الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                            معلومات الكتاب

                                                                                                                            مواهب الجليل في شرح مختصر خليل

                                                                                                                            الحطاب - محمد بن محمد بن عبد الرحمن الرعينى

                                                                                                                            جزء صفحة
                                                                                                                            ص: ( إِلَّا الْمُعَيَّنَ لِمَرَضٍ، أَوْ حَيْضٍ، أَوْ نِسْيَانٍ ) ش: تَبِعَ رَحِمَهُ اللهُ ابْنَ الْحَاجِبِ فِي تَشْهِيرِ الْقَوْلِ بَعْدَ النِّسْيَانِ مِنْ مُسْقِطَاتِ الْقَضَاءِ فِي النَّذْرِ الْمُعَيَّنِ، وَقَبِلَهُ فِي التَّوْضِيحِ أَيْضًا، وَهُوَ خِلَافُ مَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ، قَالَ فِيهَا: وَمَنْ تَسَحَّرَ بَعْدَ الْفَجْرِ وَلَمْ يَعْلَمْ بِطُلُوعِهِ، أَوْ أَكَلَ نَاسِيًا لِصَوْمِهِ، فَإِنْ كَانَ فِي تَطَوُّعٍ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَلَا يُفْطِرُ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ فَإِنْ فَعَلَ قَضَاهُ، ثُمَّ ذَكَرَ حُكْمَ النَّذْرِ الْمُطْلَقِ، ثُمَّ قَالَ: وَإِنْ كَانَتْ أَيَّامًا بِعَيْنِهَا، أَوْ كَانَ فِي رَمَضَانَ، فَلْيَتَمَادَ عَلَى صَوْمِهِ، وَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ، انْتَهَى. وَقَدْ وَهَّمَ ابْنُ عَرَفَةَ ابْنَ الْحَاجِبِ فِي تَشْهِيرِ الْقَوْلِ بَعْدَ النِّسْيَانِ مِنْ مُسْقِطَاتِ الْقَضَاءِ فِي النَّذْرِ الْمُعَيَّنِ، فَقَالَ بَعْدَ أَنْ حَكَى فِي وُجُوبِ الْقَضَاءِ بِالْفِطْرِ فِيهِ نِسْيَانًا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: الْأَوَّلُ: وُجُوبُ الْقَضَاءِ. وَالثَّانِي: عَدَمُهُ. وَالثَّالِثُ: التَّفْصِيلُ بَيْنَ أَنْ يَخْتَصَّ بِفَضْلٍ فَلَا يَجِبُ الْقَضَاءُ، أَوْ لَا يَخْتَصُّ فَيَجِبُ. وَجَعَلَ ابْنُ الْحَاجِبِ الثَّانِيَ الْمَشْهُورَ وَهْمٌ. وَنَصَّ كَلَامَ ابْنِ عَرَفَةَ بِرُمَّتِهِ: وَيَجِبُ قَضَاءُ رَمَضَانَ، وَوَاجِبُهُ - أَيْ وَاجِبُ الصَّوْمِ - الْمَضْمُونِ بِأَيِّ وَجْهٍ كَانَ وَلَوْ مُكْرَهًا، وَالْمُعَيَّنُ بِهِ - أَيْ بِفِطْرِهِ عَمْدًا - اخْتِيَارًا. وَفِي وُجُوبِ قَضَائِهِ بِفِطْرِ مَرَضٍ فِي الْحَضَرِ. ثَالِثُهَا: إِنْ لَمْ يَخْتَصَّ بِفَضْلٍ. اللَّخْمِيُّ، عَنْ رِوَايَةِ الْمَبْسُوطِ، مَعَ عِيَاضٍ عَنْ رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ فِي بَعْضِ رِوَايَاتِهَا، وَالْمَشْهُورُ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ الشَّيْخُ عَنِ الْمُغِيرَةِ : مَنْ صَامَ أَوَّلَ شَهْرٍ نَذَرَهُ مُعَيَّنًا فَمَرِضَ بَاقِيَهُ أَوْ وَسَطَهُ وَصَامَ بَاقِيَهُ، فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ. وَلَوْ أَفْطَرَ أَوَّلَهُ اخْتِيَارًا فَمَرِضَ بَاقِيَهُ، قَضَى جَمِيعَهُ. وَلَوْ نَذَرَ إِثْرَ فِطْرِهِ فَصَامَ يَوْمًا فَمَرِضَ بَاقِيَهُ، فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ. وَفِيهِ: بِنِسْيَانِ الثَّلَاثَةِ لِلْمَشْهُورِ، وَالشَّيْخِ عَنْ سَحْنُونٍ مَعَ ابْنِ مُحْرِزٍ، عَنْهُ مَعَ ابْنِ عَبْدُوسٍ، وَنَقَلَ الشَّيْخُ قَوْلَ عَبْدِ الْمَلِكِ فِي فِطْرِهِ بِمُطْلَقِ غَلَبَةٍ، وَجَعْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ الثَّانِيَ الْمَشْهُورَ وَهْمٌ، انْتَهَى. وَجَعْلُ صَاحِبِ الطِّرَازِ قَوْلَ الْمُغِيرَةِ خِلَافَ الرَّاجِحِ، فَانْظُرْهُ. وَاقْتَصَرَ صَاحِبُ التَّلْقِينِ عَلَى الْقَوْلِ بِسُقُوطِ الْقَضَاءِ. وَأَمَّا الْمَرَضُ فَالْمَشْهُورُ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ . وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمَرَضِ وَالنِّسْيَانِ: أَنَّ الْمَرَضَ لَا صُنْعَ لَهُ فِيهِ فَهُوَ مَعْذُورٌ، وَالنَّاسِي مَعَهُ ضَرْبٌ مِنَ التَّفْرِيطِ. وَالْحَيْضُ مِثْلُ الْمَرَضِ. وَحُكْمُ النِّفَاسِ حُكْمُ الْحَيْضِ. ( فَرْعٌ ) : وَأَمَّا السَّفَرُ، فَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ، أَمَّا لَوْ أَفْطَرَ فِيهِ لِسَفَرٍ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ اتِّفَاقًا. نَقَلَهُ ابْنُ هَارُونَ، انْتَهَى. ( قُلْتُ ) : وَقَدْ حَكَى ابْنُ عَرَفَةَ الْوُجُوبَ وَالِاسْتِحْبَابَ، وَنَصُّهُ: وَفِيهِ لِسَفَرٍ سَمَاعُ الْقَرِينَيْنِ: وُجُوبُ الْقَضَاءِ، وَفِيهَا: لَا أَدْرِي، ابْنُ الْقَاسِمِ وَكَأَنَّهُ أَحَبَّ قَضَاءَهُ، انْتَهَى. وَصَرَّحَ الْمُصَنِّفُ فِي آخِرِ الْبَابِ بِأَنَّهُ يَجِبُ الْقَضَاءُ، فَقَالَ: وَلَا يَلْزَمُ الْقَضَاءُ، بِخِلَافِ فِطْرِهِ لِسَفَرٍ. وَلَوْ لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ لَكَانَ حَصْرُهُ سُقُوطَ الْقَضَاءِ فِيمَا ذَكَرَ يُؤْخَذُ مِنْهُ تَشْهِيرُ سَمَاعِ الْقَرِينَيْنِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ( فَرْعٌ ) : فَإِنْ أَفْطَرَ فِي الْمُعَيَّنِ مُتَعَمِّدًا، فَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي كِتَابِ الصِّيَامِ: وَمَنْ نَذَرَ صَوْمَ كُلِّ خَمِيسٍ يَأْتِي لَزِمَهُ، فَإِنْ أَفْطَرَ خَمِيسًا مُتَعَمِّدًا قَضَاهُ، انْتَهَى. فَلَوْ أُكْرِهَ عَلَى الْإِفْطَارِ فَقَالَ فِي التَّلْقِينِ : وَأَمَّا الْمُتَعَيَّنُ سِوَى رَمَضَانَ فَيَلْزَمُ قَضَاؤُهُ مَعَ الْعُذْرِ فِي فِطْرِهِ، وَلَا يَلْزَمُ مَعَ الْعُذْرِ الْقَاطِعِ كَالْمَرَضِ وَالْإِكْرَاهِ وَالْإِغْمَاءِ وَالْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ وَخَطَأِ الْوَقْتِ وَالسَّهْوِ، إِلَّا أَنَّ فِي هَذَيْنِ يَجِبُ الْإِمْسَاكُ فِي بَقِيَّتِهِ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ لَزِمَهُ قَضَاؤُهُ، وَلَيْسَ مِنْهُ السَّفَرُ، انْتَهَى. وَمَا ذَكَرَهُ مُوَافِقٌ لِلْمَشْهُورِ إِلَّا فِي السَّهْوِ وَخَطَأِ الْوَقْتِ، فَإِنَّ الْمَشْهُورَ فِيهِمَا وُجُوبُ الْقَضَاءِ، وَكَذَلِكَ الْإِكْرَاهُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ فِي الطِّرَازِ، فَإِنَّهُ جَعَلَهُ كَالْفِطْرِ نَاسِيًا. ( فَرْعٌ ) : تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ إِذَا أَفْطَرَ فِي النَّذْرِ الْمُعَيَّنِ نَاسِيًا فَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُمْسِكَ فِي بَقِيَّةِ يَوْمِهِ وَيَقْضِيَهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ نَذَرَ صَوْمَ يَوْمِ الْخَمِيسِ فَأَصْبَحَ مُفْطِرًا يَظُنُّهُ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُمْسِكَ فِي بَقِيَّةِ يَوْمِهِ وَيَقْضِيَهُ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ الْكَفُّ فِي بَقِيَّةِ الْيَوْمِ وَلَوْ أَكَلَ وَشَرِبَ. قَالَهُ فِي رَسْمِ سَلَفٍ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى . قَالَ ابْنُ رُشْدٍ : هَذِهِ مَسْأَلَةٌ صَحِيحَةٌ بَيِّنَةٌ عَلَى أُصُولِهِمْ فِي حُكْمِ النَّذْرِ الْمُعَيَّنِ فِي الْوُجُوبِ كَحُكْمِ رَمَضَانَ، إِلَّا فِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ عَلَى الْعَامِدِ، انْتَهَى. ( فَرْعٌ ) : فَلَوْ نَذَرَ صَوْمَ يَوْمِ الْخَمِيسِ فَأَصْبَحَ يَوْمَ الْخَمِيسِ مُفْطِرًا وَهُوَ غَيْرُ ذَاكِرٍ لَهُ، ثُمَّ أَصْبَحَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ صَائِمًا يَظُنُّهُ يَوْمَ الْخَمِيسِ، فَإِنَّهُ يُجْزِئُهُ مِنْ قَضَاءِ صَوْمِ يَوْمِ الْخَمِيسِ. قَالَهُ فِي أَوَّلِ رَسْمٍ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ . قَالَ ابْنُ رُشْدٍ : قَوْلُهُ : إِنَّهُ يُجْزِئُهُ مِنْ قَضَائِهِ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ يَوْمَ الْخَمِيسِ وَاجِبٌ عَلَيْهِ كَوُجُوبِ قَضَائِهِ، فَنَابَ فِي النِّيَّةِ فَرْضٌ عَنْ فَرْضٍ، فَذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِهِمْ فِي الْأَسِيرِ يُخْطِئُ فِي الشُّهُورِ فَيَصُومُ شَوَّالًا وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ رَمَضَانَ، فَلَا اخْتِلَافَ أَنَّهُ يَجْزِيهِ، انْتَهَى. ( تَنْبِيهٌ ) : هُنَا لُغْزٌ، وَهُوَ أَنَّهُ قَدْ يَجِبُ عَلَى الْحَائِضِ وَالْمَرِيضِ قَضَاءُ الصَّوْمِ الْمُعَيَّنِ. وَالْجَوَابُ: أَنَّ ذَلِكَ فِيمَا إِذَا نَذَرَ أَحَدُهُمَا أَنْ يَعْتَكِفَ أَيَّامًا بِعَيْنِهَا ثُمَّ جَاءَهُ الْعُذْرُ فَإِنَّهُ يَقْضِي ذَلِكَ، وَفِي رَسْمِ جَاعَ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى، قَالَ مَالِكٌ : مَنْ جَعَلَ عَلَيْهِ صِيَامَ يَوْمِ الْخَمِيسِ وَالْاثْنَيْنِ، فَأَصْبَحَ يَوْمَ الْخَمِيسِ وَهُوَ يَظُنُّهُ الْأَرْبِعَاءَ فَلَمْ يَأْكُلْ حَتَّى عَلِمَ، قَالَ مَالِكٌ : يَصُومُ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَيَكْفِيهِ إِيجَابُهُ عَلَى نَفْسِهِ أَوَّلًا فِي نِيَّةٍ. قَالَ: وَلَوْ أَصْبَحَ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ صَائِمًا وَهُوَ يَرَاهُ يَوْمَ الْخَمِيسِ، ثُمَّ عَلِمَ ذَلِكَ فَإِنَّ عَلَيْهِ أَنْ يُتِمَّ ذَلِكَ الْيَوْمَ وَيَصُومَ يَوْمَ الْخَمِيسِ. قِيلَ لِمَالِكٍ : وَلَوْ جَازَ يَوْمَ الْخَمِيسِ فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ أَصْبَحَ صَائِمًا وَهُوَ يَرَاهُ يَوْمَ الْخَمِيسِ؟ قَالَ: يُجْزِيهِ عَنْ يَوْمِ الْخَمِيسِ. قَالَ ابْنُ رُشْدٍ : هَذِهِ ثَلَاثَةُ مَسَائِلَ: قَدْ مَضَى الْقَوْلُ عَلَى الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى مِنْهَا فِي رَسْمِ سَلَفٍ قَبْلَ هَذَا. وَعَلَى الْمَسْأَلَةِ الثَّالِثَةِ فِي أَوَّلِ رَسْمٍ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ . وَإِيجَابِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَلَيْهِ فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ أَنْ يُتِمَّ الْيَوْمَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إِنْ أَفْطَرَهُ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ، خِلَافَ قَوْلِ أَشْهَبَ فِي الْمُدَوَّنَةِ، انْتَهَى. وَالَّذِي قَدَّمَهُ فِي رَسْمِ سَلَفٍ أَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّهُ لَا يُجْزِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنَ التَّحْدِيدِ، وَهُوَ الَّذِي مَشَى عَلَيْهِ الْمُؤَلِّفُ فِي قَوْلِهِ : لَا مَسْرُودٍ وَيَوْمٍ مُعَيَّنٍ. ( مَسْأَلَةٌ ) : قَالَ فِي رَسْمِ سَلَفٍ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الصِّيَامِ: وَهِيَ مُكَرَّرَةٌ فِي هَذَا الرَّسْمِ مِنَ الْإِيمَانِ بِالطَّلَاقِ، وَمَا فِي سَمَاعِ أَبِي زَيْدٍ مِنْهُ، قَالَ فِي الَّذِي يَحْلِفُ بِاللَّهِ أَوْ بِالطَّلَاقِ أَوْ غَيْرِهِ، أَنْ يَصُومَ غَدًا فَيُصْبِحُ صَائِمًا، ثُمَّ يَأْكُلُ نَاسِيًا: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ. قَالَ ابْنُ رُشْدٍ : إِنَّمَا قَالَ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ إِذَا كَانَ نَاسِيًا، أَيْ لَا حِنْثَ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ أَصْبَحَ مُفْطِرًا نَاسِيًا لِيَمِينِهِ، مُرَاعَاةً لِلْخِلَافِ - أَيْ فِي وُجُوبِ الْقَضَاءِ عَلَى مَنْ أَفْطَرَ فِي التَّطَوُّعِ عَامِدًا أَوْ فِي رَمَضَانَ سَاهِيًا لِمَا جَازَ فِي ذَلِكَ - كَذَا فِي الْبَيَانِ، انْتَهَى، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ص: ( وَفِي النَّفْلِ بِالْعَمْدِ الْحَرَامِ ) ش: يَعْنِي أَنَّهُ يَجِبُ الْقَضَاءُ فِي صَوْمِ النَّفْلِ بِالْفِطْرِ إِذَا كَانَ عَمْدًا حَرَامًا، كَمَنَ شَرَعَ فِي صَوْمِ التَّطَوُّعِ ثُمَّ أَفْطَرَ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ وَلَا عُذْرَ، فَإِنَّ إِتْمَامَ صَوْمِ النَّفْلِ وَاجِبٌ، وَلَا يَجُوزُ قَطْعُهُ. ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ : هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ . وَمَذْهَبُ الْمُخَالِفِ عِنْدِي أَظْهَرُ؛ لِلْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ، انْتَهَى. وَاحْتَرِزْ بِقَوْلِهِ: ( الْعَمْدِ ) مِنَ النِّسْيَانِ وَالْإِكْرَاهِ، ( وَبِالْحَرَامِ ) مَنْ أَفْطَرَهُ لِشِدَّةِ الْجُوعِ، وَالْعَطَشِ، وَالْحَرِّ الَّذِي يُخَافُ مِنْهُ تَجَدُّدُ مَرَضٍ أَوْ زِيَادَتُهُ، وَفِطْرُهُ لِأَمْرِ وَالِدَيْهِ وَشَيْخِهِ. قَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ، فِي قَوْلِهِ : وَمَنْ أَفْطَرَ فِي تَطَوُّعِهِ عَامِدًا: قَالَ التَّادَلِيُّ : حَقُّهُ أَنْ يَقُولَ بَعْدَ قَوْلِهِ : ( عَامِدًا ) : حَرَامًا. كَمَا زَادَ ابْنُ الْحَاجِبِ فِي قَوْلِهِ : وَيَجِبُ فِي النَّفْلِ بِالْعَمْدِ الْحَرَامِ: خَاصَّةً، وَأَرَادَ بِذَلِكَ إِخْرَاجَ مَا كَانَ عَمْدًا لِلسَّبَبِ، كَجَبْرِ الْوَالِدِ وَلَدَهُ، وَالسَّيِّدِ عَبْدَهُ إِذَا تَطَوَّعَ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، انْتَهَى. وَفِي السَّفَرِ رِوَايَتَانِ: مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ : أَنَّهُ لَيْسَ بِعُذْرٍ. وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ : أَنَّهُ عُذْرٌ يُسْقِطُ الْقَضَاءَ. وَكَذَلِكَ أَوْجَبَ فِي الْمُدَوَّنَةِ الْقَضَاءَ عَلَى مَنْ تَطَوَّعَ بِالصَّوْمِ فِي السَّفَرِ ثُمَّ أَفْطَرَ. وَفِي الْجَلَّابِ رِوَايَةٌ أُخْرَى بِسُقُوطِهِ، انْتَهَى جَمِيعُهُ مِنَ التَّوْضِيحِ. وَنَصُّ الْمُدَوَّنَةِ : وَمَنْ يَتَسَحَّرْ بَعْدَ الْفَجْرِ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ، أَوْ أَكَلَ نَاسِيًا لِصَوْمِهِ، فَإِنْ كَانَ فِي تَطَوُّعٍ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَلَا يُفْطِرُ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ فَإِنْ فَعَلَ قَضَاهُ، انْتَهَى. قَالَ ابْنُ نَاجِي : ظَاهِرُ الْكِتَابِ قَوْلُهُ : لَا شَيْءَ عَلَيْهِ نُفِيَ الْوُجُوبُ، وَهَلْ قَضَاؤُهُ مُسْتَحَبٌّ أَمْ لَا؟ سَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ اسْتِحْبَابَ قَضَائِهِ، وَلَمْ يَحْكِ ابْنُ رُشْدٍ غَيْرَهُ. وَقَالَ ابْنُ بَشِيرٍ : فِي اسْتِحْبَابِهِ قَوْلَانِ، وَمَفْهُومُهُ: أَنَّهُ لَوْ كَانَ أَكَلَ عَامِدًا أَنَّهُ يَقْضِي، وَهُوَ كَذَلِكَ. وَقَعَ لِلْقَاضِي عِيسَى بْنِ مِسْكِينٍ الْأَفْرِيقِيِّ السَّاحِلِيِّ مَا يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يَقْضِي فِي قَوْلِهِ لِصَدِيقِهِ لَمَّا أَمَرَهُ بِالْأَكْلِ مَعَهُ وَقَالَ: إِنِّي صَائِمٌ: ثَوَابُكَ فِي سُرُورِ أَخِيكَ الْمُسْلِمِ بِفِطْرِكَ عِنْدَهُ أَفْضَلُ مِنْ صَوْمِكَ، وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِقَضَاءٍ. فَظَاهِرُهُ نَفْيُهُ، كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ . وَإِلَيْهِ كَانَ شَيْخُنَا - حَفِظَهُ اللَّهُ يَذْهَبُ، وَلَمْ يَرْتَضِ قَوْلَ عِيَاضٍ فِي مَدَارِكِهِ: قَضَاؤُهُ وَاجِبٌ، وَإِنَّمَا لَمْ يَذْكُرْهُ لِوُضُوحِهِ، انْتَهَى. وَقَوْلُهُ: مَفْهُومُهُ، بَلْ صَرِيحُهُ؛ فَإِنَّهُ قَالَ: إِذَا أَكَلَ نَاسِيًا لَا يُفْطِرُ، فَإِنْ فَعَلَ قَضَى، وَهَذَا صَرِيحٌ. وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ : لَوْ أَكَلَ نَاسِيًا حُرِّمَ عَلَيْهِ الْأَكْلُ ثَانِيًا، انْتَهَى. وَمَا ذَكَرَهُ عَنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ هُوَ فِي رَسْمِ اغْتَسَلَ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الصِّيَامِ، وَعُلِمَ مِنْ قَوْلِهِ : الْعَمْدُ الْحَرَامُ، وَأَنَّهُ لَوْ أَفْطَرَ مُتَأَوِّلًا لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ. وَقَالَ ابْنُ نَاجِي : ظَاهِرُ كَلَامِ الْبَاجِيِّ يَقْتَضِي أَنَّ مَنْ أَفْطَرَ فِي تَطَوُّعِهِ مُتَأَوِّلًا أَنَّهُ لَا يَقْضِي لِقَوْلِهِ: كُلُّ مَا يُسْقِطُ الْكَفَّارَةَ فِي رَمَضَانَ يَسْقِطُ الْقَضَاءَ فِي التَّطَوُّعِ، انْتَهَى. ( تَنْبِيهٌ ) : وَحَيْثُ يُفْطِرُ فِي تَطَوُّعِهِ عَامِدًا، فَهَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْكَفُّ؟ قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ : قَوْلَانِ. وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ الشَّيْخُ : رَوَى ابْنُ نَافِعٍ لَا وَجْهَ لِكَفِّ مُفْطِرِهِ عَمْدًا إِلَّا لِعُذْرٍ. وَنَقَلَ ابْنُ الْحَاجِبِ وُجُوبَ الْكَفِّ لَا أَعْرِفُهُ، انْتَهَى. ( فَرْعٌ ) : قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ : وَيُكْرَهُ أَنْ يُعْمَلَ فِي صَوْمِ التَّطَوُّعِ مَا يُكْرَهُ أَنْ يُعْمَلَ فِي صَوْمِ الْفَرِيضَةِ. أَبُو الْحَسَنِ : مِثْلُ الْحُقْنَةِ وَالسَّعُوطِ وَذَوْقِ الْمِلْحِ وَالطَّعَامِ وَمَضْغِ الْعِلْكِ وَسَائِرِ مَا تَقَدَّمَ مِمَّا يُكْرَهُ فِي الْفَرْضِ، انْتَهَى. ( تَنْبِيهٌ ) : هُنَا لُغْزٌ، وَهُوَ أَنْ يُقَالَ لَنَا: صَائِمٌ مُتَطَوِّعٌ، أَفْطَرَ نَاسِيًا وَيَجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ؟ وَالْجَوَابُ: أَنَّهُ مَنِ اعْتَكَفَ أَيَّامًا مُتَطَوِّعًا بِهَا فِي غَيْرِ رَمَضَانَ، فَإِنَّهُ إِذَا أَفْطَرَ يَوْمًا مِنْهَا نَاسِيًا فَإِنَّهُ يَقْضِيهِ وَيَصِلُهُ بِأَيَّامِ اعْتِكَافِهِ. وَهُوَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ فِي الْمَسْأَلَةِ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ .

                                                                                                                            ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                            الخدمات العلمية