الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                      جزء صفحة
                                      المهذب قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ( وَإِذَا فَرَغَ مِنْ الطَّوَافِ رَجَعَ إلَى مِنًى ، وَأَقَامَ بِهَا أَيَّامَ التَّشْرِيقِ يَرْمِي فِي كُلِّ يَوْمٍ الْجَمَرَاتِ الثَّلَاثِ ، كُلُّ جَمْرَةٍ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ ، فَيَرْمِي الْجَمْرَةَ الْأُولَى وَهِيَ الَّتِي تَلِي مَسْجِدَ الْخَيْفِ ، وَيَقِفُ قَدْرَ سُورَةٍ الْبَقَرَةِ يَدْعُو اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ ، ثُمَّ يَرْمِي الْجَمْرَةَ الْوُسْطَى وَيَقِفُ وَيَدْعُو اللَّهَ تَعَالَى كَمَا ذَكَرْنَا ، ثُمَّ يَرْمِي الْجَمْرَةَ الثَّالِثَةَ وَهِيَ جَمْرَةُ الْعَقَبَةِ وَلَا يَقِفُ عِنْدَهَا ، لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقَامَ بِمَكَّةَ حَتَّى صَلَّى الظُّهْرَ ، ثُمَّ رَجَعَ إلَى مِنًى فَأَقَامَ بِهَا أَيَّامَ التَّشْرِيقِ الثَّلَاثَ يَرْمِي الْجِمَارَ فَرَمَى الْجَمْرَةَ الْأُولَى إذَا زَالَتْ الشَّمْسُ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ ، ثُمَّ يَقِفُ فَيَدْعُو اللَّهَ تَعَالَى ثُمَّ يَأْتِي الْجَمْرَةَ الثَّانِيَةَ فَيَقُولُ مِثْلَ ذَلِكَ ، ثُمَّ يَأْتِي جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ فَيَرْمِيهَا ، وَلَا يَقِفُ عِنْدَهَا . } وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَرْمِيَ الْجِمَارَ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ إلَّا مُرَتِّبًا يَبْدَأُ بِالْأُولَى ثُمَّ بِالْوُسْطَى ثُمَّ بِجَمْرَةِ الْعَقَبَةِ ، لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَمَى هَكَذَا ، وَقَالَ { خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ } فَإِنْ نَسِيَ حَصَاةً وَلَمْ يَعْلَمْ مِنْ أَيِّ الْجِمَارِ تَرَكَهَا جَعَلَهَا مِنْ الْجَمْرَةِ الْأُولَى ، لِيُسْقِطَ الْفَرْضَ بِيَقِينٍ وَلَا يَجُوزُ الرَّمْيُ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ إلَّا بَعْدَ الزَّوَالِ ، لِأَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ { أَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ الثَّلَاثَةَ يَرْمِي الْجِمَارَ الثَّلَاثَ حِينَ تَزُولُ الشَّمْسُ } فَإِنْ تَرَكَ الرَّمْيَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ سَقَطَ الرَّمْيُ ، لِأَنَّهُ فَاتَ أَيَّامَ الرَّمْيِ ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ دَمٌ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَنْ تَرَكَ نُسُكًا فَعَلَيْهِ دَمٌ . } فَإِنْ تَرَكَ الرَّمْيَ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ إلَى الْيَوْمِ الثَّانِي أَوْ تَرَكَ الرَّمْيَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي إلَى الثَّالِثِ فَالْمَشْهُورُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّ الْأَيَّامَ الثَّلَاثَةَ كَالْيَوْمِ الْوَاحِدِ ، فَمَا تَرَكَ فِي الْأَوَّلِ يَرْمِيهِ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي ، وَمَا تَرَكَهُ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي يَرْمِيهِ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ يَجُوزُ لِرُعَاةِ الْإِبِلِ أَنْ يُؤَخِّرُوا الرَّمْيَ إلَى يَوْمٍ بَعْدَهُ ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ الْيَوْمُ الثَّانِي وَقْتًا لِرَمْيِ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ لَمَا جَازَ الرَّمْيُ فِيهِ ، وَقَالَ فِي الْإِمْلَاءِ رَمْيُ كُلِّ يَوْمٍ مُؤَقَّتٍ بِيَوْمِهِ ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ رَمْيٌ مَشْرُوعٌ فِي يَوْمٍ ، فَفَاتَ بِفَوَاتِهِ كَرَمْيِ الْيَوْمِ الثَّالِثِ ، فَإِنْ تَدَارَكَ عَلَيْهِ رَمْيُ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ . ( فَإِنْ قُلْنَا ) بِالْمَشْهُورِ بَدَأَ وَرَمَى عَنْ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ ثُمَّ عَنْ الْيَوْمِ الثَّانِي ثُمَّ عَنْ الْيَوْمِ الثَّالِثِ ، فَإِنْ نَوَى بِالرَّمْيِ الْأَوَّلِ عَنْ الْيَوْمِ الثَّانِي فَفِيهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا ) أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ ، لِأَنَّهُ تَرَكَ التَّرْتِيبَ ( وَالثَّانِي ) أَنَّهُ يُجْزِئُهُ عَنْ الْأَوَّلِ ; لِأَنَّ الرَّمْيَ مُسْتَحَقٌّ عَنْ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ ، فَانْصَرَفَ إلَيْهِ كَمَا لَوْ طَافَ بِنِيَّةِ الْوَدَاعِ ، وَعَلَيْهِ طَوَافُ الْفَرْضِ ( فَإِنْ قُلْنَا ) بِقَوْلِهِ فِي الْإِمْلَاءِ : إنْ رَمَى كُلَّ يَوْمٍ مُؤَقَّتٍ بِيَوْمِهِ وَفَاتَ الْيَوْمُ وَلَمْ يَرْمِ فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ ، ( أَحَدُهَا ) أَنَّ الرَّمْيَ يَسْقُطُ ، وَيَنْتَقِلُ إلَى الدَّمِ كَالْيَوْمِ الْأَخِيرِ ( وَالثَّانِي ) أَنَّهُ يَرْمِي وَيُرِيقُ دَمًا لِلتَّأْخِيرِ ، كَمَا لَوْ أَخَّرَ قَضَاءَ رَمَضَانَ حَتَّى أَدْرَكَهُ رَمَضَانُ آخَرُ ، فَإِنَّهُ يَصُومُ وَيَفْدِي ( وَالثَّالِثُ ) أَنَّهُ يَرْمِي وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ، كَمَا لَوْ تَرَكَ الْوُقُوفَ بِالنَّهَارِ فَإِنَّهُ يَقِفُ بِاللَّيْلِ وَلَا دَمَ عَلَيْهِ ، فَعَلَى هَذَا إذَا رَمَى عَنْ الْيَوْمِ الثَّانِي قَبْلَ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ جَازَ ، لِأَنَّهُ قَضَاءٌ فَلَا يَجِبُ فِيهِ التَّرْتِيبُ كَالصَّلَاةِ الْفَائِتَةِ . ( فَأَمَّا ) إذَا نَسِيَ رَمْيَ يَوْمِ النَّحْرِ فَفِيهِ طَرِيقَانِ ( مِنْ ) أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ : هُوَ كَرَمْيِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ ، فَيَرْمِي رَمْيَ يَوْمِ النَّحْرِ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ . وَتَكُونُ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ وَقْتًا لَهُ ، وَعَلَى قَوْلِهِ فِي الْإِمْلَاءِ يَكُونُ عَلَى الْأَقْوَالِ الثَّلَاثَةِ ، وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ : يَسْقُطُ رَمْيُ يَوْمِ النَّحْرِ قَوْلًا وَاحِدًا ; لِأَنَّهُ لَمَّا خَالَفَ رَمْيَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ فِي الْمِقْدَارِ وَالْمَحَلِّ خَالَفَهُ فِي الْوَقْتِ . وَمَنْ تَرَكَ رَمْيَ الْجِمَارِ الثَّلَاثِ فِي يَوْمٍ لَزِمَهُ دَمٌ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَنْ تَرَكَ نُسُكًا فَعَلَيْهِ دَمٌ } فَإِنْ تَرَكَ ثَلَاثَ حَصَيَاتٍ فَعَلَيْهِ دَمٌ لِأَنَّهُ يَقَعُ اسْمُ الْجَمْعِ الْمُطْلَقِ عَلَيْهِ فَصَارَ كَمَا لَوْ تَرَكَ الْجَمِيعَ وَإِنْ تَرَكَ حَصَاةً فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ ( أَحَدُهَا ) يَجِبُ عَلَيْهِ ثُلُثُ دَمٍ ( وَالثَّانِي ) مُدٌّ ( وَالثَّالِثُ ) دِرْهَمٌ ، وَإِنْ تَرَكَ حَصَاتَيْنِ لَزِمَهُ فِي أَحَدِ الْأَقْوَالِ ثُلُثَا دَمٍ ، وَفِي الثَّانِي مُدَّانِ ، وَفِي الثَّالِثِ دِرْهَمَانِ . وَإِنْ تَرَكَ الرَّمْيَ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَقُلْنَا بِالْقَوْلِ الْمَشْهُورِ : إنَّ الْأَيَّامَ الثَّلَاثَةَ كَالْيَوْمِ الْوَاحِدِ لَزِمَهُ دَمٌ كَالْيَوْمِ الْوَاحِدِ ( فَإِنْ قُلْنَا ) بِقَوْلِهِ فِي الْإِمْلَاءِ إنْ رَمَى كُلَّ يَوْمٍ مُؤَقَّتٍ بِيَوْمِهِ لَزِمَهُ ثَلَاثَةُ دِمَاءٍ ، وَإِنْ تَرَكَ رَمْيَ يَوْمِ النَّحْرِ وَأَيَّامَ التَّشْرِيقِ ( فَإِنْ قُلْنَا ) إنَّ رَمْيَ يَوْمِ النَّحْرِ كَرَمْيِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ لَزِمَهُ عَلَى الْقَوْلِ الْمَشْهُورِ دَمٌ وَاحِدٌ ( وَإِنْ قُلْنَا ) إنَّهُ يَنْفَرِدُ عَنْ رَمْيِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ ( فَإِنْ قُلْنَا ) إنَّ رَمْيَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ كَرَمْيِ الْيَوْمِ الْوَاحِدِ لَزِمَهُ دَمَانِ ( وَإِنْ قُلْنَا ) إنَّ رَمْيَ كُلِّ يَوْمٍ مُؤَقَّتٍ بِيَوْمِهِ لَزِمَهُ أَرْبَعَةُ دِمَاءٍ ) . ( فَرْعٌ ) فِي الْحِكْمَةِ فِي الرَّمْيِ ، قَالَ الْعُلَمَاءُ : أَصْلُ الْعِبَادَةِ الطَّاعَةُ وَكُلُّ عِبَادَةٍ فَلَهَا مَعْنًى قَطْعًا لِأَنَّ الشَّرْعَ لَا يَأْمُرُ بِالْعَبَثِ ثُمَّ مَعْنَى الْعِبَادَةِ قَدْ يَفْهَمُهُ الْمُكَلَّفُ وَقَدْ لَا يَفْهَمُهُ فَالْحِكْمَةُ فِي الصَّلَاةِ التَّوَاضُعُ وَالْخُضُوعُ وَإِظْهَارُ الِافْتِقَارِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى ، وَالْحِكْمَةُ فِي الصَّوْمِ كَسْرُ النَّفْسِ وَقَمْعُ الشَّهَوَاتِ ، وَالْحِكْمَةُ فِي الزَّكَاةِ مُوَاسَاةُ الْمُحْتَاجِ ، وَفِي الْحَجِّ إقْبَالُ الْعَبْدِ أَشْعَثَ أَغْبَرَ مِنْ مَسَافَةٍ بَعِيدَةٍ إلَى بَيْتٍ فَضَّلَهُ اللَّهُ ، كَإِقْبَالِ الْعَبْدِ إلَى مَوْلَاهُ ذَلِيلًا وَمِنْ الْعِبَادَاتِ الَّتِي لَا يُفْهَمُ مَعْنَاهَا السَّعْيُ وَالرَّمْيُ فَكُلِّفَ الْعَبْدُ بِهِمَا لِيَتِمَّ انْقِيَادُهُ ، فَإِنَّ هَذَا النَّوْعَ لَا حَظَّ لِلنَّفْسِ فِيهِ وَلَا لِلْعَقْلِ بِهِ ، وَلَا يَحْمِلُ عَلَيْهِ إلَّا مُجَرَّدُ امْتِثَالِ الْأَمْرِ وَكَمَالُ الِانْقِيَادِ ، فَهَذِهِ إشَارَةٌ مُخْتَصَرَةٌ تُعْرَفُ بِهَا الْحِكْمَةُ فِي جَمِيعِ الْعِبَادَاتِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَدْ سَبَقَ فِي أَوَاخِرِ فَصْلِ طَوَافِ الْقُدُومِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْخَامِسَةِ حَدِيثُ عَائِشَةَ قَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنَّمَا جُعِلَ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ ، وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ، وَرَمْيِ الْجِمَارِ ، لِإِقَامَةِ ذِكْرِ اللَّهِ } " وَرَوَيْنَا فِي سُنَنِ الْبَيْهَقِيّ وَغَيْرِهِ مَرْفُوعًا وَمَوْقُوفًا عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا " أَنَّ إبْرَاهِيمَ الْخَلِيلَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا أَتَى الْمَنَاسِكَ عَرَضَ لَهُ الشَّيْطَانُ عِنْدَ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ فَرَمَاهُ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ حَتَّى سَاخَ فِي الْأَرْضِ ، ثُمَّ عَرَضَ لَهُ عِنْدَ الْجَمْرَةِ الثَّانِيَةِ فَرَمَاهُ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ حَتَّى سَاخَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ عَرَضَ لَهُ فِي الثَّالِثَةِ فَرَمَاهُ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ حَتَّى سَاخَ فِي الْأَرْضِ ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : الشَّيْطَانَ تَرْجُمُونَ وَمَكَّةَ بَيْنَكُمْ تَبْتَغُونَ "

                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                      الخدمات العلمية