الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            جزء صفحة
                                                                                                                                            ( 1008 ) فَصْلٌ : إذَا سَبَقَ الْإِمَامَ الْحَدَثُ فَلَهُ أَنْ يَسْتَخْلِفَ مَنْ يُتِمُّ بِهِمْ الصَّلَاةَ ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ ، وَعَلْقَمَةَ ، وَعَطَاءٍ ، وَالْحَسَنِ ، وَالنَّخَعِيِّ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ . وَحُكِيَ عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّ صَلَاةَ الْمَأْمُومِينَ تَبْطُلُ ; لِأَنَّ أَحْمَدَ قَالَ : كُنْت أَذْهَبُ إلَى جَوَازِ الِاسْتِخْلَافِ ، وَجَبُنْتُ عَنْهُ . وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : تَبْطُلُ صَلَاتُهُمْ ، رِوَايَةً وَاحِدَةً ; لِأَنَّهُ فُقِدَ شَرْطُ صِحَّةِ الصَّلَاةِ فِي حَقِّ الْإِمَامِ ، فَبَطَلَتْ صَلَاةُ الْمَأْمُومِ ، كَمَا لَوْ تَعَمَّدَ الْحَدَثَ . وَلَنَا ، أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، لَمَّا طُعِنَ أَخَذَ بِيَدِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ فَقَدَّمَهُ ، فَأَتَمَّ بِهِمْ الصَّلَاةَ ، وَكَانَ ذَلِكَ بِمَحْضَرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ وَلَمْ يُنْكِرْهُ مُنْكِرٌ ، فَكَانَ إجْمَاعًا . وَقَدْ احْتَجَّ أَحْمَدُ بِقَوْلِ عُمَرَ وَعَلِيٍّ ، وَقَوْلُهُمَا عِنْدَهُ حُجَّةٌ ، فَلَا مَعْدِلَ عَنْهُ . وَقَوْلُ أَحْمَدَ : جَبُنْتُ عَنْهُ . إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى التَّوَقُّفِ ، وَتَوَقُّفُهُ مَرَّةً لَا يُبْطِلُ مَا انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَيْهِ . وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَسْتَخْلِفَ مَنْ يُتِمُّ بِهِمْ الصَّلَاةَ ، كَمَا فَعَلَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَإِنْ لَمْ يَسْتَخْلِفْ فَقَدَّمَ الْمَأْمُومُونَ مِنْهُمْ رَجُلًا فَأَتَمَّ بِهِمْ ، جَازَ . وَإِنْ صَلَّوْا وُحْدَانًا جَازَ . قَالَ الزُّهْرِيُّ ، فِي إمَامٍ يَنُوبُهُ الدَّمُ أَوْ رَعَفَ أَوْ يَجِدُ مَذْيًا يَنْصَرِفُ ، وَلْيَقُلْ : أَتِمُّوا صَلَاتَكُمْ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، فِي آخِرِ قَوْلَيْهِ : الِاخْتِيَارُ أَنْ يُصَلِّيَ الْقَوْمُ فُرَادَى إذَا كَانَ ذَلِكَ . وَلَعَلَّ تَوَقُّفَ أَحْمَدَ إنَّمَا كَانَ فِي الِاسْتِخْلَافِ ، لَا فِي صِحَّةِ صَلَاةِ الْمَأْمُومِينَ ، فَإِنَّهُ قَدْ نَصَّ عَلَى أَنَّ صَلَاةَ الْمَأْمُومِينَ لَا تَفْسُدُ بِضَحِكِ الْإِمَامِ ، فَهَذَا أَوْلَى . وَإِنْ قَدَّمَتْ كُلُّ طَائِفَةٍ مِنْ الْمَأْمُومِينَ لَهُمْ إمَامًا فَصَلَّى بِهِمْ ، فَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ جَوَازُهُ ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ . وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ : تَفْسُدُ صَلَاتُهُمْ كُلِّهِمْ . وَلَنَا ، أَنَّ لَهُمْ أَنْ يُصَلُّوا وُحْدَانًا . فَكَانَ لَهُمْ أَنْ يُقَدِّمُوا رَجُلًا ، كَحَالَةِ ابْتِدَاءِ الصَّلَاةِ وَإِنْ قَدَّمَ بَعْضُهُمْ رَجُلًا ، وَصَلَّى الْبَاقُونَ وُحْدَانًا ، جَازَ . ( 1009 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا الَّذِي سَبَقَهُ الْحَدَثُ ، فَتَبْطُلُ صَلَاتُهُ ، وَيَلْزَمُهُ اسْتِئْنَافُهَا . قَالَ أَحْمَدُ : يُعْجِبُنِي أَنْ يَتَوَضَّأَ وَيَسْتَقْبِلَ . هَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ وَعَطَاءٍ وَالنَّخَعِيِّ وَمَكْحُولٍ . وَعَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ يَتَوَضَّأُ ، وَيَبْنِي . وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ; لِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { مَنْ قَاءَ أَوْ رَعَفَ فِي صَلَاتِهِ ، فَلْيَنْصَرِفْ ، فَلْيَتَوَضَّأْ ، وَلْيَبْنِ عَلَى مَا مَضَى مِنْ صَلَاتِهِ } . وَعَنْهُ ، رِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ ، إنْ كَانَ الْحَدَثُ مِنْ السَّبِيلَيْنِ ابْتَدَأَ ، وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِهِمَا بَنَى لِأَنَّ حُكْمَ نَجَاسَةِ السَّبِيلِ أَغْلَظُ ، وَالْأَثَرُ إنَّمَا وَرَدَ بِالْبِنَاءِ فِي الْخَارِجِ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلِ ، فَلَا يَلْحَقُ بِهِ مَا لَيْسَ فِي مَعْنَاهُ . وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ ; لِمَا رَوَى عَلِيُّ بْنُ طَلْقٍ ، قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إذَا فَسَا أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ ، فَلْيَنْصَرِفْ ، فَلْيَتَوَضَّأْ ، وَلْيُعِدْ صَلَاتَهُ } . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالْأَثْرَمُ . وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ { ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ قَائِمًا يُصَلِّي بِهِمْ ، فَانْصَرَفَ ، ثُمَّ جَاءَ وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ ، فَقَالَ : إنِّي قُمْتُ بِكُمْ ، ثُمَّ ذَكَرْتُ أَنِّي كُنْتُ جُنُبًا وَلَمْ أَغْتَسِلْ ، فَانْصَرَفْتُ فَاغْتَسَلْتُ ، فَمَنْ أَصَابَهُ مِنْكُمْ مِثْلُ الَّذِي أَصَابَنِي ، أَوْ أَصَابَهُ فِي بَطْنِهِ رِزٌّ ، فَلْيَنْصَرِفْ فَلْيَغْتَسِلْ ، أَوْ لِيَتَوَضَّأْ ، وَلْيَسْتَقْبِلْ صَلَاتَهُ } رَوَاهُ الْأَثْرَمُ . وَلِأَنَّهُ فَقَدَ شَرْطَ الصَّلَاةِ فِي أَثْنَائِهَا عَلَى وَجْهٍ لَا يَعُودُ إلَّا بَعْدَ زَمَنٍ طَوِيلٍ وَعَمَلٍ كَثِيرٍ ، فَفَسَدَتْ صَلَاتُهُ ، كَمَا لَوْ تَنَجَّسَ نَجَاسَةً يَحْتَاجُ فِي إزَالَتِهَا إلَى مِثْلِ ذَلِكَ ، أَوْ انْكَشَفَتْ عَوْرَتُهُ وَلَمْ يَجِدْ السُّتْرَةَ إلَّا بَعِيدَةً مِنْهُ ، أَوْ تَعَمَّدَ الْحَدَثَ ، أَوْ انْقَضَتْ مُدَّةُ الْمَسْحِ ، وَحَدِيثُهُمْ ضَعِيفٌ . ( 1010 ) فَصْلٌ : قَالَ أَصْحَابُنَا : يَجُوزُ أَنْ يُسْتَخْلَفَ مَنْ سُبِقَ بِبَعْضِ الصَّلَاةِ ، وَلِمَنْ جَاءَ بَعْدَ حَدَثِ الْإِمَامِ ، فَيَبْنِي عَلَى مَا مَضَى مِنْ صَلَاةِ الْإِمَامِ مِنْ قِرَاءَةٍ أَوْ رَكْعَةٍ أَوْ سَجْدَةٍ ، وَيَقْضِي بَعْدَ فَرَاغِ صَلَاةِ الْمَأْمُومِينَ . وَحُكِيَ هَذَا الْقَوْلُ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ ، وَأَكْثَرِ مَنْ وَافَقَهُمَا فِي الِاسْتِخْلَافِ . وَفِيهِ رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَبْنِيَ أَوْ يَبْتَدِئَ قَالَ مَالِكٌ : وَيُصَلِّي لِنَفْسِهِ صَلَاةً تَامَّةً ، فَإِذَا فَرَغُوا مِنْ صَلَاتِهِمْ قَعَدُوا وَانْتَظَرُوهُ حَتَّى يُتِمَّ وَيُسَلِّمَ مَعَهُمْ ; لِأَنَّ اتِّبَاعَ الْمَأْمُومِينَ لِلْإِمَامِ أَوْلَى مِنْ اتِّبَاعِهِ لَهُمْ ، فَإِنَّ الْإِمَامَ إنَّمَا جُعِلَ لِيُؤْتَمَّ بِهِ . وَعَلَى كِلْتَا الرِّوَايَتَيْنِ إذَا فَرَغَ الْمَأْمُومُونَ قَبْلَ فَرَاغِ إمَامِهِمْ ، وَقَامَ لِقَضَاءِ مَا فَاتَهُ ، فَإِنَّهُمْ يَجْلِسُونَ وَيَنْتَظِرُونَهُ حَتَّى يُتِمَّ وَيُسَلِّمَ بِهِمْ ; لِأَنَّ الْإِمَامَ يَنْتَظِرُ الْمَأْمُومِينَ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ ، فَانْتِظَارُهُمْ لَهُ أَوْلَى . وَإِنْ سَلَّمُوا وَلَمْ يَنْتَظِرُوهُ جَازَ . وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ : يَسْتَخْلِفُ مَنْ يُسَلِّمُ بِهِمْ ، وَالْأَوْلَى انْتِظَارُهُ . وَإِنْ سَلَّمُوا لَمْ يَحْتَاجُوا إلَى خَلِيفَةٍ ، فَإِنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْ الصَّلَاةِ إلَّا السَّلَامُ ، فَلَا حَاجَةَ إلَى الِاسْتِخْلَافِ فِيهِ . وَيَقْوَى عِنْدِي أَنَّهُ لَا يَصِحُّ الِاسْتِخْلَافُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ ; لِأَنَّهُ إنْ بَنَى جَلَسَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ جُلُوسِهِ ، وَصَارَ تَابِعًا لِلْمَأْمُومِينَ ، وَإِنْ ابْتَدَأَ جَلَسَ الْمَأْمُومُونَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ جُلُوسِهِمْ ، وَلَمْ يَرِدْ الشَّرْعُ بِهَذَا ، وَإِنَّمَا ثَبَتَ الِاسْتِخْلَافُ فِي مَوْضِعِ الْإِجْمَاعِ حَيْثُ لَمْ يُحْتَجْ إلَى شَيْءٍ مِنْ هَذَا ، فَلَا يُلْحَقُ بِهِ مَا لَيْسَ فِي مَعْنَاهُ . وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .

                                                                                                                                            ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                            الخدمات العلمية