الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                      جزء صفحة
                                      المهذب قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ( وَيُدْخَلُ فِي الصَّوْمِ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ وَيُخْرَجُ مِنْهُ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ ، لِمَا رَوَى عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { إذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ مِنْ هَهُنَا وَأَدْبَرَ النَّهَارُ مِنْ هَهُنَا وَغَابَتْ الشَّمْسُ مِنْ هَهُنَا فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ } وَيَجُوزُ أَنْ يَأْكُلَ وَيَشْرَبَ وَيُبَاشِرَ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ } فَإِنْ جَامَعَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَأَصْبَحَ وَهُوَ جُنُبٌ جَازَ صَوْمُهُ لِأَنَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَمَّا أَذِنَ فِي الْمُبَاشَرَةِ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ ثُمَّ أَمَرَ بِالصَّوْمِ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُصْبِحَ صَائِمًا وَهُوَ جُنُبٌ . وَرَوَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " { كَانَ يُصْبِحُ جُنُبًا مِنْ جِمَاعٍ غَيْرِ احْتِلَامٍ ثُمَّ يَصُومُ } فَإِنْ طَلَعَ الْفَجْرُ وَفِي فِيهِ طَعَامٌ فَأَكَلَهُ ، أَوْ كَانَ مُجَامِعًا فَاسْتَدَامَ بَطَلَ صَوْمُهُ ، وَإِنْ لَفَظَ الطَّعَامَ أَوْ أَخْرَجَ مَعَ طُلُوعِ الْفَجْرِ صَحَّ صَوْمُهُ وَقَالَ الْمُزَنِيّ : إذَا أَخْرَجَ مَعَ طُلُوعِ الْفَجْرِ لَمْ يَصِحَّ صَوْمُهُ ; لِأَنَّ الْجِمَاعَ إيلَاجٌ وَإِخْرَاجٌ فَإِذَا بَطَلَ بِالْإِيلَاجِ بَطَلَ بِالْإِخْرَاجِ وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ يَصِحُّ صَوْمُهُ أَنَّ الْإِخْرَاجَ تَرْكٌ لِلْجِمَاعِ ، وَمَا عُلِّقَ عَلَى فِعْلِ شَيْءٍ يَتَعَلَّقُ بِتَرْكِهِ ، كَمَا لَوْ حَلَفَ أَلَّا يَلْبَسَ هَذَا الثَّوْبَ وَهُوَ عَلَيْهِ فَبَدَأَ يَنْزِعُهُ لَمْ يَحْنَثْ وَإِنْ أَكَلَ وَهُوَ يَشُكُّ فِي طُلُوعِ الْفَجْرِ صَحَّ صَوْمُهُ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ اللَّيْلِ ، وَإِنْ أَكَلَ وَهُوَ شَاكٌّ فِي غُرُوبِ الشَّمْسِ لَمْ يَصِحَّ صَوْمُهُ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ النَّهَارِ ) . ( السَّادِسَةُ ) إذَا طَلَعَ الْفَجْرُ وَفِي فِيهِ طَعَامٌ فَلْيَلْفِظْهُ ، فَإِنْ لَفَظَهُ صَحَّ صَوْمُهُ ، فَإِنْ ابْتَلَعَهُ أَفْطَرَ ، فَلَوْ لَفَظَهُ فِي الْحَالِ فَسَبَقَ مِنْهُ شَيْءٌ إلَى جَوْفِهِ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ فَوَجْهَانِ مُخَرَّجَانِ مِنْ سَبْقِ الْمَاءِ فِي الْمَضْمَضَةِ ، لَكِنَّ الْأَصَحَّ هُنَا أَنَّهُ لَا يُفْطِرُ ، وَالْأَصَحُّ فِي الْمَضْمَضَةِ أَنَّهُ إنْ بَالَغَ أَفْطَرَ ، وَإِلَّا فَلَا ، وَلَوْ طَلَعَ الْفَجْرُ ، وَهُوَ مُجَامِعٌ فَنَزَعَ فِي الْحَالِ صَحَّ صَوْمُهُ ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْمُخْتَصَرِ قَالَ أَصْحَابُنَا : لِلنَّزْعِ عِنْدَ الْفَجْرِ ثَلَاثُ صُوَرٍ ( إحْدَاهَا ) أَنْ يَحُسَّ بِالْفَجْرِ وَهُوَ مُجَامِعٌ فَيَنْزِعُ بِحَيْثُ يَقَعُ آخِرُ النَّزْعِ مَعَ أَوَّلِ الطُّلُوعِ ( وَالثَّانِيَةُ ) يَطْلُعُ الْفَجْرُ وَهُوَ مُجَامِعٌ فَيَعْلَمُ الطُّلُوعَ فِي أَوَّلِهِ فَيَنْزِعُ فِي الْحَالِ ( الثَّالِثَةُ ) أَنْ يَمْضِيَ بَعْدَ الطُّلُوعِ لَحْظَةً وَهُوَ مُجَامِعٌ لَا يَعْلَمُ الْفَجْرَ ثُمَّ يَعْلَمَهُ فَيَنْزِعَ . أَمَّا الثَّالِثَةُ فَلَيْسَتْ مُرَادَةً بِنَصِّ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بَلْ الْحُكْمُ فِيهَا بُطْلَانُ الصَّوْمِ عَلَى الْمَذْهَبِ ، وَفِيهَا الْوَجْهُ السَّابِقُ فِيمَنْ أَكَلَ ظَانًّا أَنَّ الْفَجْرَ لَمْ يَطْلُعْ وَكَانَ قَدْ طَلَعَ ، فَعَلَى الْمَذْهَبِ لَوْ مَكَثَ بَعْدَ عِلْمِهِ أَثِمَ وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ إنَّمَا مَكَثَ بَعْدَ بُطْلَانِ الصَّوْمِ ، وَعَلَى الْوَجْهِ الضَّعِيفِ تَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ بِالِاسْتِدَامَةِ كَمَا سَنُوَضِّحُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . وَأَمَّا الصُّورَتَانِ الْأُولَتَانِ فَهُمَا مُرَادَتَانِ بِالنَّصِّ فَلَا يَبْطُلُ الصَّوْمُ فِيهِمَا ، وَفِي الثَّانِيَةِ وَجْهٌ ضَعِيفٌ شَاذٌّ أَنَّهُ يَبْطُلُ ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُزَنِيِّ أَيْضًا كَمَا حَكَاهُ الْمُصَنِّفُ ، وَقَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ دَلِيلَ الْجَمِيعِ ، أَمَّا إذَا طَلَعَ الْفَجْرُ وَهُوَ مُجَامِعٌ فَعَلِمَ طُلُوعَهُ ، ثُمَّ مَكَثَ مُسْتَدِيمًا لِلْجِمَاعِ فَيَبْطُلُ صَوْمُهُ بِلَا خِلَافٍ ، نَصَّ عَلَيْهِ وَتَابَعَهُ الْأَصْحَابُ ، وَلَا يُعْلَمُ فِيهِ خِلَافٌ لِلْعُلَمَاءِ وَتَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ عَلَى الْمَذْهَبِ ، وَقِيلَ : فِيهِ قَوْلَانِ ، وَسَتَأْتِي الْمَسْأَلَةُ مَبْسُوطَةً حَيْثُ ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ، وَلَوْ جَامَعَ نَاسِيًا ثُمَّ تَذَكَّرَ فَاسْتَدَامَ فَهُوَ كَالِاسْتِدَامَةِ بَعْدَ الْعِلْمِ بِالْفَجْرِ ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ . فَإِنْ قِيلَ : كَيْفَ يَعْلَمُ الْفَجْرَ بِمُجَرَّدِ طُلُوعِهِ ؟ وَطُلُوعُهُ الْحَقِيقِيُّ يَتَقَدَّمُ عَلَى عِلْمِنَا بِهِ فَأَجَابَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ وَوَلَدُهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ بِجَوَابَيْنِ ( أَحَدُهُمَا ) أَنَّهَا مَسْأَلَةٌ عِلْمِيَّةٌ وَلَا يَلْزَمُ وُقُوعُهَا ، كَمَا يُقَالُ فِي الْفَرَائِضِ : مِائَةُ جَدَّةٍ ( وَالثَّانِي ) وَهُوَ الصَّوَابُ الَّذِي لَا يَجُوزُ غَيْرُهُ أَنَّ هَذَا مُتَصَوَّرٌ ، لِأَنَّا إنَّمَا تَعَبَّدْنَا بِمَا نَطَّلِعُ عَلَيْهِ ، لَا بِمَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ ، فَلَا مَعْنَى لِلصُّبْحِ إلَّا ظُهُورَ الضَّوْءِ لِلنَّاظِرِ ، وَمَا قَبْلَهُ لَا حُكْمَ لَهُ ، وَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ تَكْلِيفٌ ، فَإِذَا كَانَ الْإِنْسَانُ عَارِفًا بِالْأَوْقَاتِ وَمَنَازِلِ الْقَمَرِ فَيَرْصُدُ بِحَيْثُ لَا حَائِلَ فَهُوَ أَوَّلُ الصُّبْحِ الْمُعْتَبَرِ فَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ ، وَبِهِ قَطَعَ الْمُتَوَلِّي وَالْجُمْهُورُ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .

                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                      الخدمات العلمية