الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                      جزء صفحة
                                      المهذب قَالَ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - ( وَلَا يَجُوزُ إخْرَاجُ تُرَابِ الْحَرَمِ وَأَحْجَارِهِ ; لِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُمَا كَانَا يَكْرَهَانِ أَنْ يُخْرَجَ مِنْ تُرَابِ الْحَرَمِ إلَى الْحِلِّ ، أَوْ يُدْخَلَ مِنْ تُرَابِ الْحِلِّ إلَى الْحَرَمِ . وَرَوَى عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ قَالَ : " قَدِمْتُ مَعَ أُمِّي أَوْ مَعَ جَدَّتِي مَكَّةَ فَأَتَيْنَا صَفِيَّةَ بِنْتَ شَيْبَةَ ، فَأَرْسَلَتْ إلَى الصَّفَا فَقَطَعَتْ حَجَرًا مِنْ جَنَابِهِ فَخَرَجْنَا بِهِ ، فَنَزَلْنَا أَوَّلَ مَنْزِلٍ ، فَذَكَرَ مِنْ عِلَّتِهِمْ جَمِيعًا ، فَقَالَتْ أُمِّي أَوْ جَدَّتِي : مَا أَرَانَا أُتِينَا إلَّا أَنَّا أَخْرَجْنَا هَذِهِ الْقِطْعَةَ مِنْ الْحَرَمِ ، قَالَ : وَكُنْتُ أَنَا أُمَثِّلُهُمْ ، فَقَالَتْ لِي : انْطَلِقْ بِهَذِهِ الْقِطْعَةِ إلَى صَفِيَّةَ فَرُدَّهَا ، وَقُلْ لَهَا : إنَّ اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ - وَضَعَ فِي حَرَمِهِ شَيْئًا لَا يَنْبَغِي أَنْ يُخْرَجَ مِنْهُ ، قَالَ عَبْدُ الْأَعْلَى : فَمَا هُوَ إلَّا أَنْ نَحَّيْنَا ذَلِكَ فَكَأَنَّمَا أُنْشِطْنَا مِنْ عِقَالٍ " وَيَجُوزُ إخْرَاجُ مَاءِ زَمْزَمَ ، لِمَا رُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " اسْتَهْدَى رَاوِيَةً مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ ، فَبَعَثَ إلَيْهِ بِرَاوِيَةٍ مِنْ مَاءٍ ، وَلِأَنَّ الْمَاءَ يُسْتَخْلَفُ بِخِلَافِ التُّرَابِ وَالْأَحْجَارِ ) . ( فَرْعٌ ) مُهِمٌّ فِي بَيَانِ حُدُودِ حَرَمِ مَكَّةَ الَّذِي يَحْرُمُ فِيهِ الصَّيْدُ وَالنَّبَاتُ ، وَيُمْنَعُ أَخْذُ تُرَابِهِ وَأَحْجَارِهِ ، وَبَيَانُ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ الْأَحْكَامِ وَمَا يُخَالِفُ فِيهِ غَيْرَهُ مِنْ الْأَرْضِ ، وَفِيهِ مَسَائِلُ : ( إحْدَاهَا ) فِي حُدُودِ الْحَرَمِ ، وَقَدْ ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الْجِزْيَةِ مُخْتَصَرَةً - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّ الْحَرَمَ هُوَ مَكَّةُ ، وَمَا أَحَاطَ بِهَا مِنْ جَوَانِبِهَا جَعَلَ اللَّهُ - تَعَالَى - لَهَا حُكْمَهَا فِي الْحُرْمَةِ تَشْرِيفًا لَهَا ، وَمَعْرِفَةُ حُدُودِ الْحَرَمِ مِنْ أَهَمِّ مَا يُعْتَنَى بِهِ لِكَثْرَةِ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ الْأَحْكَامِ وَقَدْ اجْتَهَدْتُ فِي إيضَاحِهِ وَتَتَبُّعِ كَلَامِ الْأَئِمَّةِ فِي إتْقَانِهِ عَلَى أَكْمَلِ وُجُوهِهِ بِحَمْدِ اللَّهِ - تَعَالَى - ، فَحَدُّ الْحَرَمِ مِنْ جِهَةِ الْمَدِينَةِ دُونَ التَّنْعِيمِ عِنْدَ بُيُوتِ بَنِي نِفَارٍ ، عَلَى ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ مِنْ مَكَّةَ ، وَمِنْ طَرِيقِ الْيَمَنِ ، طَرَفُ أَضَاةِ لِبْنٍ عَلَى سَبْعَةِ أَمْيَالٍ مِنْ مَكَّةَ ، وَمِنْ طَرِيقِ الطَّائِفِ عَلَى عَرَفَاتٍ مِنْ بَطْنِ نَمِرَةَ عَلَى سَبْعَةِ أَمْيَالٍ ، وَمِنْ طَرِيقِ الْعِرَاقِ عَلَى ثَنِيَّةِ جَبَلٍ بِالْمَقْطَعِ عَلَى سَبْعَةِ أَمْيَالٍ وَمِنْ طَرِيقِ الْجِعْرَانَةِ فِي شِعْبِ آلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ عَلَى تِسْعَةِ أَمْيَالٍ ، وَمِنْ طَرِيقِ جَدَّةَ مُنْقَطِعُ الْأَعْشَاشِ عَلَى عَشَرَةِ أَمْيَالٍ مِنْ مَكَّةَ . هَكَذَا ذَكَرَ هَذِهِ الْحُدُودَ أَبُو الْوَلِيدِ الْأَزْرَقِيُّ فِي كِتَابِ مَكَّةَ وَأَبُو الْوَلِيدِ هَذَا أَحَدُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ الْآخِذِينَ عَنْهُ ، الَّذِينَ رَوَوْا عَنْهُ الْحَدِيثَ وَالْفِقْهَ . وَكَذَا ذَكَرَ هَذِهِ الْحُدُودَ الْمَاوَرْدِيُّ صَاحِبُ الْحَاوِي فِي كِتَابِهِ الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ وَكَذَا ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ وَأَصْحَابُنَا فِي كُتُبِ الْمَذْهَبِ ، إلَّا أَنَّ عِبَارَةَ بَعْضِهِمْ أَوْضَحُ مِنْ بَعْضٍ ، لَكِنَّ الْأَزْرَقِيَّ قَالَ فِي حَدِّهِ مِنْ طَرِيقِ الطَّائِفِ أَحَدَ عَشَرَةَ مِيلًا ، وَاَلَّذِي قَالَهُ الْجُمْهُورُ سَبْعَةٌ فَقَطْ ، بِتَقْدِيمِ السِّينِ عَلَى الْبَاءِ ، وَفِي هَذِهِ الْحُدُودِ أَلْفَاظٌ غَرِيبَةٌ يَنْبَغِي ضَبْطُهَا فَقَوْلُهُمْ : بُيُوتُ نِفَارٍ هُوَ - بِكَسْرِ النُّونِ وَبِالْفَاءِ - وَقَوْلُهُمْ أَضَاةُ لِبْنٍ - بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَبِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ - عَلَى وَزْنِ الْقَنَاةِ ، وَهِيَ مُسْتَنْقَعُ الْمَاءِ ، ( وَأَمَّا ) لِبْنٍ - فَبِلَامٍ مَكْسُورَةٍ ثُمَّ بَاءٍ مُوَحَّدَةٍ سَاكِنَةٍ - كَذَا ضَبَطَهَا الْإِمَامُ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْحَازِمِيُّ الْمُتَأَخِّرُ فِي كِتَابِهِ الْمُؤْتَلِفِ وَالْمُخْتَلِفِ فِي أَسْمَاءِ الْأَمَاكِنِ ، ( وَقَوْلُهُمْ ) : الْأَعْشَاشُ هُوَ - بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَبِشِينَيْنِ مُعْجَمَتَيْنِ - جَمْعُ عُشٍّ ( وَقَوْلُهُمْ ) فِي جَدَّةَ مِنْ جِهَةِ الْجِعْرَانَةِ تِسْعَةُ أَمْيَالٍ هُوَ بِتَقْدِيمِ التَّاءِ عَلَى السِّينِ ، ( وَأَمَّا ) الْحُدُودُ الثَّلَاثَةُ الْبَاقِيَةُ فَإِنَّهَا بِتَقْدِيمِ السِّينِ . ( وَاعْلَمْ ) أَنَّ الْحَرَمَ عَلَيْهِ عَلَامَاتٌ مَنْصُوبَةٌ فِي جَمِيعِ جَوَانِبِهِ ذَكَرَ الْأَزْرَقِيُّ . وَغَيْرُهُ بِأَسَانِيدِهِمْ أَنَّ إبْرَاهِيمَ الْخَلِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَّمَهَا ، وَنَصَبَ الْعَلَامَاتِ فِيهَا وَكَانَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ يُرِيهِ مَوَاضِعَهَا ، ثُمَّ أُمِرَ نَبِيُّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتَحْدِيدِهَا ثُمَّ عُمَرُ ثُمَّ عُثْمَانُ ثُمَّ مُعَاوِيَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ . وَهِيَ إلَى الْآنَ بَيِّنَةٌ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ ، قَالَ الْأَزْرَقِيُّ فِي آخِرِ كِتَابِ مَكَّةَ : أَنْصَابُ الْحَرَمِ الَّتِي عَلَى رَأْسِ الثَّنِيَّةِ مَا كَانَ مِنْ وُجُوهِهَا فِي هَذَا الشِّقِّ فَهُوَ حَرَمٌ ، وَمَا كَانَ فِي ظَهْرِهَا فَهُوَ حِلٌّ قَالَ : وَبَعْضُ الْأَعْشَاشِ فِي الْحِلِّ وَبَعْضُهُ فِي الْحَرَمِ .

                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                      الخدمات العلمية