الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                      جزء صفحة
                                      المهذب قَالَ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - ( الْأَعْيَانُ ضَرْبَانِ نَجِسٌ وَطَاهِرٌ ، فَأَمَّا النَّجِسُ فَعَلَى ضَرْبَيْنِ نَجِسٌ فِي نَفْسِهِ وَنَجِسٌ بِمُلَاقَاةِ النَّجَاسَةِ ، فَأَمَّا النَّجِسُ فِي نَفْسِهِ فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ ، وَذَلِكَ مِثْلُ الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ وَالْخَمْرِ وَالسِّرْجِينِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ النَّجَاسَاتِ ، وَالْأَصْلُ فِيهِ مَا رَوَى جَابِرٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { إنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ وَالْأَصْنَامِ } وَرَوَى أَبُو مَسْعُودٍ الْبَدْرِيُّ وَأَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ ، فَنَصَّ عَلَى الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ وَالْمَيْتَةِ وَقِسْنَا عَلَيْهَا سَائِرَ الْأَعْيَانِ النَّجِسَةِ ) المجموع ( الشَّرْحُ ) أَمَّا حَدِيثُ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي صَحِيحَيْهِمَا طَوِيلًا وَلَفْظُهُ فِيهِمَا عَنْ جَابِرٍ أَنَّهُ { سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ عَامَ الْفَتْحِ وَهُوَ بِمَكَّةَ : إنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَا بَيْعَ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ وَالْأَصْنَامِ فَقِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ شُحُومَ الْمَيْتَةِ فَإِنَّهَا يُطْلَى بِهَا السُّفُنُ وَيُدْهَنُ بِهَا الْجُلُودُ وَيَسْتَصْبِحُ بِهَا النَّاسُ ؟ فَقَالَ : لَا هُوَ حَرَامٌ ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ ذَلِكَ : قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ إنَّ اللَّهَ لَمَّا حَرَّمَ شُحُومَهَا جَمَلُوهُ ثُمَّ بَاعُوهُ فَأَكَلُوا الْمَيْتَةَ } فَقَالَ حَمَلَهُ - بِالْحَاءِ وَتَخْفِيفِ الْمِيمِ - أَحْمَلَهُ أَيْ أَدَامَهُ ( وَأَمَّا ) حَدِيثُ أَبِي مَسْعُودٍ الْبَدْرِيِّ الْأَنْصَارِيِّ فَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ أَيْضًا وَلَفْظُهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ وَمَهْرِ الْبَغِيِّ وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ } ( وَأَمَّا ) حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ بِلَفْظِ حَدِيثِ أَبِي مَسْعُودٍ وَاسْمُ أَبِي مَسْعُودٍ عَمْرُو بْنُ عَمْرٍو الْأَنْصَارِيُّ الْبَدْرِيُّ . قَالَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ : لَمْ يَشْهَدْ بَدْرًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْغَزْوَةِ الْمَشْهُورَةِ ، وَإِنَّمَا قِيلَ لَهُ : الْبَدْرِيُّ لِأَنَّهُ سَكَنَ بَدْرًا وَلَمْ يَشْهَدْهَا ، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ إمَامُ الْمَغَازِي ، وَمُحَمَّدُ بْنُ شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ إمَامُ الْمَغَازِي وَغَيْرُهُمَا ، وَمُحَمَّدُ بْنُ إسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيُّ صَاحِبُ الصَّحِيحِ فِي صَحِيحِهِ : إنَّهُ شَهِدَهَا ، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ شَهِدَ الْعَقَبَةَ مَعَ السَّبْعِينَ ، وَكَانَ أَصْغَرَهُمْ رُوِيَ لَهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِائَةُ حَدِيثٍ وَحَدِيثَانِ ، اتَّفَقَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَلَى تِسْعَةِ أَحَادِيثَ مِنْهَا ، وَانْفَرَدَ الْبُخَارِيُّ بِحَدِيثٍ وَمُسْلِمٌ بِسَبْعَةٍ ، سَكَنَ الْكُوفَةَ وَتُوُفِّيَ بِهَا ، وَقِيلَ : تُوُفِّيَ بِالْمَدِينَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ( وَأَمَّا ) السِّرْجِينُ - فَبِكَسْرِ السِّينِ وَفَتْحِهَا وَبِالْجِيمِ - وَيُقَالُ بِالْقَافِ - بَدَلَهَا وَسَبَقَ إيضَاحُهُ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الطَّهَارَةِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . أَمَّا حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ : فَقَدْ سَبَقَ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْبُيُوعِ أَنَّ شُرُوطَ الْبَيْعِ خَمْسَةٌ : أَنْ يَكُونَ طَاهِرًا ، مُنْتَفَعًا بِهِ ، مَقْدُورًا عَلَى تَسْلِيمِهِ ، مَعْلُومًا ، مَمْلُوكًا لِمَنْ وَقَعَ الْعَقْدُ لَهُ ، فَبَدَأَ الْمُصَنِّفُ بِالشَّرْطِ الْأَوَّلِ وَهُوَ الطَّهَارَةُ فَقَالَ : النَّجِسُ ضَرْبَانِ نَجِسٌ فِي نَفْسِهِ كَالْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ وَمَا تَوَلَّدَ مِنْهُمَا ، أَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا ، وَالْخَمْرِ وَالنَّبِيذِ وَالسِّرْجِينِ وَالْعَذِرَةِ وَدُهْنِ الْمَيْتَةِ وَعَصَبِهَا وَشَعْرِهَا - إذَا قُلْنَا بِالْمَذْهَبِ إنَّهُ نَجِسٌ - وَكَذَا رِيشُهَا وَلَبَنُ مَا لَا يُؤْكَلُ إذَا قُلْنَا بِالْمَذْهَبِ إنَّهُ نَجِسٌ وَسَائِرُ الْأَعْيَانِ النَّجِسَةِ ، وَلَا يَجُوزُ بَيْعُهَا بِلَا خِلَافٍ عِنْدَنَا ، وَسَوَاءٌ الْكَلْبُ الْمُعَلَّمُ وَغَيْرُهُ ، وَسَوَاءٌ الْخَمْرُ الْمُحْتَرَمَةُ وَغَيْرُهَا . وَدَلِيلُ الْمَسْأَلَةِ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( فَرْعٌ ) الْفَيْلَجُ بِالْفَاءِ وَالْجِيمِ - هُوَ الْقَزُّ قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ فِي فَتَاوِيهِ وَآخَرُونَ : يَجُوزُ بَيْعُهُ فِي بَاطِنِ الدُّودِ الْمَيِّتِ ، لِأَنَّ بَقَاءَهُ مِنْ مَصَالِحِهِ كَالنَّجَاسَةِ الَّتِي فِي جَوْفِ الْحَيَوَانِ ، قَالُوا : وَسَوَاءٌ بَاعَهُ وَزْنًا أَوْ جُزَافًا ، وَسَوَاءٌ كَانَ الدُّودُ حَيًّا أَوْ مَيِّتًا ، فَبَيْعُهُ جَائِزٌ بِلَا خِلَافٍ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . فَرْعٌ ) قَالَ أَصْحَابُنَا : فِي بَيْعِ فَأْرَةِ الْمِسْكِ أَوْ بَيْضِ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ وَدُودَةِ الْقَزِّ وَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى طَهَارَتِهَا وَنَجَاسَتِهَا ( أَصَحُّهُمَا ) الطَّهَارَةُ وَجَوَازُ الْبَيْعِ ( وَأَمَّا ) دُودُ الْقَزِّ فَيَجُوزُ بَيْعُهُ فِي حَيَاتِهِ بِلَا خِلَافٍ لِأَنَّهُ حَيَوَانٌ يُنْتَفَعُ بِهِ كَسَائِرِ الْحَيَوَانِ ، وَقَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ الْمَسْأَلَةَ فِي آخِرِ هَذَا الْبَابِ وَسَبَقَ إيضَاحُهَا فِي بَابِ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ ، هَذَا مَذْهَبُنَا . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَجُوزُ بَيْعُ بَزْرِ الْقَزِّ وَلَا دُودِهِ . دَلِيلُنَا أَنَّهُ طَاهِرٌ مُنْتَفَعٌ بِهِ فَجَازَ بَيْعُهُ كَسَائِرِ الطَّاهِرِ الْمُنْتَفَعِ بِهِ . ( فَرْعٌ ) فِي حُكْمِ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ : ذَكَرْنَا فِي بَابِ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ ثَلَاثَةَ أَوْجُهٍ ( أَصَحُّهَا ) وَأَشْهُرُهَا أَنَّهُ نَجِسٌ ( وَالثَّانِي ) طَاهِرٌ يَحِلُّ شُرْبُهُ ، قَالَ أَصْحَابُنَا : ( إنْ قُلْنَا : ) إنَّهُ نَجِسٌ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ قَالَ الْمُتَوَلِّي وَآخَرُونَ : ( وَإِنْ قُلْنَا : ) طَاهِرٌ يَحِلُّ شُرْبُهُ جَازَ بَيْعُهُ ( وَإِنْ قُلْنَا : ) طَاهِرٌ لَا يَحِلُّ شُرْبُهُ ، فَإِنْ كَانَ فِيهِ مَنْفَعَةٌ مَقْصُودَةٌ جَازَ بَيْعُهُ وَإِلَّا فَلَا

                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                      الخدمات العلمية