الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                      جزء صفحة
                                      المهذب قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ( وَمَا حَرُمَ عَلَى الْمُحْرِمِ مِنْ الصَّيْدِ حَرُمَ عَلَيْهِ بَيْضُهُ وَإِذَا كَسَرَهُ وَجَبَ عَلَيْهِ الْجَزَاءُ وَقَالَ الْمُزَنِيّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَا جَزَاءَ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ لَا رُوحَ فِيهِ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { : فِي بَيْضِ النَّعَامَةِ يُصِيبُهُ الْمُحْرِمُ ثَمَنُهُ } وَلِأَنَّهُ خَارِجٌ مِنْ الصَّيْدِ يُخْلَقُ مِنْهُ مِثْلُهُ فَضَمِنَ بِالْجَزَاءِ كَالْفَرْخِ فَإِذَا كَسَرَ بَيْضًا لَمْ يَحِلَّ لَهُ أَكْلُهُ وَهَلْ يَحِلُّ لِغَيْرِهِ ؟ فِيهِ قَوْلَانِ كَالصَّيْدِ وَقَالَ شَيْخُنَا الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - : فِي تَحْرِيمِهِ عَلَى غَيْرِهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّهُ لَا رُوحَ فِيهِ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى ذَكَاةٍ وَإِنْ كَسَرَ بَيْضًا مَذِرًا لَمْ يَضْمَنْهُ مِنْ غَيْرِ النَّعَامَةِ ; لِأَنَّ لَا قِيمَةَ لَهُ وَيَضْمَنُهُ مِنْ النَّعَامَةِ ; لِأَنَّ لِقِشْرِ بَيْضِ النَّعَامَةِ قِيمَةً ) . ( الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ ) قَالَ الْعَبْدَرِيُّ : الْحَيَوَانُ ضَرْبَانِ أَهْلِيٌّ وَوَحْشِيٌّ فَالْأَهْلِيُّ يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ قَتْلُهُ إجْمَاعًا وَالْوَحْشِيُّ يَحْرُمُ عَلَيْهِ إتْلَافُهُ إنْ كَانَ مَأْكُولًا أَوْ مُتَوَلَّدًا مِنْ مَأْكُولٍ وَغَيْرِهِ وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يُؤْكَلُ وَلَيْسَ مُتَوَلِّدًا مِنْ مَأْكُولٍ وَغَيْرِهِ فَلَا هَذَا مَذْهَبُنَا وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ وَدَاوُد وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : عَلَيْهِ الْجَزَاءُ إلَّا فِي الذِّئْبِ وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " { خَمْسٌ لَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ قَتَلَهُنَّ فِي الْإِحْرَامِ الْغُرَابُ وَالْفَأْرَةُ وَالْعَقْرَبُ وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ وَالْحِدَأَةُ } قَالَ : فَأَخَذَ بِظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ الثَّوْرِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ غَيْرَ أَنَّ أَحْمَدَ لَمْ يَذْكُرْ الْفَأْرَةَ قَالَ : وَكَانَ مَالِكٌ يَقُولُ : الْكَلْبُ الْعَقُورُ مَا عَقَرَ النَّاسَ وَعَدَا عَلَيْهِمْ كَالْأَسَدِ وَالنَّمِرِ وَالْفَهْدِ وَالذِّئْبِ قَالَ : فَأَمَّا مَا لَا يَعْدُو مِنْ السِّبَاعِ فَفِيهِ الْفِدْيَةُ قَالَ : وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ : إنْ ابْتَدَأَهُ السَّبُعُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَإِنْ ابْتَدَأَ الْمُحْرِمُ السَّبُعَ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ قِيمَتُهُ أَكْثَرَ مِنْ الدَّمِ فَعَلَيْهِ دَمٌ إلَّا الْكَلْبَ وَالذِّئْبَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَإِنْ ابْتَدَأَهُمَا قَالَ : وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي قَتْلِ الْحَيَّةِ قَالَ : وَأَبَاحَ أَكْثَرُهُمْ قَتْلَ الْغُرَابِ فِي الْإِحْرَامِ مِنْهُمْ أَبُو عُمَرَ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ : إنَّمَا يُبَاحُ الْغُرَابُ الْأَبْقَعُ دُونَ سَائِرِ الْغِرْبَانِ ( وَأَمَّا ) الْفَأْرَةُ فَأَبَاحَ الْجُمْهُورُ قَتْلَهَا وَلَا جَزَاءَ فِيهَا وَلَا خِلَافَ فِيهَا بَيْنَ الْعُلَمَاءِ إلَّا مَا حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ النَّخَعِيِّ أَنَّهُ مُنِعَ الْمُحْرِمُ مِنْ قَتْلِهَا قَالَ : وَهَذَا لَا مَعْنَى فِيهِ ; لِأَنَّهُ خِلَافُ السُّنَّةِ وَقَوْلِ الْعُلَمَاءِ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : وَأَجْمَعُو عَلَى أَنَّ السَّبُعَ إذَا بَدَرَ الْمُحْرِمَ فَقَتَلَهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ قَالَ : وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ بَدَأَ السَّبُعَ فَقَالَ مُجَاهِدٌ وَالنَّخَعِيُّ وَالشَّعْبِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ : لَا يَقْتُلُهُ وَقَالَ عَطَاءٌ وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ لَا بَأْسَ بِقَتْلِهِ فِي الْإِحْرَامِ عَدَا عَلَيْهِ أَمْ لَمْ يَعْدُ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : وَبِهِ أَقُولُ . قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ لَا شَيْءَ عَلَى الْمُحْرِمِ فِي قَتْلِ الْبَعُوضِ وَالْبَرَاغِيثِ وَالْبَقِّ وَكَذَا قَالَ عَطَاءٌ فِي الْبَعُوضِ وَالذُّبَابِ وَقَالَ مَالِكٌ فِي الذُّبَابِ وَالذَّرِّ وَالْقَمْلِ إذَا قَتَلَهُنَّ : أَرَى أَنْ يَتَصَدَّقَ بِشَيْءٍ مِنْ الطَّعَامِ وَكَانَ الشَّافِعِيُّ يَكْرَهُ قَتْلَ النَّمْلَةِ وَلَا يَرَى عَلَى الْمُحْرِمِ فِي قَتْلِهَا شَيْئًا ، قَالَ فَأَمَّا الزُّنْبُورُ فَقَدْ ثَبَتَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ كَانَ يَأْمُرُ بِقَتْلِهِ ، وَقَالَ عَطَاءٌ وَأَحْمَدُ : لَا جَزَاءَ فِيهِ ، وَقَالَ مَالِكٌ : يُطْعِمُ شَيْئًا قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَأَمَّا الْقَمْلُ إذَا قَتَلَهَا الْمُحْرِمُ فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ : يَتَصَدَّقُ بِحَفْنَةٍ مِنْ طَعَامٍ ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : " أَهْوَنُ مَقْتُولٍ . أَيْ لَا شَيْءَ فِيهَا " . وَقَالَ عَطَاءُ : قَبْضَةٌ مِنْ طَعَامٍ ، وَمِثْلُهُ عَنْ قَتَادَةَ . وَقَالَ مَالِكٌ حَفْنَةٌ مِنْ طَعَامٍ . وَقَالَ أَحْمَدُ يُطْعِمُ شَيْئًا . وَقَالَ إِسْحَاقُ : تَمْرَةٌ فَمَا فَوْقَهَا ، وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ : مَا تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ خَيْرٌ مِنْهَا . وَقَالَ الثَّوْرِيُّ : يَقْتُلُهَا وَيُكَفِّرُ إذَا كَرِهَ وَقَالَ طَاوُسٌ وَعَطَاءُ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَأَبُو ثَوْرٍ يَقُولُونَ لَا شَيْءَ فِيهَا ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إنْ قَتَلَهَا مِنْ رَأْسِهِ افْتَدِي بِلُقْمَةٍ وَإِنْ كَانَتْ ظَاهِرَةً فِي جَسَدِهِ فَقَتَلَهَا فَلَا فِدْيَةَ . قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : لَا شَيْءَ فِيهَا وَلَيْسَ لِمَنْ أَوْجَبَ فِيهَا شَيْئًا حُجَّةٌ .

                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                      الخدمات العلمية