الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                              جزء صفحة
                                                                                                                              تحفة المحتاج شرح المنهاج ( وَكَوْنُهُ بِقَصْدٍ فَلَوْ وَصَلَ جَوْفَهُ ذُبَابٌ أَوْ بَعُوضَةٌ ) لَمْ يُفْطِرْ لَكِنْ كَثِيرًا مَا يَسْعَى الْإِنْسَانُ فِي إخْرَاجِ ذُبَابَةٍ وَصَلَتْ لِحَدِّ الْبَاطِنِ وَهُوَ خَطَأٌ ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ قَيْءٌ مُفْطِرٌ نَعَمْ إنْ خَشِيَ مِنْهَا ضَرَرًا يُبِيحُ التَّيَمُّمَ لَمْ يَبْعُدْ جَوَازُ إخْرَاجِهَا ، وَوُجُوبُ الْقَضَاءِ ( أَوْ غُبَارُ الطَّرِيقِ وَغَرْبَلَةُ الدَّقِيقِ لَمْ يُفْطِرْ ) ؛ لِأَنَّ التَّحَرُّزَ عَنْهُ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَعْسُرَ فَخُفِّفَ فِيهِ كَدَمِ الْبَرَاغِيثِ ، وَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ غُبَارِ الطَّرِيقِ الطَّاهِرِ وَالنَّجِسِ وَفِيهِ نَظَرٌ ؛ لِأَنَّ النَّجِسَ لَا يَعْسُرُ عَلَى الصَّائِمِ تَجَنُّبُهُ وَلَا بَيْنَ قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ وَهُوَ كَذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ أَنَّهُ لَمْ يَتَعَمَّدْهُ فَإِنْ تَعَمَّدَهُ بِأَنْ فَتَحَ فَاهُ عَمْدًا حَتَّى دَخَلَ لَمْ يُفْطِرْ إنْ قَلَّ عُرْفًا ، وَقَوْلِي حَتَّى دَخَلَ هُوَ عِبَارَةُ الْمَجْمُوعِ وَقَضِيَّتُهَا أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ فَتْحِهِ لِيَدْخُلَ أَوْ لَا ، وَبِهِ صَرَّحَ جَمْعٌ مُتَقَدِّمُونَ وَمُتَأَخِّرُونَ فَقَالُوا : لَوْ فَتَحَ فَاهُ قَصْدًا لِذَلِكَ لَمْ يُفْطِرْ عَلَى الْأَصَحِّ فَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الْخَادِمِ مِنْ أَنَّهُ مُفْطِرٌ يُحْمَلُ عَلَى الْكَثِيرِ وَلَوْ خَرَجَتْ مَقْعَدَةُ مَبْسُورٍ لَمْ يُفْطِرْ بِعَوْدِهَا ، وَكَذَا إنْ أَعَادَهَا كَمَا قَالَهُ الْبَغَوِيّ وَالْخُوَارِزْمِيّ وَاعْتَمَدَهُ جَمْعٌ مُتَأَخِّرُونَ بَلْ جَزَمَ بِهِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْهُمْ لِاضْطِرَارِهِ إلَيْهِ وَلَيْسَ هَذَا كَالْأَكْلِ جُوعًا الَّذِي أَخَذَ مِنْهُ الْأَذْرَعِيُّ قَوْلَهُ الْأَقْرَبُ إلَى كَلَامِ النَّوَوِيِّ وَغَيْرِهِ الْفِطْرُ وَإِنْ اُضْطُرَّ إلَيْهِ كَالْأَكْلِ جُوعًا ا هـ . لِظُهُورِ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الصَّوْمَ شُرِعَ لِيَتَحَمَّلَ الْمُكَلَّفُ مَشَقَّةَ الْجُوعِ الْمُؤَدِّي إلَى صَفَاءِ نَفْسِهِ فَفَرْطُ جُوعٍ يَضْطَرُّ الْمُكَلَّفُ مَعَهُ إلَى الْفِطْرِ مَعَ أَكْلِهِ آخِرَ اللَّيْلِ نَادِرٌ غَيْرُ دَائِمٍ كَالْمَرَضِ فَجَازَ بِهِ الْفِطْرُ وَلَزِمَهُ الْقَضَاءُ . وَأَمَّا خُرُوجُ الْمَقْعَدَةِ فَهُوَ مِنْ الدَّاءِ الْعُضَالِ الَّذِي إذَا وَقَعَ دَامَ فَاقْتَضَتْ الضَّرُورَةُ الْعَفْوَ عَنْهُ وَأَنَّهُ لَا فِطْرَ بِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ وَمَرَّ فِي قَلْعِ النُّخَامَةِ أَنَّهُ إنَّمَا رُخِّصَ فِيهِ ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ تَتَكَرَّرُ إلَيْهِ وَهَذِهِ أَوْلَى بِالْحُكْمِ مِنْهَا فِي ذَلِكَ فَتَأَمَّلْهُ ، وَعَلَى الْمُسَامَحَةِ بِهَا فَهَلْ يَجِبُ غَسْلُهَا عَمَّا عَلَيْهَا مِنْ الْقَذَرِ ؛ لِأَنَّهُ بِخُرُوجِهِ مَعَهَا صَارَ أَجْنَبِيًّا فَيَضُرُّ عَوْدُهُ مَعَهَا لِلْبَاطِنِ أَوْ لَا ؟ كَمَا لَوْ أَخْرَجَ لِسَانَهُ وَعَلَيْهِ رِيقٌ الْآتِي بِعِلَّتِهِ الْجَارِيَةِ هُنَا ؛ لِأَنَّ مَا عَلَيْهَا لَمْ يُقَارِنْهُ مَعْدِنُهُ كُلٌّ مَحْمَلٌ وَالثَّانِي أَقْرَبُ وَالْكَلَامُ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ حَيْثُ لَمْ يَضُرَّهُ غَسْلُهَا وَإِلَّا تَعَيَّنَ الثَّانِي قِيلَ جَمَعَ الذُّبَابَ وَأَفْرَدَ الْبَعُوضَةَ تَأَسِّيًا بِلَفْظِ الْقُرْآنِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا ، بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا ا هـ وَيُرَدُّ بِأَنَّ ذَاكَ لِحِكْمَةٍ لَا تَأْتِي هُنَا فَالْأَوْلَى أَنْ يُجَابَ بِأَنَّ الذُّبَابَةَ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ مَا لَا يَصِحُّ هُنَا بَعْضُهُ كَبَقِيَّةِ الدَّيْنِ فَفِيهَا إيهَامٌ بِخِلَافِ الذُّبَابِ فَإِنَّهُ الْمَعْرُوفُ أَوْ النَّحْلِ أَوْ غَيْرِهِمَا مِمَّا يَصِحُّ كُلُّهُ هُنَا . حاشية ابن قاسم العبادي ( قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ أَوْ غُبَارُ الطَّرِيقِ إلَخْ ) هَلْ يَجْرِي مِثْلُ ذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ فَلَا تَبْطُلُ بِهِ فِيهِ نَظَرٌ وَلَا يَبْعُدُ الْجَرَيَانُ ( قَوْلُهُ وَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ ) اعْتَمَدَهُ م ر ( قَوْلُهُ وَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ غُبَارِ الطَّرِيقِ الطَّاهِرِ وَالنَّجِسِ إلَخْ ) وَالْأَوْجَهُ الْفِطْرُ فِي النَّجِسِ . ( أَقُولُ ) هَذَا يُعَارِضُ اعْتِمَادَ م ر فِيمَا نَقَلَهُ عَنْهُ قَرِيبًا أَنَّهُ لَا فَرْقَ تَأَمَّلْ وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ لَوْ دَمِيَتْ لِثَتُهُ وَبَصَقَ حَتَّى صَفَا رِيقُهُ ثُمَّ ابْتَلَعَهُ أَفْطَرَ وَقَدْ يُفَرَّقُ ( قَوْلُهُ : وَفِيهِ نَظَرٌ ) فِيهِ أَمْرَانِ : الْأَوَّلُ : أَنَّهُ يُتَّجَهُ أَنَّهُ لَا يَضُرُّ الْقَلِيلُ الْحَاصِلُ بِغَيْرِ اخْتِيَارٍ م ر وَالثَّانِي : أَنَّهُ هَلْ يَجِبُ غَسْلُ الْفَمِ مِنْهُ حِينَئِذٍ فَوْرًا أَوْ يُعْفَى عَنْهُ ، فِيهِ نَظَرٌ وَقَدْ جَزَمَ بَعْضُهُمْ فِي شَرْحِهِ بِوُجُوبِ الْغَسْلِ فَوْرًا فَلْيُرَاجَعْ فَإِنْ كَانَ مَنْقُولًا وَإِلَّا فَلَا يَبْعُدُ الْعَفْوُ نَعَمْ إنْ تَعَمَّدَ فَتْحَ فَاهُ لِيَدْخُلَ فَفِي الْعَفْوِ عَلَى هَذَا نَظَرٌ . ( قَوْلُهُ وَلَا بَيْنَ قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ ) اعْتَمَدَهُ م ر ( قَوْلُهُ فَإِنْ تَعَمَّدَهُ بِأَنْ فَتَحَ فَاهُ عَمْدًا حَتَّى دَخَلَ لَمْ يُفْطِرْ ) وَلَوْ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ وَهُوَ فِي الْمَاءِ فَدَخَلَ جَوْفَهُ وَكَانَ بِحَيْثُ لَوْ سَدَّ فَاهُ لَمْ يَدْخُلْ أَفْطَرَ لِقَوْلِ الْأَنْوَارِ وَلَوْ فَتَحَ فَاهُ فِي الْمَاءِ فَدَخَلَ جَوْفَهُ أَفْطَرَ وَيُوَجَّهُ بِأَنَّ مَا مَرَّ إنَّمَا عُفِيَ عَنْهُ لِعُسْرِ تَجَنُّبِهِ ، وَهَذَا لَيْسَ كَذَلِكَ وَفِيهِ لَوْ وَضَعَ شَيْئًا فِي فِيهِ عَمْدًا أَيْ : لِغَرَضٍ بِقَرِينَةِ مَا يَأْتِي ، وَابْتَلَعَهُ نَاسِيًا لَمْ يُفْطِرْ قَالَ م ر وَكَذَا يَنْبَغِي أَوْ سَبَقَهُ ا هـ قَوْلُهُ لَوْ وَضَعَ شَيْئًا أَيْ : مِمَّا جَرَتْ الْعَادَةُ بِوَضْعِهِ فِي الْفَمِ لِغَرَضِ نَحْوِ الْحِفْظِ م ر . وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ الدَّارِمِيِّ لَوْ كَانَ بِفِيهِ أَوْ أَنْفِهِ مَاءٌ فَحَصَلَ لَهُ نَحْوُ عُطَاسٍ فَنَزَلَ الْمَاءُ جَوْفَهُ أَوْ صَعِدَ لِدِمَاغِهِ لَمْ يُفْطِرْ وَلَا يُنَافِيهِ مَا يَأْتِي مِنْ الْفِطْرِ بِسَبْقِ الْمَاءِ الَّذِي وَضَعَهُ فِي فِيهِ ؛ لِأَنَّ الْعُذْرَ هُنَا أَظْهَرُ وَقَدْ مَرَّ عَدَمُ فِطْرِهِ بِالرَّائِحَةِ وَبِهِ صَرَّحَ فِي الْأَنْوَارِ وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ وُصُولَ الدُّخَانِ الَّذِي فِيهِ رَائِحَةُ الْبَخُورِ أَوْ غَيْرِهِ إلَى الْجَوْفِ لَا يُفْطِرُ بِهِ وَإِنْ تَعَمَّدَ فَتْحَ فِيهِ لِأَجْلِ ذَلِكَ وَهُوَ ظَاهِرٌ وَبِهِ أَفْتَى الشَّمْسُ الْبِرْمَاوِيُّ لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّهَا لَيْسَتْ عَيْنًا أَيْ : عُرْفًا ؛ إذْ الْمَدَارُ هُنَا عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ مُلْحَقَةً بِالْعَيْنِ فِي بَابِ الْإِحْرَامِ أَلَا تَرَى أَنَّ ظُهُورَ الرِّيحِ وَالطَّعْمِ مُلْحَقٌ بِالْعَيْنِ فِيهِ كَمَا هُنَا شَرْحُ م ر ( قَوْلُهُ إنْ قَلَّ عُرْفًا ) وَكَذَا إنْ كَثُرَ فِي الْأَوْجَهِ الَّذِي هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ شَرْحُ م ر ( قَوْلُهُ وَبِهِ صَرَّحَ جَمْعٌ مُتَقَدِّمُونَ وَمُتَأَخِّرُونَ ) أَفْتَى بِهِ شَيْخُنَا الشِّهَابُ الرَّمْلِيُّ أَيْضًا ( قَوْلُهُ : وَكَذَا إنْ أَعَادَهَا إلَخْ ) اعْتَمَدَهُ م ر ( قَوْلُهُ قِيلَ : جَمَعَ الذُّبَابَ وَأَفْرَدَ الْبَعُوضَةَ ) وَقِيلَ ؛ لِأَنَّ الْبَعُوضَةَ لَمَّا كَانَتْ أَصْغَرَ جِرْمًا مِنْ الذُّبَابِ وَأَسْرَعَ دُخُولًا مَعَ أَنَّ جَمْعَ الذُّبَابِ مَعَ كِبَرِ جِرْمِهِ وَنُدْرَةِ دُخُولِهِ بِالنِّسْبَةِ لَهَا لَا يَضُرُّ عُلِمَ أَنَّ جَمْعَ الْبَعُوضِ لَا يَضُرُّ بِالْأَوْلَى فَأَفْرَدَ الْبَعُوضَ وَجَمَعَ الذُّبَابَ لِيُفْهَمَ الْأَوَّلُ مِنْ الثَّانِي بِالْأَوْلَى شَرْحُ م ر ( قَوْلُهُ لِحِكْمَةٍ لَا تَأْتِي هُنَا ) قَدْ يُقَالُ هَذَا لَا يَمْنَعُ التَّأَسِّي لِلتَّبَرُّكِ مَعَ عَدَمِ فَوْتِ الْمَقْصُودِ وَهُوَ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْوَاحِدِ مِنْ ذَلِكَ وَالْأَكْثَرِ لِظُهُورِ اتِّحَادِ الْجِنْسَيْنِ فِي الْحُكْمِ هُنَا فَتَأَمَّلْهُ ( قَوْلُهُ : فَفِيهَا إيهَامٌ ) هَذَا الْإِيهَامُ مُنْدَفِعٌ بِذِكْرِ الْوُصُولِ لِجَوْفِهِ .

                                                                                                                              ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                              الخدمات العلمية