الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      (وَمِنْ بَابِ الْإِشَارَةِ فِي الْآيَاتِ) يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ كَامِلُ الشَّقَاوَةِ وَمِنْهُمْ سَعِيدٌ كَامِلُ السَّعَادَةِ فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ أَيْ نَارِ الْحِرْمَانِ عَنِ الْمُرَادِ وَآلَامِ مَا اكْتَسَبُوهُ مِنَ الْآثَامِ وَهُوَ عَذَابُ النَّفْسِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ فَيَخْرُجُونَ مِنْ ذَلِكَ إِلَى مَا هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ مِنْ نِيرَانِ الْقَلْبِ وَذَلِكَ بِالسُّخْطِ وَالْإِذْلَالِ وَنِيرَانِ الرُّوحِ وَذَلِكَ بِالْحَجْبِ وَاللَّعْنِ وَالْقَهْرِ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ لَا حَجْرَ عَلَيْهِ سُبْحَانَهُ وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ أَيْ جَنَّةِ حُصُولِ الْمُرَادَاتِ وَاللَّذَّاتِ وَهِيَ جَنَّةُ النَّفْسِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ فَيَخْرُجُونَ مِنْ ذَلِكَ إِلَى مَا هُوَ أَعْلَى وَأَعْلَى مِنْ جَنَّاتِ الْقَلْبِ فِي مَقَامِ تَجَلِّيَاتِ الصِّفَاتِ وَجَنَّاتِ الرُّوحِ فِي مَقَامِ الشُّهُودِ وَهُنَاكَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ، وَقَدْ يُحْمَلُ التَّنْوِينُ عَلَى النَّوْعِيَّةِ وَيُؤَوَّلُ الِاسْتِثْنَاءِ بِخُرُوجِ الشَّقِيِّ مِنَ النَّارِ بِالتَّرَقِّي مِنْ مَقَامِهِ إِلَى الْجَنَّةِ بِزَكَاءِ نَفْسِهِ عَمَّا حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ أَيْ فِي الْقِيَامِ بِحُقُوقِ الْحَقِّ وَالْخَلْقِ وَذَلِكَ بِالْمُحَافَظَةِ عَلَى حُقُوقِهِ تَعَالَى وَالتَّعْظِيمِ لِأَمْرِهِ وَالتَّسْدِيدِ لِخَلْقِهِ مَعَ شُهُودِ الْكَثْرَةِ فِي الْوَحْدَةِ وَالْوَحْدَةِ فِي الْكَثْرَةِ مِنْ غَيْرِ إِخْلَالٍ مَا بِشَرْطٍ مِنْ شَرَائِطِ التَّعْظِيمِ وَمَنْ تَابَ عَنْ إِنْيَتِهِ وَذَنْبِ وُجُودِهِ مَعَك مِنْ الْمُؤْمِنِينَ الْمُوَحِّدِينَ إِلَى مَقَامِ الْبَقَاءِ بَعْدَ الْفَنَاءِ، وَقِيلَ: إِنَّ الِاسْتِقَامَةَ الْمَأْمُورَ بِهَا صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوْقَ الِاسْتِقَامَةِ الْمَأْمُورِ بِهَا مَنْ مَعَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَالْعَطْفُ لَا يَقْتَضِي أَكْثَرَ مِنَ الْمُشَارَكَةِ فِي مُطْلَقِ الْفِعْلِ كَمَا يُرْشِدُ إِلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ عَلَى قَوْلٍ، وَمِنْ هُنَا قَالَ الْجُنَيْدُ قَدَّسَ سِرَّهُ: الِاسْتِقَامَةُ مَعَ الْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ حَالُ الْعَابِدِينَ، وَالِاسْتِقَامَةُ مَعَ الْهَيْبَةِ وَالرَّجَاءِ حَالُ الْمُقَرَّبِينَ، وَالِاسْتِقَامَةُ مَعَ الْغَيْبَةِ عَنْ رُؤْيَةِ الِاسْتِقَامَةِ حَالُ الْعَارِفِينَ وَلَا تَطْغَوْا وَلَا تَخْرُجُوا عَمَّا حَدَّ لَكُمْ مِنَ الشَّرِيعَةِ، فَإِنَّ الْخُرُوجَ عَنْهَا زَنْدَقَةٌ (وَلَا تَرْكَنُوا) أَيْ لَا تَمِيلُوا أَدْنَى مَيْلٍ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا وَهِيَ النُّفُوسُ الْمُظْلِمَةُ الْمَائِلَةُ إِلَى الشُّرُورِ فِي أَصْلِ الْخِلْقَةِ كَمَا قِيلَ: الظُّلْمُ مِنْ شِيَمِ النُّفُوسِ فَإِنْ تَجِدْ ذَا عِفَّةٍ فَلِعِلَّةٍ لَمْ يَظْلِمْ وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُوسَى الرِّضَا عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَعْفَرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ، وَقِيلَ: الْمَعْنَى لَا تَقْتَدُوا بِالْمُرَائِينَ وَالْجَاهِلِينَ وَقُرَنَاءِ السُّوءِ، وَقِيلَ: لَا تَصْحَبُوا الْأَشْرَارَ وَلَا تُجَالِسُوا أَهْلَ الْبِدَعِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ أَمْرٌ بِإِقَامَةِ الصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ عَلَى مَا عَلِمْتَ، وَقَدْ ذَكَرُوا أَنَّ الصَّلَاةَ مِعْرَاجُ الْمُؤْمِنِ، وَفِي الْأَخْبَارِ مَا يَدُلُّ عَلَى عُلُوِّ شَأْنِهَا وَالْأَمْرُ غَنِيٌّ عَنِ الْبَيَانِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ قَالَ الْوَاسِطِيُّ: أَنْوَارُ الطَّاعَاتِ تُذْهِبُ بِظُلْمِ الْمَعَاصِي. وَقَالَ يَحْيَى بْنُ مُعَاذٍ: إِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ لَمْ يَرْضَ لِلْمُؤْمِنِ بِالذَّنْبِ حَتَّى سَتَرَ وَلَمْ يَرْضَ بِالسَّتْرِ حَتَّى غَفَرَ وَلَمْ يَرْضَ بِالْغُفْرَانِ حَتَّى بَدَّلَ فَقَالَ سُبْحَانَهُ: إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ، وَقَالَ تَعَالَى: فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ذَلِكَ الَّذِي ذَكَرَ مِنْ إِقَامَةِ الصَّلَاةِ فِي الْأَوْقَاتِ الْمُشَارِ إِلَيْهَا وَإِذْهَابِ الْحَسَنَاتِ السَّيِّئَاتِ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ تَذْكِيرٌ لِمَنْ يَذْكُرُ حَالَهُ عِنْدَ الْحُضُورِ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى فِي الصَّفَاءِ وَالْجَمْعِيَّةِ وَالْأُنْسِ وَالذَّوْقِ وَاصْبِرْ بِاللَّهِ سُبْحَانَهُ فِي الِاسْتِقَامَةِ وَمَعَ اللَّهِ تَعَالَى بِالْحُضُورِ فِي الصَّلَاةِ وَعَدَمِ الرُّكُونِ إِلَى الْغَيْرِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ الَّذِينَ يُشَاهِدُونَهُ فِي حَالِ الْقِيَامِ بِالْحُقُوقِ فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ فِيهِ حَضٌّ عَلَى الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ قِيلَ: الْقُرَى فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى الْقُلُوبِ وَأَهْلُهَا إِشَارَةٌ إِلَى الْقُوَى وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً مُتَسَاوِيَةً فِي الِاسْتِعْدَادِ مُتَّفِقَةً عَلَى دِينِ التَّوْحِيدِ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ فِي الْوُجْهَةِ وَالِاسْتِعْدَادِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ بِهِدَايَتِهِ إِلَى التَّوْحِيدِ وَتَوْفِيقِهِ لِلْكَمَالِ فَإِنَّهُمْ مُتَّفِقُونَ فِي الْمَذْهَبِ وَالْمَقْصِدِ مُتَوَافِقُونَ فِي السِّيرَةِ وَالطَّرِيقَةِ قِبْلَتُهُمُ الْحَقُّ وَدِينُهُمُ التَّوْحِيدُ وَالْمَحَبَّةُ وَإِنِ اخْتَلَفَتْ عِبَارَاتُهُمْ كَمَا قِيلَ: عِبَارَاتُنَا شَتَّى وَحُسْنُكَ وَاحِدٌ وَكُلٌّ إِلَى ذَاكَ الْجَمَالِ يُشِيرُ وَلِذَلِكَ الِاخْتِلَافِ خَلَقَهُمْ وَذَلِكَ لِيَكُونُوا مَظَاهِرَ جَمَالِهِ وَجَلَالِهِ وَلُطْفِهِ وَقَهْرِهِ، وَقِيلَ: لِيَتِمَّ نِظَامُ الْعَالَمِ وَيَحْصُلَ قِوَامُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ أَيْ أُحْكِمَتْ وَأُبْرِمَتْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ لِأَنَّ جَهَنَّمَ رُتْبَةٌ مِنْ مَرَاتِبِ الْوُجُودِ لَا يَجُوزُ فِي الْحِكْمَةِ تَعْطِيلُهَا وَإِبْقَاؤُهَا فِي كَتْمِ الْعَدَمِ مَعَ إِمْكَانِهَا وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ لِمَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنْ مُقَاسَاتِهِمُ الشَّدَائِدَ مِنْ أُمَمِهِمْ مَعَ ثَبَاتِهِمْ وَصَبْرِهِمْ وَإِهْلَاكِ أَعْدَائِهِمْ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ (الْحَقُّ) الَّذِي لَا يَنْبَغِي الْمَحِيدُ عَنْهُ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ وَتَخْصِيصُ هَذِهِ السُّورَةِ بِالذِّكْرِ كَمَا أَشَرْنَا إِلَيْهِ، وَقِيلَ: لِلتَّشْرِيفِ، وَإِلَّا فَالْقُرْآنُ كُلُّهُ كَذَلِكَ، وَالْكُلُّ يَغْرِفُ مِنْ بَحْرِهِ عَلَى مَا يُوَافِقُ مَشْرَبَهُ، وَمِنْ هُنَا قِيلَ: الْعُمُومُ مُتَعَلِّقُونَ بِظَاهِرِهِ، وَالْخُصُوصُ هَائِمُونَ بِبَاطِنِهِ، وَخُصُوصُ الْخُصُوصِ مُسْتَغْرِقُونَ فِي تَجَلِّي الْحَقِّ سُبْحَانَهُ فِيهِ وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ عَلَى اخْتِلَافِ مَعَانِيهَا وَالْأَرْضِ كَذَلِكَ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ أَيْ كُلُّ شَأْنٍ مِنَ الشُّؤُونِ فَإِنَّ الْكُلَّ مِنْهُ فَاعْبُدْهُ أَسْقِطْ عَنْكَ حُظُوظَ نَفْسِكَ وَقِفْ مَعَ الْأَمْرِ بِشَرْطِ الْأَدَبِ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ لَا تَهْتَمَّ بِمَا قَدْ كُفِيتَهُ وَاهْتَمَّ بِمَا نُدِبْتَ إِلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ فَيُجَازِي كُلًّا حَسْبَمَا تَقْتَضِيهِ الْحِكْمَةُ وَاللَّهُ تَعَالَى وَلِيُّ التَّوْفِيقِ وَبِيَدِهِ أَزِمَّةُ التَّحْقِيقِ لَا رَبَّ غَيْرُهُ وَلَا يُرْجَى إِلَّا خَيْرُهُ. انْتَهَى مَا وُفِّقْنَا لَهُ مِنْ تَفْسِيرِ سُورَةِ هُودٍ بِمَنِّ مَنْ بِيَدِهِ الْكَرَمُ وَالْجُودُ، وَنَسْأَلُهُ سُبْحَانَهُ أَنْ يُيَسِّرَ لَنَا إِتْمَامَ مَا قَصَدْنَاهُ، وَيُوَفِّقُنَا لِفَهْمِ مَعَانِي كَلَامِهِ عَلَى مَا يُحِبُّهُ وَيَرْضَاهُ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ حَقَّ حَمْدِهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنْ لَا نَبِيَّ مِنْ بَعْدِهِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَجُنْدِهِ وَحِزْبِهِ، مَا غَرَّدَتِ الْأَقْلَامُ فِي رِيَاضِ التَّحْرِيرِ، وَوَرَدَتِ الْأَفْهَامُ مِنْ حِيَاضِ التَّفْسِيرِ.

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية