الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      وَالْوَاقِعِيَّةُ الصَّادِقَةُ الْأَمِينَةُ النَّظِيفَةُ السَّلِيمَةُ فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ، لَا تَقِفُ عِنْدَ وَاقِعِيَّةِ الشَّخْصِيَّاتِ الْإِنْسَانِيَّةِ الَّتِي تَحْفُلُ بِهَا الْقِصَّةُ فِي هَذَا الْمَجَالِ الْوَاسِعِ، عَلَى هَذَا الْمُسْتَوِي الرَّائِعِ. وَلَكِنَّهَا تَتَجَلَّى كَذَلِكَ فِي وَاقِعِيَّةِ الْأَحْدَاثِ وَالسَّرْدِ وَالْعَرْضِ وَصِدْقِهَا وَطَبِيعِيَّتِهَا فِي مَكَانِهَا وَزَمَانِهَا، وَفِي بِيئَتِهَا وَمُلَابَسَاتِهَا.. فَكُلُّ حَرَكَةِ وَكُلِّ خَالِجَةٍ وَكُلِّ كَلِمَةٍ تَجِيءُ فِي أَوَانِهَا; وَتَجِيءُ فِي الصُّورَةِ الْمُتَوَقَّعَةِ لَهَا; وَتَجِيءُ فِي مَكَانِهَا مِنْ مَسْرَحِ الْعَرْضِ; مُتَرَاوِحَةً بَيْنَ مِنْطَقَةِ الظِّلِّ وَمِنْطَقَةِ الضَّوْءِ بِحَسْبِ أَهَمِّيَّتِهَا وَدَوْرِهَا وَطَبِيعَةِ جَرَيَانِ الْحَيَاةِ بِهَا.. الْأَمْرُ الْمَلْحُوظُ فِي الشَّخْصِيَّاتِ أَيْضًا كَمَا قَرَّرْنَا مِنْ قَبْلُ هَذَا.. حَتَّى لَحَظَاتِ الْجِنْسِ فِي الْقِصَّةِ وَمَوَاقِفِهِ أَخَذَتْ مِسَاحَتَهَا كَامِلَةً - فِي حُدُودِ الْمَنْهَجِ النَّظِيفِ اللَّائِقِ "بِالْإِنْسَانِ" فِي غَيْرِ تَزْوِيرٍ وَلَا نَقْصٍ وَلَا تَحْرِيفٍ لِلْوَاقِعِيَّةِ الْبَشَرِيَّةِ فِي شُمُولِهَا وَصِدْقِهَا وَتَكَامُلِهَا - وَلَكِنَّ اسْتِيفَاءَ تِلْكَ اللَّحَظَاتِ لِمِسَاحَتِهَا الْمُتَنَاسِقَةِ مَعَ بَقِيَّةِ الْأَحْدَاثِ وَالْمَوَاقِفِ لَمْ يَكُنْ مَعْنَاهُ الْوُقُوفُ أَمَامَهَا كَمَا لَوْ كَانَتْ هِيَ كُلُّ وَاقِعِيَّةِ الْكَائِنِ الْبَشَرِيِّ; وَكَمَا لَوْ كَانَتْ هِيَ مِحْوَرُ حَيَاتِهِ كُلِّهَا، وَهِيَ كُلُّ أَهْدَافِ حَيَاتِهِ الَّتِي تَسْتَغْرِقُهَا! كَمَا تُحَاوِلُ الْجَاهِلِيَّةُ أَنْ تُفْهِمَنَا أَنَّ هَذَا وَحْدَهُ هُوَ الْفَنُّ الصَّادِقُ! إِنَّ الْجَاهِلِيَّةَ إِنَّمَا تَمْسَخُ الْكَائِنَ الْبِشْرِيَّ بَاسِمِ الصِّدْقِ الْفَنِّيِّ! وَهِيَ تَقِفُ أَمَامَ لَحْظَةِ الْجِنْسِ كَمَا لَوْ كَانَتْ هِيَ كُلُّ وُجْهَةِ الْحَيَاةِ الْبَشَرِيَّةِ بِجُمْلَتِهَا; فَتُنْشِئُ مِنْهَا مُسْتَنْقَعًا وَاسِعًا عَمِيقًا، مُزَيَّنًا فِي الْوَقْتِ ذَاتِهِ بِالْأَزْهَارِ الشَّيْطَانِيَّةِ! وَهِيَ لَا تَفْعَلُ هَذَا لِأَنَّ هَذَا هُوَ الْوَاقِعُ، وَلَا لِأَنَّهَا هِيَ مُخْلِصَةٌ فِي تَصْوِيرِ هَذَا الْوَاقِعِ! إِنَّمَا تَفْعَلُهُ لِأَنَّ "بُرُوتُوكُولَاتِ صَهْيُونٍ" تُرِيدُ هَذَا! تُرِيدُ تَجْرِيدَ "الْإِنْسَانِ" إِلَّا مِنْ حَيَوَانِيَّتِهِ حَتَّى لَا يُوصَمَ الْيَهُودُ وَحْدَهُمْ بِأَنَّهُمْ هُمُ الَّذِينَ يَتَجَرَّدُونَ مَنْ كُلِّ الْقِيَمِ غَيْرِ الْمَادِّيَّةِ! وَتُرِيدُ أَنْ تَغْرَقَ الْبَشَرِيَّةُ كُلَّهَا فِي وَحْلِ الْمُسْتَنْقَعِ كَيْ تَنْحَصِرَ فِيهِ كُلُّ اهْتِمَامَاتِهَا، وَتَسْتَغْرِقَ فِيهِ كُلَّ طَاقَاتِهَا; فَهَذِهِ هِيَ أَضْمَنُ سَبِيلٍ لِتَدْمِيرِ الْبَشَرِيَّةِ حَتَّى تَجْثُوَ عَلَى رُكْبَتَيْهَا خَاضِعَةً لِمَلِكِ صَهْيُونَ الْمُرْتَقَبِ الْمَلْعُونِ! ثُمَّ تَتَّخِذُ مِنَ الْفَنِّ وَسِيلَةً إِلَى هَذَا الشَّرِّ كُلِّهِ، إِلَى جَانِبِ مَا تَتَّخِذُهُ مِنْ نَشْرِ الْمَذَاهِبِ "الْعِلْمِيَّةِ!" الْمُؤَدِّيَةِ إِلَى ذَاتِ الْهَدَفِ. تَارَةً بِاسْمِ "الدَّارْوِينِيَّةِ" وَتَارَةً بِاسْمِ "الْفَرُويِدِيَّةَ" وَتَارَةً بِاسْمِ "الْمَارْكِسِيَّةِ" أَوِ "الْاشْتِرَاكِيَّةِ الْعِلْمِيَّةِ".. وَكُلُّهَا سَوَاءٌ فِي تَحْقِيقِ الْمُخَطِّطَاتِ الصَّهْيُونِيَّةِ الرَّهِيبَةِ! وَالْقِصَّةُ بَعْدَ ذَلِكَ تَتَجَاوَزُ الشَّخْصِيَّاتِ وَالْأَحْدَاثَ لِتَرْسُمَ ظِلَالَ الْفَتْرَةِ التَّارِيخِيَّةِ الَّتِي تَجْرِي فِيهَا أَحْدَاثُ الْقِصَّةِ، وَتَتَحَرَّكُ فِيهَا شَخْصِيَّاتُهَا الْكَثِيرَةُ، وَتُسَجِّلُ سِمَاتَهَا الْعَامَّةَ، فَتَرْسُمُ مَسْرَحَ الْأَحْدَاثِ بِأَبْعَادِهِ الْعَالَمِيَّةِ فِي تِلْكَ الْفَتْرَةِ التَّارِيخِيَّةِ.. وَنَكْتَفِي بِبَعْضِ اللَّمَحَاتِ وَالسِّهَامِ الَّتِي تَرْسُمُ تِلْكَ الْأَبْعَادَ: إِنَّ مِصْرَ فِي هَذِهِ الْفَتْرَةِ لَمْ يَكُنْ يَحْكُمُهَا الْفَرَاعِنَةُ مِنَ الْأُسَرِ الْمِصْرِيَّةِ; إِنَّمَا كَانَ يَحْكُمُهَا "الرُّعَاةُ" الَّذِينَ عَاشَ إِبْرَاهِيمُ وَإِسْمَاعِيلُ وَإِسْحَاقُ وَيَعْقُوبُ قَرِيبًا مِنْهُمْ، فَعَرَفُوا شَيْئًا عَنْ دِينِ اللَّهِ مِنْهُمْ. نَأْخُذُ هَذَا مِنْ ذِكْرِ الْقُرْآنِ لِلْمَلِكِ بِلَقَبِ "الْمَلِكِ" فِي حِينِ يُسَمَّى الْمَلِكُ الَّذِي جَاءَ عَلَى عَهْدِ مُوسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مِنْ بَعْدُ بِلَقَبِهِ الْمَعْرُوفِ. "فِرْعَوْنُ" .. وَمِنْ هَذَا يَتَحَدَّدُ زَمَنُ وُجُودِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي مِصْرَ فَهُوَ كَانَ مَا بَيْنَ عَهْدِ الْأُسْرَةِ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ وَالْأُسْرَةِ السَّابِعَةَ عَشْرَةَ; وَهِيَ أُسَرُ "الرُّعَاةِ" الَّذِينَ سَمَّاهُمُ الْمِصْرِيُّونَ "الْهِكْسُوسَ" ! كَرَاهِيَةً لَهُمْ إِذْ يُقَالُ: إِنَّ مَعْنَى الْكَلِمَةِ فِي اللُّغَةِ الْمِصْرِيَّةِ الْقَدِيمَةِ: "الْخَنَازِيرُ" أَوْ "رُعَاةُ الْخَنَازِيرِ" ! وَهِيَ فَتْرَةٌ تَسْتَغْرِقُ نَحْوَ قَرْنٍ وَنِصْفِ قَرْنٍ. إِنَّ رِسَالَةَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَتْ فِي هَذِهِ الْفَتْرَةِ. وَهُوَ كَانَ قَدْ بَدَأَ الدَّعْوَةَ إِلَى الْإِسْلَامِ.. دِيَانَةُ التَّوْحِيدِ الْخَالِصِ.. وَهُوَ فِي السِّجْنِ; وَقَرَّرَ أَنَّهَا دِينُ آبَائِهِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ; وَقَرَّرَهَا فِي صُورَةٍ وَاضِحَةٍ كَامِلَةٍ دَقِيقَةٍ شَامِلَةٍ. فِيمَا حَكَاهُ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ مِنْ قَوْلِهِ: إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ .. وَهِيَ صُورَةٌ لِلْإِسْلَامِ وَاضِحَةً كَامِلَةً وَدَقِيقَةً شَامِلَةً - كَمَا جَاءَ بِهِ رُسُلُ اللَّهِ جَمِيعًا - مِنْ نَاحِيَةِ أُصُولِ الْعَقِيدَةِ. تَحْتَوِي، الْإِيمَانَ بِاللَّهِ، وَالْإِيمَانَ بِالْآخِرَةِ، وَتَوْحِيدَ اللَّهِ وَعَدَمَ الشِّرْكِ بِهِ أَصْلًا، وَمَعْرِفَةَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ بِصِفَاتِهِ.. الْوَاحِدُ، الْقَهَّارُ.. وَالْحُكْمَ بِعَدَمِ وُجُودِ حَقِيقَةٍ وَلَا سُلْطَانٍ لِغَيْرِهِ أَصْلًا; وَمِنْ ثَمَّ نَفْيِ الْأَرْبَابِ الَّتِي تَتَحَكَّمُ فِي رِقَابِ الْعِبَادِ، وَإِعْلَانَ السُّلْطَانِ وَالْحَكَمِ لِلَّهِ وَحْدَهُ، مَا دَامَ أَنَّ اللَّهَ أَمَرَ أَلَّا يَعْبُدَ النَّاسُ غَيْرَهُ. وَمُزَاوَلَةُ السُّلْطَانِ وَالْحُكْمِ وَالرُّبُوبِيَّةِ هِيَ تَعْبِيدٌ لِلنَّاسِ مُخَالِفٌ لِلْأَمْرِ بِعِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ. وَتَحْدِيدُ مَعْنَى "الْعِبَادَةِ" بِأَنَّهَا الْخُضُوعُ لِلسُّلْطَانِ وَالْحُكْمُ وَالْإِذْعَانُ لِلرُّبُوبِيَّةِ، وَتَعْرِيفُ الدِّينِ الْقَيِّمِ بِأَنَّهُ إِفْرَادُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ بِالْعِبَادَةِ - أَيْ إِفْرَادُهُ بِالْحُكْمِ - فَهُمَا مُتَرَادِفَانِ أَوْ مُتَلَازِمَانِ: إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ .. وَهَذِهِ هِيَ أَوْضَحُ صُورَةٍ لِلْإِسْلَامِ وَأَكْمَلُهَا وَأَدَقُّهَا وَأَشْمَلُهَا.. وَوَاضِحٌ أَنَّ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عِنْدَمَا سَيْطَرَ عَلَى مَقَالِيدِ الْأُمُورِ فِي مِصْرَ ، اسْتَمَرَّ فِي دَعْوَتِهِ لِلْإِسْلَامِ عَلَى هَذَا النَّحْوِ الْوَاضِحِ الْكَامِلِ الدَّقِيقِ الشَّامِلِ.. وَلَا بُدَّ أَنِ الْإِسْلَامَ انْتَشَرَ فِي مِصْرَ عَلَى يَدَيْهِ - وَهُوَ يَقْبِضُ عَلَى أَقْوَاتِ النَّاسِ وَأَزْوَادِهِمْ لَا عَلَى مُجَرَّدِ مَقَالِيدِ الْحُكْمِ بَيْنَهُمْ - وَانْتَشَرَ كَذَلِكَ فِي الْبِقَاعِ الْمُجَاوِرَةِ مِمَّنْ كَانَتْ وُفُودُهَا تَجِيءُ لِتَقْتَاتَ مِمَّا تَمَّ ادِّخَارُهُ بِحِكْمَتِهِ وَتَدْبِيرِهِ - وَقَدْ رَأَيْنَا إِخْوَةَ يُوسُفَ يَجِيئُونَ مَنْ أَرْضِ كَنْعَانَ الْمُجَاوِرَةِ فِي الْأُرْدُنَ ضِمْنَ غَيْرِهِمْ مِنَ الْقَوَافِلِ لِيَمْتَارُوا مِنْ مِصْرَ وَيَتَزَوَّدُوا، مِمَّا يُصَوِّرُ حَالَةَ الْجَدَبِ الَّتِي حَلَّتْ بِالْمِنْطَقَةِ كُلِّهَا فِي هَذِهِ الْفَتْرَةِ. وَالْقِصَّةُ تُشِيرُ إِلَى آثَارٍ بَاهِتَةٍ لِلْعَقِيدَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ الَّتِي عَرَفَ الرُّعَاةُ شَيْئًا عَنْهَا فِي أَوَّلِ الْقِصَّةِ، كَمَا تُشِيرُ إِلَى انْتِشَارِ هَذِهِ الْعَقِيدَةِ وَوُضُوحِهَا بَعْدَ دَعْوَةِ يُوسُفَ بِهَا. وَالْإِشَارَةُ الْأُولَى وَرَدَتْ فِي حِكَايَةِ قَوْلِ النِّسْوَةِ حِينَ طَلَعَ عَلَيْهِنَّ يُوسُفُ : فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ .. وَوَرَدَتْ فِي قَوْلِ الْعَزِيزِ لِامْرَأَتِهِ: يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ .. أَمَّا الْإِشَارَةُ الثَّانِيَةُ الْوَاضِحَةُ فَقَدْ جَاءَتْ عَلَى لِسَانِ امْرَأَةِ الْعَزِيزِ الَّتِي يَتَجَلَّى أَنَّهَا آمَنَتْ بِعَقِيدَةِ يُوسُفَ وَأَسْلَمَتْ فِي النِّهَايَةِ، فِيمَا حَكَاهُ عَنْهَا السِّيَاقُ الْقُرْآنِيُّ: قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ .. وَإِذَا اتَّضَحَ أَنَّ دِيَانَةَ التَّوْحِيدِ - عَلَى هَذَا الْمُسْتَوَى - كَانَتْ قَدْ عُرِفَتْ قَبْلَ تَوَلِّي يُوسُفَ مَقَالِيدِ الْحُكْمِ فِي مِصْرَ; فَلَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ قَدِ انْتَشَرَتْ بَعْدَ ذَلِكَ وَاسْتَقَرَّتْ عَلَى نِطَاقٍ وَاسِعٍ فِي أَثْنَاءِ تَوَلِّيهِ الْحَكَمِ، ثُمَّ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فِي عَهْدِ أُسَرِ الرُّعَاةِ. فَلَمَّا اسْتَرَدَّ الْفَرَاعِنَةُ زِمَامَ الْأُمُورِ فِي الْأُسْرَةِ الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ أَخَذُوا يُقَاوِمُونَ دِيَانَةَ التَّوْحِيدِ مُمَثِّلَةً فِي ذُرِّيَّةِ يَعْقُوبَ الَّتِي تَكَاثَرَتْ فِي مِصْرَ ؛ لِإِعَادَةِ الْوَثَنِيَّةِ الَّتِي تَقُومُ عَلَيْهَا الْفِرْعَوْنِيَّةُ! ... وَهَذَا يَكْشِفُ لَنَا سَبَبًا أَصِيلًا مِنْ أَسْبَابِ اضْطِهَادِ الْفَرَاعِنَةِ بَعْدَ ذَلِكَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ - أَيْ يَعْقُوبَ - إِلَى جَانِبِ السَّبَبِ السِّيَاسِيِّ، وَهُوَ أَنَّهُمْ جَاءُوا وَاسْتَوْطَنُوا وَحَكَمُوا وَاسْتَقَرُّوا فِي عَهْدِ مُلُوكِ الرُّعَاةِ الْوَافِدِينَ. فَلَمَّا طَرَدَ الْمِصْرِيُّونَ مُلُوكَ الرُّعَاةِ طَارَدُوا حُلَفَاءَهُمْ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَيْضًا.. وَإِنْ كَانَ اخْتِلَافُ الْعَقِيدَتَيْنِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ هُوَ التَّفْسِيرُ الْأَقْوَى لِذَلِكَ الِاضْطِهَادِ الْفَظِيعِ. ذَلِكَ أَنَّ انْتِشَارَ عَقِيدَةِ التَّوْحِيدِ الصَّحِيحَةِ يُحَطِّمُ الْقَاعِدَةَ الَّتِي يَقُومُ عَلَيْهَا مُلْكُ الْفَرَاعِينِ! فَهِيَ الْعَدُوُّ الْأَصِيلُ لِلطَّوَاغِيتِ وَحَكَمِ الطَّوَاغِيتِ وَرُبُوبِيَّةِ الطَّوَاغِيتِ! وَلَقَدْ وَرَدَتْ إِشَارَةٌ إِلَى هَذَا الَّذِي نُقَرِّرُهُ فِي حِكَايَةِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ لِقَوْلِ مُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ فِي سُورَةِ غَافِرٍ; فِي دِفَاعِهِ الْإِسْلَامِيِّ الْمُجِيدِ عَنْ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، فِي وَجْهِ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ عِنْدَمَا هَمَّ فِرْعَوْنُ بِقَتْلِ مُوسَى ، لِيَقْتُلَ مَعَهُ الْخَطَرُ الَّذِي يُهَدِّدُ مُلْكَهُ كُلَّهُ مِنْ عَقِيدَةِ التَّوْحِيدِ الَّتِي جَاءَ بِهَا مُوسَى : وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ إِلَخْ.. فَقَدْ كَانَ الصِّرَاعُ الْحَقِيقِيُّ بَيْنَ عَقِيدَةِ التَّوْحِيدِ الَّتِي تُفْرِدُ اللَّهَ سُبْحَانَهُ بِالرُّبُوبِيَّةِ، فَتُفْرِدُهُ بِالْعِبَادَةِ - أَيْ بِالدَّيْنُونَةِ وَالْخُضُوعِ وَالِاتِّبَاعِ لِحَاكِمِيَّتِهِ وَحْدَهُ - وَبَيْنَ الْفِرْعَوْنِيَّةِ الَّتِي تَقُومُ عَلَى أَسَاسِ الْعَقِيدَةِ الْوَثَنِيَّةِ، وَلَا تَقُومُ إِلَّا بِهَا. وَلَعَلَّ التَّوْحِيدَ النَّاقِصَ الْمُشَوَّهَ الَّذِي عَرَفَ بِهِ " أَخْنَاتُونُ " لَمْ يَكُنْ إِلَّا أَثَرًا مِنَ الْآثَارِ الْمُضْطَرِبَةِ الَّتِي بَقِيَتْ مِنَ التَّوْحِيدِ الَّذِي نَشَرَهُ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي مِصْرَ كَمَا أَسْلَفْنَا; وَبِخَاصَّةٍ إِذَا صَحَّ مَا يُقَالُ فِي التَّارِيخِ مِنْ أَنَّ أُمَّ أَخْنَاتُونَ كَانَتْ آسْيَوِيَّةً وَلَمْ تَكُنْ فِرْعَوْنِيَّةً! وَبَعْدَ هَذَا الِاسْتِطْرَادِ نَعُودُ إِلَى اللَّمَحَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى طَبِيعَةِ الْفَتْرَةِ التَّارِيخِيَّةِ الَّتِي وَقَعَتْ فِيهَا أَحْدَاثُ الْقِصَّةِ وَتَحَرَّكَتْ فِيهَا أَشْخَاصُهَا. فَنَجِدُهَا تُتَجَاوَزُ حُدُودَ الرُّقْعَةِ الْمِصْرِيَّةِ، وَتُسَجِّلُ طَابَعَ الْعَصْرِ كُلَّهُ. فَوَاضِحٌ تَمَامًا انْطِبَاعُ هَذِهِ الْفَتْرَةِ الزَّمَنِيَّةِ بِالرُّؤَى وَالتَّنَبُّؤَاتِ الَّتِي لَا تَقْتَصِرُ عَلَى أَرْضٍ وَاحِدَةٍ، وَلَا عَلَى قَوْمٍ بِأَعْيَانِهِمْ.. وَنَحْنُ نَرَى هَذِهِ الظَّاهِرَةَ وَاضِحَةً فِي رُؤْيَا يُوسُفَ وَتَعْبِيرِهَا وَتَأْوِيلِهَا فِي النِّهَايَةِ. وَفِي رُؤْيَا الْفَتَيَيْنِ صَاحِبِي السَّجْنِ. وَفِي رُؤْيَا الْمَلِكِ فِي النِّهَايَةِ.. وَكُلُّهَا تَتَلَقَّى بِالِاهْتِمَامِ سَوَاءٌ مِمَّنْ يَرَوْنَهَا أَوْ مِمَّنْ يَسْمَعُونَهَا مِمَّا يَشِي بِطَابَعِ الْعَصْرِ كُلِّهِ! وَعَلَى وَجْهِ الْإِجْمَالِ فَإِنَّ الْقِصَّةَ غَنِيَّةً بِالْعَنَاصِرِ الْفَنِّيَّةِ. غَنِيَّةً كَذَلِكَ بِالْعُنْصُرِ الْإِنْسَانِيِّ، حَافِلَةً بِالِانْفِعَالِ وَالْحَرَكَةِ. وَطَرِيقَةُ الْأَدَاءِ تُبْرِزُ هَذِهِ الْعَنَاصِرُ إِبْرَازًا قَوِيًّا. فَضْلًا عَلَى خَصَائِصِ التَّعْبِيرِ الْقُرْآنِيَّةِ الْمُوحِيَةِ الْمُؤَثِّرَةِ، ذَاتِ الْإِيقَاعِ الْمُوسِيقِيِّ الْمُنَاسِبِ لِكُلِّ جَوٍّ مِنَ الْأَجْوَاءِ الَّتِي يُصَوِّرُهَا السِّيَاقُ. فِي الْقِصَّةِ يَتَجَلَّى عُنْصُرُ الْحُبِّ الْأَبَوِيِّ فِي صُوَرٍ وَدَرَجَاتٍ مُنَوَّعَةٍ وَاضِحَةِ الْخُطُوطِ وَالظِّلَالِ: فِي حُبِّ يَعْقُوبَ لِيُوسُفِ وَأَخِيهِ وَحُبِّهِ لِبَقِيَّةِ أَبْنَائِهِ. وَفِي اسْتِجَابَاتِهِ الشُّعُورِيَّةِ لِلْأَحْدَاثِ حَوْلَ يُوسُفَ مِنْ أَوَّلِ الْقِصَّةِ إِلَى آخِرِهَا. وَعُنْصُرُ الْغَيْرَةِ وَالتَّحَاسُدِ بَيْنَ الْإِخْوَةِ مِنْ أُمَّهَاتٍ مُخْتَلِفَاتٍ، بِحَسْبَ مَا يَرَوْنَ مِنْ تَنَوُّعِ صُوَرِ الْحُبِّ الْأَبَوِيِّ. وَعُنْصُرُ التَّفَاوُتِ فِي الِاسْتِجَابَاتِ الْمُخْتَلِفَةِ لِلْغَيْرَةِ وَالْحَسَدِ فِي نُفُوسِ الْإِخْوَةِ; فَبَعْضُهُمْ يَقُودُهُمْ هَذَا الشُّعُورُ إِلَى إِضْمَارِ جَرِيمَةِ الْقَتْلِ، وَبَعْضُهُمْ يُشِيرُ فَقَطْ بِطَرْحِ يُوسُفَ فِي الْجُبِّ تَلْتَقِطُهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ نُفُورًا مِنَ الْجَرِيمَةِ.. وَعُنْصُرَا الْمَكْرِ وَالْخِدَاعِ فِي صُوَرٍ شَتَّى. مِنْ مَكْرِ إِخْوَةِ يُوسُفَ بِهِ، إِلَى مَكْرِ امْرَأَةِ الْعَزِيزِ بِيُوسُفَ وَبِزَوْجِهَا وَبِالنِّسْوَةِ. وَعُنْصُرُ الشَّهْوَةِ وَنَزَوَاتُهَا وَالِاسْتِجَابَةُ لَهَا بِالِانْدِفَاعِ أَوْ بِالْإِحْجَامِ. وَبِالْإِعْجَابِ وَالتَّمَنِّي، وَالِاعْتِصَامِ وَالتَّأَبِّي. وَعُنْصُرُ النَّدَمِ فِي بَعْضِ أَلْوَانِهِ، وَالْعَفْوِ فِي أَوَانِهِ. وَالْفَرَحِ بِتَجَمُّعِ الْمُتَفَارِقِينَ.. وَذَلِكَ إِلَى بَعْضِ صُوَرِ الْمُجْتَمَعِ الْجَاهِلِيِّ فِي طَبَقَةِ الْعَلِيَّةِ مِنَ الْمَلَإِ فِي الْبَيْتِ وَالسِّجْنِ وَالسُّوقِ وَالدِّيوَانِ - فِي مِصْرَ يَوْمَذَاكَ، وَالْمُجْتَمَعِ الْعِبْرَانِيِّ، وَمَا يَسُودُ الْعَصْرَ مِنَ الرُّؤَى وَالتَّنَبُّؤَاتِ. وَتَبْدَأُ الْقِصَّةُ بِالرُّؤْيَا يَقُصُّهَا يُوسُفُ عَلَى أَبِيهِ، فَيُنْبِئُهُ أَبُوهُ بِأَنْ سَيَكُونُ لَهُ شَأْنٌ عَظِيمٌ، وَيَنْصَحُهُ بِأَلَا يَقُصُّهَا عَلَى إِخْوَتِهِ كَيْ لَا يُثِيرَ حَسَدَهُمْ فَيُغْرِيهِمِ الشَّيْطَانُ بِهِ فَيَكِيدُونَ لَهُ.. ثُمَّ تَسِيرُ الْقِصَّةُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَكَأَنَّمَا هِيَ تَأْوِيلٌ لِلرُّؤْيَا وَلِمَا تَوَقَّعَهُ يَعْقُوبُ مِنْ وَرَائِهَا حَتَّى إِذَا اكْتَمَلَ تَأْوِيلُ الرُّؤْيَا فِي النِّهَايَةِ أَنْهَى السِّيَاقُ الْقِصَّةَ، وَلَمْ يَسِرْ فِيهَا كَمَا سَارَ كُتَّابُ "الْعَهْدِ الْقَدِيمِ" بَعْدَ هَذَا الْخِتَامِ الْفَنِّيِّ الدَّقِيقِ، الْوَافِي بِالْغَرَضِ الدِّينِيِّ كُلِّ الْوَفَاءِ. وَمَا يُسَمَّى بِالْعُقْدَةِ الْفَنِّيَّةِ فِي الْقِصَّةِ وَاضِحٌ فِي قِصَّةِ يُوسُفَ . فَهِيَ تَبْدَأُ بِالرُّؤْيَا كَمَا سَبَقَ، وَيَظَلُّ تَأْوِيلُهَا مَجْهُولًا، يَتَكَشَّفُ قَلِيلًا قَلِيلًا، حَتَّى تَجِيءَ الْخَاتِمَةُ فَتُحَلُّ الْعُقْدَةُ حَلًّا طَبِيعِيًّا لَا تَعَمُّلَ فِيهِ وَلَا اصْطِنَاعَ! وَالْقِصَّةُ مُقَسَّمَةٌ إِلَى حَلَقَاتٍ. كُلُّ حَلْقَةٍ تَحْتَوِي جُمْلَةَ مَشَاهِدَ. وَالسِّيَاقُ يَتْرُكُ فَجَوَاتٍ بَيْنَ الْمَشْهَدِ وَالْمَشْهَدِ يَمْلَؤُهَا تَخَيُّلُ الْقَارِئِ وَتَصَوُّرِهِ، وَيُكْمِلُ مَا حُذِفَ مِنْ حَرَكَاتٍ وَأَقْوَالٍ، مَعَ مَا فِي هَذَا مِنْ تَشْوِيقٍ وَمَتَاعٍ.. وَحَسْبُنَا هَذَا الْقَدْرَ مِنَ التَّحْلِيلِ الْفَنِّيِّ لِقِصَّةِ يُوسُفَ ، وَتَمْثِيلِهَا لِلْمَنْهَجِ الْقُرْآنِيِّ الْإِسْلَامِيِّ فِي الْأَدَاءِ. وَفِي هَذَا الْقَدْرِ مَا يَكْشِفُ عَنْ مَدَى الْإِمْكَانِيَّاتِ الَّتِي يَعْرِضُهَا هَذَا الْمَنْهَجُ لِلْمُحَاوَلَاتِ الْبَشَرِيَّةِ فِي الْأَدَبِ الْإِسْلَامِيِّ، لِتَمْكِينِهِ مِنَ الْأَدَاءِ الْفَنِّيِّ الْكَامِلِ وَالْوَاقِعِيَّةِ الصَّادِقَةِ السَّلِيمَةِ، دُونَ أَنْ يُسِفَّ أَوْ يَحْتَاجَ إِلَى التَّخَلِّي عَنِ النَّظَافَةِ اللَّائِقَةِ بِفَنٍّ يُقَدَّمُ ل "الْإِنْسَانِ" !

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية