الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      (4) سُورَةُ النِّسَاءِ مَدَنِيَّةٌ وَآيَاتُهَا سِتٌّ وَسَبْعُونَ وَمِائَةٌ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ هَذِهِ السُّورَةُ مَدَنِيَّةٌ، وَهِيَ أَطْوَلُ سُوَرِ الْقُرْآنِ - بَعْدَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ - وَتَرْتِيبُهَا فِي النُّزُولِ بَعْدَ سُورَةِ الْمُمْتَحِنَةِ، الَّتِي تَقُولُ الرِّوَايَاتِ: إِنَّ بَعْضَهَا نَزَلَ فِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ فِي السَّنَةِ الثَّامِنَةِ لِلْهِجْرَةِ، وَبَعْضُهَا نَزَلَ فِي غَزْوَةِ الْحُدَيْبِيَةِ قَبْلَهَا فِي السَّنَةِ السَّادِسَةِ. وَلَكِنَّ الْأَمْرَ فِي تَرْتِيبِ السُّوَرِ حَسَبَ النُّزُولِ - كَمَا بَيَّنَّا فِي مَطَالِعِ الْكَلَامِ عَلَى سُورَةِ الْبَقَرَةِ فِي الْجُزْءِ الْأَوَّلِ - لَيْسَ قَطْعِيًّا. كَمَا أَنَّ السُّورَةَ لَمْ تَكُنْ تَنْزِلُ كُلُّهَا دُفْعَةً وَاحِدَةً فِي زَمَنٍ وَاحِدٍ. فَقَدْ كَانَتِ الْآيَاتُ تَتَنَزَّلُ مِنْ سُوَرٍ مُتَعَدِّدَةٍ ثُمَّ يَأْمُرُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بِوَضْعِ كُلٍّ مِنْهَا فِي مَوْضِعِهِ مِنْ سُورَةٍ بِذَاتِهَا، وَالسُّورَةُ الْوَاحِدَةُ - عَلَى هَذَا - كَانَتْ تَظَلُّ " مَفْتُوحَةً " فَتْرَةً مِنَ الزَّمَانِ تَطُولُ أَوْ تَقْصُرُ. وَقَدْ تَمْتَدُّ عِدَّةَ سَنَوَاتٍ. وَفِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ كَانَتْ هُنَاكَ آيَاتٌ مِنْ أَوَائِلِ مَا نَزَلْ فِي الْمَدِينَةِ ، وَآيَاتٌ مِنْ أَوَاخِرِ مَا نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ. وَكَذَلِكَ الشَّأْنُ فِي هَذِهِ السُّورَةِ. فَمِنْهَا مَا نَزَلَ بَعْدَ سُورَةِ الْمُمْتَحِنَةِ فِي السَّنَةِ السَّادِسَةِ وَفِي السَّنَةِ الثَّامِنَةِ كَذَلِكَ. وَلَكِنَّ مِنْهَا الْكَثِيرَ نَزَلَ فِي أَوَائِلِ الْعَهْدِ بِالْهِجْرَةِ. وَالْمُنْتَظَرُ - عَلَى كُلِّ حَالٍ - أَنْ يَكُونَ نُزُولُ آيَاتِ هَذِهِ السُّورَةِ قَدِ امْتَدَّ مِنْ بَعْدِ غَزْوَةِ أُحُدٍ فِي السَّنَةِ الثَّالِثَةِ الْهِجْرِيَّةِ، إِلَى مَا بَعْدَ السَّنَةِ الثَّامِنَةِ، حِينَ نَزَلَتْ مُقَدِّمَةُ سُورَةِ الْمُمْتَحِنَةِ. وَنَذْكُرُ عَلَى سَبِيلِ الْمِثَالِ الْآيَةَ الْوَارِدَةَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ عَنْ حُكْمِ الزَّانِيَاتِ: وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا .. فَمِنَ الْمَقْطُوعِ بِهِ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ قَبْلَ آيَةِ سُورَةِ النُّورِ الَّتِي بَيَّنَتْ حَدَّ الزِّنَا: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ .. وَهَذِهِ الْآيَةُ الْأَخِيرَةُ نَزَلَتْ بَعْدَ حَدِيثِ الْإِفْكِ فِي السَّنَةِ الْخَامِسَةِ (أَوْ فِي السَّنَةِ الرَّابِعَةِ عَلَى رِوَايَةٍ) فَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ نَزَلَتْ: خُذُوا عَنِّي. خُذُوا عَنِّي. قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا ... إِلَخْ. وَكَانَ السَّبِيلُ هُوَ هَذَا الْحُكْمُ الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ آيَةُ النُّورِ. وَفِي السُّورَةِ نَمَاذِجُ كَثِيرَةٌ كَهَذَا النَّمُوذَجِ، تَدُلُّ عَلَى تَوَارِيخِ نُزُولِهَا عَلَى وَجْهِ التَّقْرِيبِ. عَلَى النَّحْوِ الَّذِي بَيَّنَّاهُ فِي مَطَالِعِ الْكَلَامِ عَنْ سُورَةِ الْبَقَرَةِ .. هَذِهِ السُّورَةُ تُمَثِّلُ جَانِبًا مِنَ الْجُهْدِ الَّذِي أَنْفَقَهُ الْإِسْلَامُ فِي بِنَاءِ الْجَمَاعَةِ الْمُسْلِمَةِ، وَإِنْشَاءِ الْمُجْتَمَعِ الْإِسْلَامِيِّ وَفِي حِمَايَةِ تِلْكَ الْجَمَاعَةِ، وَصِيَانَةِ هَذَا الْمُجْتَمَعِ. وَتَعْرِضُ نَمُوذَجًا مِنْ فِعْلِ الْقُرْآنِ فِي الْمُجْتَمَعِ الْجَدِيدِ ، الَّذِي انْبَثَقَ أَصْلًا مِنْ خِلَالِ نُصُوصِهِ، وَالَّذِي نَشَأَ ابْتِدَاءً مِنْ خِلَالِ الْمَنْهَجِ الرَّبَّانِيِّ. وَتُصَوِّرُ بِهَذَا وَذَلِكَ طَبِيعَةَ هَذَا الْمَنْهَجِ فِي تَعَامُلِهِ مَعَ الْكَائِنِ الْإِنْسَانِيِّ كَمَا تُصَوِّرُ طَبِيعَةَ هَذَا الْكَائِنِ وَتَفَاعُلَهُ مَعَ الْمَنْهَجِ الرَّبَّانِيِّ.. تَفَاعُلُهُ مَعَهُ وَهُوَ يَقُودُ خُطَاهُ فِي الْمُرْتَقَى الصَّاعِدِ، مِنَ السَّفْحِ الْهَابِطِ، إِلَى الْقِمَّةِ السَّامِقَةِ.. خَطْوَةً خَطْوَةً، وَمَرْحَلَةً مَرْحَلَةً.. بَيْنَ تَيَّارَاتِ الْمَطَامِعِ وَالشَّهَوَاتِ وَالْمَخَاوِفِ وَالرَّغَائِبِ وَبَيْنَ أَشْوَاكِ الطَّرِيقِ الَّتِي لَا تَخْلُو مِنْهَا خُطْوَةٌ وَاحِدَةٌ وَبَيْنَ الْأَعْدَاءِ الْمُتَرَبِّصِينَ عَلَى طُولِ الطَّرِيقِ الشَّائِكِ! وَكَمَا رَأَيْنَا مِنْ قَبْلُ - فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ وَسُورَةِ آلِ عِمْرَانَ - مُوَاجَهَةُ الْقُرْآنِ لِكُلِّ الْمُلَابَسَاتِ الْمُحِيطَةِ بِنَشْأَةِ الْجَمَاعَةِ الْمُسْلِمَةِ فِي الْمَدِينَةِ وَبَيَانِ طَبِيعَةِ الْمَنْهَجِ الرَّبَّانِيِّ الَّذِي تَنْشَأُ الْجَمَاعَةُ عَلَى أَسَاسِهِ وَتَقْرِيرُ الْحَقَائِقِ الْأَسَاسِيَّةِ الَّتِي يَقُومُ عَلَيْهَا التَّصَوُّرُ الْإِسْلَامِيُّ، وَالْقِيَمُ وَالْمَوَازِينُ الَّتِي تَنْبَثِقُ مِنْ هَذَا التَّصَوُّرِ وَإِبْرَازُ التَّكَالِيفِ الَّتِي يَقْتَضِيهَا النُّهُوضُ بِهَذِهِ الْأَمَانَةِ فِي الْأَرْضِ وَتَصْوِيرُ طَبِيعَةِ أَعْدَاءِ هَذَا الْمَنْهَجِ وَأَعْدَاءِ هَذِهِ الْجَمَاعَةِ الَّتِي تَقُومُ عَلَيْهِ فِي الْأَرْضِ، وَتَحْذِيرُهَا مِنْ وَسَائِلِ أُولَئِكَ الْأَعْدَاءِ وَدَسَائِسِهِمْ وَبَيَانِ مَا فِي عَقَائِدِهِمْ مِنْ زَيْفٍ وَانْحِرَافٍ، وَمَا فِي وَسَائِلِهِمْ مِنْ خِسَّةٍ وَالْتِوَاءٍ ... إِلَخْ ... فَكَذَلِكَ نَرَى الْقُرْآنَ - فِي هَذِهِ السُّورَةِ - يُوَاجِهُ جُمْلَةَ هَذِهِ الْمُلَابَسَاتِ وَالْحَقَائِقِ.. إِلَّا أَنَّ لِكُلِّ سُورَةٍ مِنْ سُوَرِ الْقُرْآنِ شَخْصِيَّتَهَا الْخَاصَّةَ، وَمَلَامِحَهَا الْمُمَيَّزَةَ، وَمِحْوَرَهَا الَّذِي تَشُدُّ إِلَيْهِ مَوْضُوعَاتُهَا جَمِيعًا.. وَمِنْ مُقْتَضَيَاتِ الشَّخْصِيَّةِ الْخَاصَّةِ أَنْ تَتَجَمَّعَ الْمَوْضُوعَاتُ فِي كُلِّ سُورَةٍ وَتَتَنَاسَقُ حَوْلَ مِحْوَرِهَا فِي نِظَامٍ خَاصٍّ بِهَا، تَبْرُزُ فِيهِ مَلَامِحُهَا، وَتَتَمَيَّزُ بِهِ شَخْصِيَّتُهَا. كَالْكَائِنِ الْحَيِّ الْمُمَيَّزِ السِّمَاتِ وَالْمَلَامِحِ، وَهُوَ - مَعَ هَذَا - وَاحِدٌ مِنْ جِنْسِهِ عَلَى الْعُمُومِ! وَنَحْنُ نَرَى فِي هَذِهِ السُّورَةِ - وَنَكَادُ نُحِسُّ - أَنَّهَا كَائِنٌ حَيٌّ، يَسْتَهْدِفُ غَرَضًا مُعَيَّنًا، وَيَجْهَدُ لَهُ، وَيَتَوَخَّى تَحْقِيقَهُ بِشَتَّى الْوَسَائِلِ.. وَالْفِقْرَاتُ وَالْآيَاتُ وَالْكَلِمَاتُ فِي السُّورَةِ هِيَ الْوَسَائِلُ الَّتِي تُبَلِّغُ بِهَا مَا تُرِيدُ! وَمِنْ ثَمَّ نَسْتَشْعِرُ تُجَاهَهَا - كَمَا نَسْتَشْعِرُ تُجَاهَ كُلِّ سُورَةٍ مِنْ سُوَرِ هَذَا الْقُرْآنِ - إِحْسَاسُ التَّعَاطُفِ وَالتَّجَاوُبِ مَعَ الْكَائِنِ الْحَيِّ، الْمَعْرُوفِ السِّمَاتِ، الْمُمَيَّزِ الْمَلَامِحِ، صَاحِبِ الْقَصْدِ وَالْوُجْهَةِ، وَصَاحِبِ الْحَيَاةِ وَالْحَرَكَةِ، وَصَاحِبِ الْحِسِّ وَالشُّعُورِ! إِنَّ السُّورَةَ تَعْمَلُ بِجِدٍّ وَجُهْدٍ فِي مَحْوِ مَلَامِحِ الْمُجْتَمَعِ الْجَاهِلِيِّ - الَّذِي مِنْهُ الْتَقَطَتِ الْمَجْمُوعَةُ الْمُسْلِمَةُ - وَنَبْذِ رَوَاسِبِهِ وَفِي تَكْيِيفِ مَلَامِحِ الْمُجْتَمَعِ الْمُسْلِمِ، وَتَطْهِيرِهِ مِنْ رَوَاسِبِ الْجَاهِلِيَّةِ فِيهِ، وَجَلَاءِ شَخْصِيَّتِهِ الْخَاصَّةِ. كَمَا تَعْمَلُ بِجِدٍّ وَجُهْدٍ فِي اسْتِجَاشَتِهِ لِلدِّفَاعِ عَنْ كَيْنُونَتِهِ الْمُمَيَّزَةِ، وَذَلِكَ بِبَيَانِ طَبِيعَةِ الْمَنْهَجِ الَّذِي مِنْهُ انْبَثَقَتْ هَذِهِ الْكَيْنُونَةُ الْمُمَيِّزَةُ، وَالتَّعْرِيفُ بِأَعْدَائِهِ الرَّاصِدِينَ لَهُ مِنْ حَوْلِهِ - مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ وَبِخَاصَّةٍ الْيَهُودُ - وَأَعْدَائِهِ الْمُتَمَيِّعِينَ فِيهِ - مِنْ ضِعَافِ الْإِيمَانِ وَالْمُنَافِقِينَ - وَكَشْفِ وَسَائِلِهِمْ وَحَبْلِهِمْ وَمَكَايِدِهِمْ، وَبَيَانِ فَسَادِ تَصَوُّرَاتِهِمْ وَمَنَاهِجِهِمْ وَطَرَائِقِهِمْ. مَعَ وَضْعِ الْأَنْظِمَةِ وَالتَّشْرِيعَاتِ الَّتِي تُنَظِّمُ هَذَا كُلَّهُ وَتُحَدِّدُهُ، وَتَصُبُّهُ فِي الْقَالَبِ التَّنْفِيذِيِّ الْمَضْبُوطِ. وَفِي الْوَقْتِ ذَاتِهِ نَلْمَحُ رَوَاسِبَ الْجَاهِلِيَّةِ، وَهِيَ تَتَصَارَعُ مَعَ الْمَنْهَجِ الْجَدِيدِ، وَالْقِيَمِ الْجَدِيدَةِ، وَالِاعْتِبَارَاتِ الْجَدِيدَةِ. وَنَرَى مَلَامِحَ الْجَاهِلِيَّةِ وَهِيَ تُحَاوِلُ طَمْسَ الْمَلَامِحِ الْجَدِيدَةِ الْوَضِيئَةِ الْجَمِيلَةِ. وَنَشْهَدُ الْمَعْرَكَةُ الَّتِي يَخُوضُهَا الْمَنْهَجُ الرَّبَّانِيُّ بِهَذَا الْقُرْآنِ فِي هَذَا الْمَيْدَانِ. وَهِيَ مَعْرَكَةٌ لَا تَقِلُّ شِدَّةً وَلَا عُمْقًا وَلَا سِعَةً، عَنِ الْمَعْرَكَةِ الَّتِي يَخُوضُهَا فِي الْمَيْدَانِ الْآخَرِ، مَعَ الْأَعْدَاءِ الرَّاصِدِينَ لَهُ وَالْأَعْدَاءِ الْمُتَمَيِّعِينَ فِيهِ! وَحِينَ نُدَقِّقُ النَّظَرَ فِي الرَّوَاسِبِ الَّتِي حَمَلَهَا الْمُجْتَمَعُ الْمُسْلِمُ مِنَ الْمُجْتَمَعِ الْجَاهِلِيِّ الَّذِي مِنْهُ جَاءَ، وَالَّتِي تُعَالِجَ هَذِهِ السُّورَةُ جَوَانِبَ مِنْهَا - كَمَا تُعَالِجُ سُوَرٌ كَثِيرَةٌ جَوَانِبَ أُخْرَى - قَدْ يَنَالَنَا الدَّهْشُ لِعُمْقِ هَذِهِ الرَّوَاسِبِ، حَتَّى لَتَظَلُّ تُغَالِبُ طَوَالَ هَذِهِ الْفَتْرَةِ الَّتِي رَجَّحْنَا أَنَّ آيَاتِ السُّورَةِ كَانَتْ تَتَنَزَّلُ فِيهَا.. وَمِنَ الْعَجَبِ أَنْ تَظَلَّ لِهَذِهِ الرَّوَاسِبِ صَلَابَتُهَا حَتَّى ذَلِكَ الْوَقْتِ الْمُتَأَخِّرِ.. ثُمَّ يَنَالُنَا الدَّهَشُ كَذَلِكَ لِلنَّقْلَةِ الْبَعِيدَةِ السَّامِقَةِ الرَّفِيعَةِ الَّتِي انْتَهَى إِلَيْهَا هَذَا الْمَنْهَجُ الْعَجِيبُ الْفَرِيدُ، بِالْجَمَاعَةِ الْمُسْلِمَةِ. وَقَدِ الْتَقَطَهَا مِنْ ذَلِكَ السَّفْحِ الْهَابِطِ، الَّذِي تُمَثِّلُهُ تِلْكَ الرَّوَاسِبُ، فَارْتَقَى بِهَا فِي ذَلِكَ الْمُرْتَقَى الصَّاعِدِ إِلَى تِلْكَ الْقِمَّةِ السَّامِقَةِ.. الْقِمَّةُ الَّتِي لَمْ تَرْتَقِ إِلَيْهَا الْبَشَرِيَّةُ قَطُّ، إِلَّا عَلَى حِدَاءِ ذَلِكَ الْمَنْهَجِ الْعَجِيبِ الْفَرِيدِ. الْمَنْهَجُ الَّذِي يَمْلِكُ وَحْدَهُ أَنْ يَلْتَقِطَ الْكَيْنُونَةَ الْبَشَرِيَّةَ مِنْ ذَلِكَ السَّفْحِ، فَيَرْتَقِي بِهَا إِلَى تِلْكَ الْقِمَّةِ، رُوَيْدًا رُوَيْدًا، فِي يُسْرٍ وَرِفْقٍ، وَفِي ثَبَاتٍ وَصَبْرٍ، وَفِي خَطْوٍ مُتَنَاسِقٍ مَوْزُونٍ! وَالَّذِي يُدَقِّقُ النَّظَرَ فِي هَذِهِ الظَّاهِرَةِ الْفَرِيدَةِ فِي تَارِيخِ الْبَشَرِيَّةِ، يَتَجَلَّى لَهُ جَانِبٌ مِنْ حِكْمَةِ اللَّهِ فِي اخْتِيَارِ " الْأُمِّيِّينَ " فِي الْجَزِيرَةِ الْعَرَبِيَّةِ ، فِي ذَلِكَ الْحِينِ، لِهَذِهِ الرِّسَالَةِ الْعَظِيمَةِ.. حَيْثُ يُمَثِّلُونَ سَفْحَ الْجَاهِلِيَّةِ الْكَامِلَةِ، بِكُلِّ مُقَوِّمَاتِهَا. الِاعْتِقَادِيَّةِ وَالتَّصَوُّرِيَّةِ، وَالْعَقْلِيَّةِ وَالْفِكْرِيَّةِ، وَالْأَخْلَاقِيَّةِ وَالِاجْتِمَاعِيَّةِ، وَالِاقْتِصَادِيَّةِ وَالسِّيَاسِيَّةِ، لِيُعْرَفَ فِيهِمْ أَثَرُ هَذَا الْمَنْهَجِ، وَلِيَتَبَيَّنَ فِيهِمْ كَيْفَ تَتِمُّ الْمُعْجِزَةُ الْخَارِقَةُ، الَّتِي لَا يَمْلِكُ أَنْ يَأْتِيَ بِهَا مَنْهَجٌ آخَرُ، فِي كُلِّ مَا عَرَفَتِ الْأَرْضُ مِنْ مَنَاهِجَ، وَلِيَرْتَسِمَ فِيهِمْ خَطَّ هَذَا الْمَنْهَجِ، بِكُلِّ مَرَاحِلِهِ - مِنَ السَّفْحِ إِلَى الْقِمَّةِ - وَبِكُلِّ ظَوَاهِرِهِ، وَبِكُلِّ تَجَارِبِهِ، وَلِتَرَى الْبَشَرِيَّةُ - فِي عُمْرِهَا كُلِّهِ - أَيْنَ تَجِدُ الْمَنْهَجَ الَّذِي يَأْخُذُ بِيَدِهَا إِلَى الْقِمَّةِ السَّامِقَةِ، أَيًّا كَانَ مَوْقِفُهَا فِي الْمُرْتَقَى الصَّاعِدِ. سَوَاءٌ كَانَتْ فِي دَرَجَةٍ مِنْ دَرَجَاتِهِ، أَمْ كَانَتْ فِي سَفْحِهِ الَّذِي الْتُقِطَ مِنْهُ " الْأُمِّيِّينَ " ! إِنَّ هَذَا الْمَنْهَجَ ثَابِتٌ فِي أُصُولِهِ وَمُقَوِّمَاتِهِ، لِأَنَّهُ يَتَعَامَلُ مَعَ " الْإِنْسَانِ " . وَلِلْإِنْسَانِ كَيْنُونَةٌ ثَابِتَةٌ، فَهُوَ لَا يَتَبَدَّلُ مِنْهَا كَيْنُونَةً أُخْرَى. وَكُلُّ التَّحَوُّرَاتِ وَالتَّطَوُّرَاتِ الَّتِي تُلَابِسُ حَيَاتَهُ لَا تُغَيِّرُ مِنْ طَبِيعَتِهِ، وَلَا تُبَدِّلُ مِنْ كَيْنُونَتِهِ، وَلَا تَحَوِّلُهُ خَلْقًا آخَرَ. إِنَّمَا هِيَ تَغَيُّرَاتٌ وَتَطَوُّرَاتٌ سَطْحِيَّةٌ، كَالْأَمْوَاجِ فِي الْخِضَمِّ، لَا تُغَيِّرُ مِنْ طَبِيعَتِهِ الْمَائِيَّةِ، بَلْ لَا تُؤَثِّرُ فِي تَيَّارَاتِهِ التَّحْتِيَّةِ الدَّائِمَةِ، الْمَحْكُومَةِ بِعَوَامِلَ طَبِيعِيَّةٍ ثَابِتَةٍ! وَمِنْ ثَمَّ تُوَاجِهُ النُّصُوصُ الْقُرْآنِيَّةُ الثَّابِتَةُ، تِلْكَ الْكَيْنُونَةَ الْبَشَرِيَّةَ الثَّابِتَةَ. وَلِأَنَّهَا مِنْ صُنْعِ الْمَصْدَرِ الَّذِي صَنَعَ الْإِنْسَانَ، فَإِنَّهَا تُوَاجِهُ حَيَاتَهُ بِظُرُوفِهَا الْمُتَغَيِّرَةِ، وَأَطْوَارِهَا الْمُتَجَدِّدَةِ، بِنَفْسِ الْمُرُونَةِ الَّتِي يُوَاجِهُ بِهَا " الْإِنْسَانُ " ظُرُوفَ الْحَيَاةِ الْمُتَغَيِّرَةِ، وَأَطْوَارِهَا الْمُتَجَدِّدَةِ، وَهُوَ مُحَافِظٌ عَلَى مُقَوِّمَاتِهِ الْأَسَاسِيَّةِ.. مُقَوِّمَاتِ الْإِنْسَانِ.. وَفِي " الْإِنْسَانِ " هَذَا الِاسْتِعْدَادُ، وَهَذِهِ الْمُرُونَةُ، وَإِلَّا مَا اسْتَطَاعَ أَنْ يُوَاجِهَ ظُرُوفَ الْحَيَاةِ وَأَطْوَارَهَا، وَهِيَ لَيْسَتْ ثَابِتَةً مِنْ حَوْلِهِ. وَفِي الْمَنْهَجِ الرَّبَّانِيِّ الْمَوْضُوعِ لِهَذَا الْإِنْسَانِ، ذَاتِ الْخَصَائِصِ، بِحُكْمِ أَنَّهُ صَادِرٌ مِنَ الْمَصْدَرِ الَّذِي صَدَرَ مِنْهُ الْإِنْسَانُ، وَمُودِعٌ خَصَائِصَهُ ذَاتَهَا، وَمُعَدٌّ لِلْعَمَلِ مَعَهُ إِلَى آخِرِ الزَّمَانِ. وَهَكَذَا يَسْتَطِيعُ ذَلِكَ الْمَنْهَجُ، وَتَسْتَطِيعُ هَذِهِ النُّصُوصُ، أَنْ تَلْتَقِطَ الْفَرْدَ الْإِنْسَانِيَّ، وَأَنْ تَلْتَقِطَ الْمَجْمُوعَةَ الْإِنْسَانِيَّةَ، مِنْ أَيِّ مُسْتَوًى، وَمِنْ أَيَّةِ دَرَجَةٍ مِنْ دَرَجَاتِ الْمُرْتَقَى الصَّاعِدِ، فَيَنْتَهِي بِهِ وَبِهَا إِلَى الْقِمَّةِ السَّامِقَةِ.. إِنَّهُ لَا يَرُدُّهُ وَلَا يَرُدُّهَا أَبَدًا إِلَى الْوَرَاءِ، وَلَا يَهْبِطُ بِهِ أَوْ بِهَا أَبَدًا إِلَى دَرَجَةٍ أَسْفَلَ فِي الْمُرْتَقَى. كَمَا أَنَّهُ لَا يَضِيقُ بِهِ وَلَا بِهَا، وَلَا يَعْجِزُ عَنْ رَفْعِهِ وَرَفْعِهَا، أَيًّا كَانَ مَكَانُهُ أَوْ مَكَانُهَا مِنَ السَّفْحِ السَّحِيقِ! الْمُجْتَمَعُ الْبُدَائِيُّ الْمُتَخَلِّفُ كَالْمُجْتَمَعِ الْعَرَبِيِّ فِي الْجَاهِلِيَّةِ الْقَدِيمَةِ، وَالْمُجْتَمَعِ الصِّنَاعِيِّ الْمُتَحَضِّرِ، كَالْمُجْتَمَعِ الْأُورُبِّيِّ وَالْأَمْرِيكِيِّ فِي الْجَاهِلِيَّةِ الْحَدِيثَةِ.. كِلَاهُمَا يَجِدُ فِي الْمَنْهَجِ الرَّبَّانِيِّ وَالنُّصُوصِ الْقُرْآنِيَّةِ مَكَانَهُ، وَيَجِدُ مَنْ يَأْخُذُ بِيَدِهِ مِنْ هَذَا الْمَكَانِ، فَيَرْقَى بِهِ فِي الْمُرْتَقَى الصَّاعِدِ، إِلَى الْقِمَّةِ السَّامِقَةِ، الَّتِي حَقَّقَهَا الْإِسْلَامُ، فِي فَتْرَةٍ حَيَّةٍ مِنْ فَتَرَاتِ التَّارِيخِ الْإِنْسَانِيِّ.. إِنَّ الْجَاهِلِيَّةَ لَيْسَتْ فَتْرَةً مَاضِيَةً مِنْ فَتَرَاتِ التَّارِيخِ. إِنَّمَا الْجَاهِلِيَّةُ كُلُّ مَنْهَجٍ تَتَمَثَّلُ فِيهِ عُبُودِيَّةُ الْبَشَرِ لِلْبَشَرِ . وَهَذِهِ الْخَاصِّيَّةُ تَتَمَثَّلُ الْيَوْمَ فِي كُلِّ مَنَاهِجِ الْأَرْضِ بِلَا اسْتِثْنَاءٍ. فَفِي كُلِّ الْمَنَاهِجِ الَّتِي تَعْتَنِقُهَا الْبَشَرِيَّةُ الْيَوْمَ، يَأْخُذُ الْبَشَرُ عَنْ بَشَرٍ مِثْلِهِمُ: التَّصَوُّرَاتُ وَالْمَبَادِئُ، وَالْمَوَازِينُ وَالْقِيَمُ، وَالشَّرَائِعُ وَالْقَوَانِينُ، وَالْأَوْضَاعُ وَالتَّقَالِيدُ. وَهَذِهِ هِيَ الْجَاهِلِيَّةُ بِكُلِّ مُقَوِّمَاتِهَا. الْجَاهِلِيَّةُ الَّتِي تَتَمَثَّلُ فِيهَا عُبُودِيَّةُ الْبَشَرِ لِلْبَشَرِ، حَيْثُ يَتَعَبَّدُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا مِنْ دُونِ اللَّهِ. وَالْإِسْلَامُ هُوَ مَنْهَجُ الْحَيَاةِ الْوَحِيدِ، الَّذِي يَتَحَرَّرُ فِيهِ الْبَشَرُ مِنْ عُبُودِيَّةِ الْبَشَرِ . لِأَنَّهُمْ يَتَلَقَّوْنَ التَّصَوُّرَاتِ وَالْمَبَادِئِ، وَالْمَوَازِينِ وَالْقِيَمِ، وَالشَّرَائِعِ وَالْقَوَانِينِ، وَالْأَوْضَاعِ وَالتَّقَالِيدِ، مِنْ يَدِ اللَّهِ - سُبْحَانَهُ - فَإِذَا أَحْنَوْا رُءُوسَهُمْ فَإِنَّمَا يُحْنُونَهَا لِلَّهِ وَحْدَهُ، وَإِذَا أَطَاعُوا الشَّرَائِعَ فَإِنَّمَا يُطِيعُونَ اللَّهَ وَحْدَهُ، وَإِذَا خَضَعُوا لِلنِّظَامِ فَإِنَّمَا يَخْضَعُونَ لِلَّهِ وَحْدَهُ. وَمِنْ ثَمَّ يَتَحَرَّرُونَ حَقًّا مِنْ عُبُودِيَّةِ الْعَبِيدِ لِلْعَبِيدِ، حِينَ يُصْبِحُونَ كُلَّهُمْ عَبِيدًا لِلَّهِ بِلَا شَرِيكٍ. وَهَذَا هُوَ مَفْرِقُ الطَّرِيقِ بَيْنَ الْجَاهِلِيَّةِ - فِي كُلِّ صُورَةٍ مِنْ صُوَرِهَا - وَبَيْنَ الْإِسْلَامِ. وَهَذِهِ السُّورَةُ تَتَوَلَّى رَسْمَ مَفْرِقِ الطَّرِيقِ بِالدِّقَّةِ وَبِالْوُضُوحِ الَّذِي لَا تَبْقَى مَعَهُ رِيبَةٌ لِمُسْتَرِيبٍ. وَمَفْهُومُ أَنَّ كُلَّ أَمْرٍ أَوْ نَهْيٍ أَوْ تَوْجِيهٍ وَرَدَ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، كَانَ يُوَاجِهُ حَالَةً وَاقِعَةً فِي الْمُجْتَمَعِ الْجَاهِلِيِّ ، وَكَانَ يَتَوَخَّى إِمَّا إِنْشَاءَ حَالَةٍ غَيْرِ قَائِمَةٍ، وَإِمَّا إِبْطَالَ حَالَةٍ قَائِمَةٍ.. وَذَلِكَ دُونَ إِخْلَالٍ بِالْقَاعِدَةِ الْأُصُولِيَّةِ الْعَامَّةِ: " الْعِبْرَةُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا بِخُصُوصِ السَّبَبِ " .. وَمَعَ مُلَاحَظَةِ أَنَّ النُّصُوصَ الْقُرْآنِيَّةَ جَاءَتْ لِتَعْمَلَ فِي كُلِّ جِيلٍ وَفِي كُلِّ بِيئَةٍ كَمَا أَسْلَفْنَا. وَفِي هَذَا تُمَكِّنُ الْمُعْجِزَةُ. فَهَذِهِ النُّصُوصُ الَّتِي جَاءَتْ لِتُوَاجِهَ أَحْوَالًا بِعَيْنِهَا، هِيَ ذَاتُهَا الَّتِي تُوَاجِهُ الْجَمَاعَةَ الْإِنْسَانِيَّةَ، فِي أَيِّ طَوْرٍ مِنْ أَطْوَارِهَا. وَالْمَنْهَجُ الَّذِي الْتَقَطَ الْمَجْمُوعَةَ الْمُسْلِمَةَ مِنْ سَفْحِ الْجَاهِلِيَّةِ، هُوَ ذَاتُهُ الَّذِي يَلْتَقِطُ أَيَّةَ مَجْمُوعَةٍ - أَيًّا كَانَ مَوْقِفُهَا عَلَى الدُّرْجِ الصَّاعِدِ - ثُمَّ يَبْلُغُ بِهَا إِلَى الْقِمَّةِ السَّامِقَةِ، الَّتِي بَلَغَ إِلَيْهَا بِالْمَجْمُوعَةِ الْأُولَى، يَوْمَ الْتَقَطَهَا مِنْ ذَلِكَ السَّفْحِ السَّحِيقِ! وَمِنْ ثَمَّ فَنَحْنُ حِينُ نَقْرَأُ الْقُرْآنَ نَسْتَطِيعُ أَنْ نَتَبَيَّنَ مِنْهُ مَلَامِحَ الْمُجْتَمَعِ الْجَاهِلِيِّ، مِنْ خِلَالِ أَوَامِرِهِ وَنَوَاهِيهِ وَتَوْجِيهَاتِهِ كَمَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَتَبَيَّنَ الْمَلَامِحَ الْجَدِيدَةَ الَّتِي يُرِيدُ أَنْ يُنْشِئَهَا، وَأَنْ يُثْبِتَهَا فِي الْمُجْتَمَعِ الْجَدِيدِ.. فَمَاذَا نَحْنُ وَاجِدُونَ - فِي هَذِهِ السُّورَةِ - مِنْ مَلَامِحِ الْمُجْتَمَعِ الْجَاهِلِيِّ الَّتِي ظَلَّتْ رَاسِبَةً فِي الْجَمَاعَةِ الْمُسْلِمَةِ، مُنْذُ أَنِ الْتَقَطَهَا الْمَنْهَجُ الرَّبَّانِيُّ مِنْ سَفْحِ الْجَاهِلِيَّةِ؟ وَمَاذَا نَحْنُ وَاجِدُونَ مِنَ الْمَلَامِحِ الْجَدِيدَةِ الَّتِي يُرَادُ إِنْشَاؤُهَا فِي الْمُجْتَمَعِ الْإِسْلَامِيِّ الْجَدِيدِ وَتَثْبِيتُهَا! إِنَّنَا نَجِدُ مُجْتَمَعًا تُؤْكَلُ فِيهِ حُقُوقُ الْأَيْتَامِ - وَبِخَاصَّةٍ الْيُتْمَاتُ - فِي حُجُورِ الْأَهْلِ وَالْأَوْلِيَاءِ وَالْأَوْصِيَاءِ، وَيُسْتَبْدَلُ الْخَبِيثُ مِنْهَا بِالطَّيِّبِ، وَيَعْمَلُ فِيهَا بِالْإِسْرَافِ وَالطَّمَعِ، خِيفَةَ أَنْ يَكْبُرَ الْيَتَامَى فَيَسْتَرِدُّوهَا! وَتُحْبَسُ فِيهِ الصَّغِيرَاتُ مِنْ ذَوَاتِ الْمَالِ، لِيَتَّخِذَهُنَّ الْأَوْلِيَاءُ زَوْجَاتٍ، طَمَعًا فِي مَالِهِنَّ لَا رَغْبَةً فِيهِنَّ! أَوْ يُعْطِينَ لِأَطْفَالِ الْأَوْلِيَاءِ لِلْغَرَضِ ذَاتِهِ! وَنَجِدُ مُجْتَمَعًا يُجَارُ فِيهِ عَلَى الصِّغَارِ وَالضِّعَافِ وَالنِّسَاءِ فَلَا يُسَلِّمُ لَهُمْ فِيهِ بِنَصِيبِهِمُ الْحَقِيقِيِّ مِنَ الْمِيرَاثِ. إِنَّمَا يَسْتَأْثِرُ فِيهِ بِمُعْظَمِ التَّرِكَةِ الرِّجَالُ الْأَقْوِيَاءُ، الْقَادِرُونَ عَلَى حَمْلِ السِّلَاحِ وَلَا يَنَالُ الضِّعَافُ فِيهِ إِلَّا الْفُتَاتَ. وَهَذَا الْفُتَاتُ الَّذِي تَنَالُهُ الْيَتِيمَاتُ الصَّغِيرَاتُ وَالنِّسْوَةُ الْكَبِيرَاتُ، هُوَ الَّذِي يُحْتَجَزْنَ مِنْ أَجْلِهِ، وَيَحْبِسْنَ عَلَى الْأَطْفَالِ مِنَ الذُّكُورِ أَوْ عَلَى الشُّيُوخِ مِنَ الْأَوْلِيَاءِ. كَيْ لَا يَخْرُجَ الْمَالُ بَعِيدًا وَلَا يَذْهَبَ فِي الْغُرَبَاءِ! وَنَجِدُ مُجْتَمَعًا يَضَعُ الْمَرْأَةَ مَوْضِعًا غَيْرَ كَرِيمٍ، وَيُعَامِلُهَا بِالْعَسْفِ وَالْجَوْرِ. فِي كُلِّ أَدْوَارِ حَيَاتِهَا. يَحْرِمُهَا الْمِيرَاثُ - كَمَا قُلْنَا - أَوْ يَحْبِسُهَا لِمَا يَنَالُهَا مَنْعٌ، وَيُوَرِّثُهَا لِلرَّجُلِ كَمَا يُوَرِّثُهُ الْمَتَاعَ! فَإِذَا مَاتَ زَوْجُهَا جَاءَ وَلَيُّهُ، فَأَلْقَى عَلَيْهَا ثَوْبَهُ، فَيَعْرِفُ أَنَّهَا مَحْجُوزَةٌ لَهُ. إِنْ شَاءَ نَكَحَهَا بِغَيْرِ مَهْرٍ، وَإِنْ شَاءَ زَوَّجَهَا وَأَخَذَ مَهْرَهَا! وَيَعْضُلُهَا زَوْجُهَا إِذَا طَلَّقَهَا، فَيَدَعُهَا لَا هِيَ زَوْجَةٌ، وَلَا هِيَ مُطَلَّقَةٌ، حَتَّى تَفْتَدِي نَفْسَهَا مِنْهُ وَتَفُكَّ أَسْرَهَا! وَنَجِدُ مُجْتَمَعًا تَضْطَرِبُ فِيهِ قَوَاعِدُ الْأُسْرَةِ بِسَبَبِ هُبُوطِ مَرْكَزِ الْمَرْأَةِ فِيهِ، عِلَاوَةً عَلَى اضْطِرَابِ قَوَاعِدِ التَّبَنِّي وَالْوَلَاءِ، وَاصْطِدَامِهَا مَعَ قَوَاعِدِ الْقَرَابَةِ وَالنَّسَبِ، فَوْقَ مَا فِيهِ مِنْ فَوْضَى فِي الْعَلَاقَاتِ الْجِنْسِيَّةِ وَالْعَائِلِيَّةِ. حَيْثُ تُرَوَّجُ اتِّصَالَاتُ السِّفَاحِ وَالْمُخَادَنَةِ.

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية