فَفِي وَجْهٍ قَالَ الْمُزَنِيّ وَابْنُ سُرَيْجٍ : لَا يَجُوزُ الْقَصْرُ ، وَعَلَى الصَّحِيحِ الْمَنْصُوصِ وَقَوْلِ جُمْهُورِ أَصْحَابِنَا يَجُوزُ الْقَصْرُ ، فَعَلَى هَذَا إنَّمَا جَازَ الْقَصْرُ ; لِأَنَّهُ صِفَةٌ لِلصَّلَاةِ وَالِاعْتِبَارُ فِي صِفَتِهَا بِحَالِ فِعْلِهَا لَا بِحَالِ وُجُوبِهَا ، وَلِهَذَا لَوْ فَاتَهُ صَلَاةٌ فِي حَالِ قُدْرَتِهِ عَلَى الْقِيَامِ أَوْ الْمَاءِ ثُمَّ عَجَزَ عَنْهُمَا صَلَّاهَا قَاعِدًا بِالتَّيَمُّمِ وَأَجْزَأَتْهُ ، وَلَوْ فَاتَتْهُ وَهُوَ عَاجِزٌ عَنْهُمَا فَقَضَاهَا وَهُوَ قَادِرٌ لَزِمَهُ الْقِيَامُ وَالْوُضُوءُ . وَالْجَوَابُ عَنْ قِيَاسِهِمْ عَلَى النَّوَافِلِ أَنَّهُ يَجُوزُ تَرْكُهَا مُطْلَقًا ، وَالْمَكْتُوبَةُ لَا يَجُوزُ تَرْكُهَا مُطْلَقًا بِالْإِجْمَاعِ ، وَلِأَنَّهُ يُنْتَقَضُ بِمَنْ نَذَرَ أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ فِي يَوْمِ كَذَا فَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَهُمَا فِي أَيِّ وَقْتٍ مِنْهُ شَاءَ ، فَلَوْ صَلَّاهُمَا فِي أَوَّلِهِ وَقَعَتَا فَرْضًا . قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي الْأَسَالِيبِ : " الْوَجْهُ أَنْ نَقُولَ لَهُمْ : أَتُسَلِّمُونَ الْوَاجِبَ الْمُوَسَّعَ أَمْ تُنْكِرُونَهُ ؟ فَإِنْ أَنْكَرُوهُ أَقَمْنَا عَلَيْهِ قَوَاطِعَ الْأَدِلَّةِ ، وَالْقَوْلُ الْوَجِيزُ فِيهِ أَنَّ الْمَعْنِيَّ بِالْوَاجِبِ الْمُوَسَّعِ أَنْ يَقُولَ الشَّارِعُ : قَدْ أَوْجَبْتُ عَلَيْكَ تَحْصِيلَ هَذَا الْفِعْلِ ، وَضَرَبْتُ لِتَحْصِيلِكَ إيَّاهُ هَذَا الْأَمَدَ ، فَمَتَى فَعَلْتَهُ فِيهِ فِي أَوَّلِهِ أَوْ آخِرِهِ فَقَدْ امْتَثَلْتَ مَا أَمَرْتُكَ بِهِ فَهَذَا غَيْرُ مُنْكَرٍ عَقْلًا ، وَلَهُ نَظَائِرُ ثَابِتَةٌ بِالِاتِّفَاقِ كَالْكَفَّارَاتِ وَقَضَاءِ الصَّلَوَاتِ الْمَنْسِيَّاتِ وَالصَّوْمِ الْمَتْرُوكِ بِعُذْرٍ ، وَإِنْ اعْتَرَفُوا بِالْوَاجِبِ الْمُوَسَّعِ قُلْنَا لَهُمْ : الْمُكَلَّفُ مَأْمُورٌ بِتَحْصِيلِ الصَّلَاةِ فِي وَقْتٍ مُوَسَّعٍ ، وَمَتَى أَوْقَعَهَا فِيهِ سَقَطَ عَنْهُ الْفَرْضُ ، وَعِبَادَاتُ الْبَدَنِ لَا تَصِحُّ قَبْلَ وُجُوبِهَا . فَإِنْ قَالُوا : لَوْ وَجَبَتْ لَعَصَى بِتَأْخِيرِهَا عَنْ أَوَّلِ الْوَقْتِ . قُلْنَا هَذِهِ صِفَةٌ لِلْوَاجِبِ الْمُضَيَّقِ ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ هَذَا وَاجِبٌ مُوَسَّعٌ كَالْكَفَّارَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ " .

                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                      الخدمات العلمية