الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
فِي الظِّهَارِ بِغَيْرِ الْأُمِّ وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُخْتِي أَوْ ذَاتِ مَحْرَمٍ مِنْهُ ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا : " هُوَ مُظَاهِرٌ ، وَإِنْ قَالَ كَظَهْرِ فُلَانَةٍ وَلَيْسَتْ بِمَحْرَمٍ مِنْهُ لَمْ يَكُنْ مُظَاهِرًا " ، وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ وَالْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَقَالَ مَالِكٌ وَعُثْمَانُ الْبَتِّيُّ : " يَصِحُّ الظِّهَارُ بِالْمُحَرَّمِ وَالْأَجْنَبِيَّةِ " وَلِلشَّافِعِيَّ قَوْلَانِ . أَحَدُهُمَا : أَنَّ الظِّهَارَ لَا يَصِحُّ إِلَّا بِالْأُمِّ . وَالْآخَرُ : أَنَّهُ يَصِحُّ بِذَوَاتِ الْمَحَارِمِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ : لَمَّا صَحَّ الظِّهَارُ بِالْأُمِّ وَكَانَتْ ذَوَاتُ الْمَحَارِمِ كَالْأُمِّ فِي التَّحْرِيمِ وَجَبَ أَنْ يَصِحَّ الظِّهَارُ بِهِنَّ إِذْ لَا فَرْقَ بَيْنَهُنَّ فِي جِهَةِ التَّحْرِيمِ . أَلَا تَرَى أَنَّ الظِّهَارَ بِالْأُمِّ مِنَ الرَّضَاعَةِ صَحِيحٌ مَعَ عَدَمِ النَّسَبِ لِوُجُودِ التَّحْرِيمِ فَكَذَلِكَ سَائِرُ ذَوَاتِ الْمَحَارِمِ . وَرُوِيَ نَحْوُ قَوْلِ أَصْحَابِنَا عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ وَالْحَسَنِ وَإِبْرَاهِيمَ وَعَطَاءٍ وَقَالَ الشَّعْبِيُّ " إِنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - لَمْ يَنْسَ أَنْ يَذْكُرَ الْبَنَاتِ وَالْأَخَوَاتِ وَالْعَمَّاتِ إِنَّمَا الظِّهَارُ مِنَ الْأُمِّ " وَأَيْضًا لَمَّا قَالَ - تَعَالَى - وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ اقْتَضَى ظَاهِرُهُ الظِّهَارَ بِكُلِّ ذَاتِ مَحْرَمٍ ؛ إِذْ لَمْ يُخَصِّصِ الْأُمَّ دُونَ غَيْرِهَا وَمَنْ قَصَرَهُ عَلَى الْأُمِّ فَقَدْ خَصَّ بِلَا دَلِيلٍ فَإِنْ قِيلَ لَمَّا قَالَ - تَعَالَى - مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ الظِّهَارَ بِالْأُمِّ قِيلَ لَهُ إِنَّمَا ذَكَرَ الْأُمَّهَاتِ ؛ لِأَنَّهُنَّ مِمَّا اشْتَمَلَ عَلَيْهِنَّ حَدُّ الْآيَةِ وَذَلِكَ لَا يَنْفِي أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ عُمُومًا فِي سَائِرِ مَنْ أَوْقَعَ التَّشْبِيهِ بِظَهْرِهَا مِنْ سَائِرِ ذَوَاتِ الْمَحَارِمِ وَأَيْضًا فَإِنَّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ الظِّهَارِ مِنْ سَائِرِ ذَوَاتِ الْمَحَارِمِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ نَبَّهَ عَلَى الْمَعْنَى الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ أَلْزَمَهُ حُكْمَ الظِّهَارِ ، وَهُوَ قَوْلُهُ : مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا فَأَخْبَرَ أَنَّهُ أَلْزَمَهُمْ هَذَا الْحُكْمَ ؛ لِأَنَّهُنَّ لَسْنَ بِأُمَّهَاتِهِمْ ، وَأَنَّ قَوْلَهُمْ هَذَا مُنْكَرٌ مِنَ الْقَوْلِ وَزُورٌ فَاقْتَضَى ذَلِكَ إِيجَابَ هَذَا الْحُكْمِ فِي الظِّهَارِ بِسَائِرِ ذَوَاتِ الْمَحَارِمِ ؛ لِأَنَّهُ إِذْ ظَاهَرَ بِأَجْنَبِيَّةٍ فَلَيْسَتْ هِيَ أُخْتَهُ وَلَا ذَاتَ مَحْرَمٍ مِنْهُ ، وَهَذَا الْقَوْلُ مُنْكَرٌ مِنَ الْقَوْلِ وَزُورٌ ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ بُضْعَ امْرَأَتِهِ وَهِيَ مُبَاحَةٌ لَهُ وَذَوَاتُ الْمَحَارِمِ مُحَرَّمَاتٌ عَلَيْهِ تَحْرِيمًا مُؤَبَّدًا فَإِنْ قِيلَ يَلْزَمُكَ عَلَى هَذَا إِيجَابُ الظِّهَارِ بِالْأَجْنَبِيَّةِ ؛ لِعُمُومِ الْآيَةِ وَلِدَلَالَةِ فَحْوَاهَا عَلَى جَوَازِ الظِّهَارِ بِسَائِرِ ذَوَاتِ الْمَحَارِمِ ، إِذْ لَمْ تُفَرِّقِ الْآيَةُ بَيْنَ شَيْءٍ مِنْهُنَّ ؛ وَلِأَنَّ تَشْبِيهَهَا بِالْأَجْنَبِيَّةِ مُنْكَرٌ مِنَ الْقَوْلِ وَزُورٌ قِيلَ لَهُ لَا يَجِبُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْأَجْنَبِيَّةَ لَمَّا كَانَتْ قَدْ تَحِلُّ لَهُ بِحَالٍ لَمْ يَكُنْ قَوْلُهُ أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ الْأَجْنَبِيَّةِ مُفِيدًا لِلتَّحْرِيمِ فِي سَائِرِ الْأَوْقَاتِ ؛ لِجَوَازِ أَنْ يَمْلِكَ بُضْعَ الْأَجْنَبِيَّةِ فَتَكُونَ مِثْلَهَا وَفِي حُكْمِهَا . وَأَيْضًا لَا خِلَافَ أَنَّ التَّحْرِيمَ بِالْأَمْتِعَةِ وَسَائِرِ الْأَمْوَالِ لَا يَصِحُّ بِأَنْ يَقُولَ أَنْتِ عَلَيَّ كَمَتَاعِ فُلَانٍ أَوْ كَمَالِ فُلَانٍ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ قَدْ يَمْلِكُهُ بِحَالٍ فَيَسْتَبِيحُهُ . وَاخْتَلَفُوا فِي الظِّهَارِ بِغَيْرِ الظَّهْرِ فَقَالَ أَصْحَابُنَا " إِذَا قَالَ أَنْتِ عَلَيَّ كَيَدِ أُمِّيِّ أَوْ كَرَأْسِهَا أَوْ ذَكَرَ شَيْئًا يَحِلُّ لَهُ النَّظَرُ إِلَيْهِ مِنْهَا لَمْ يَكُنْ مُظَاهِرًا ، وَإِنْ قَالَ كَبَطْنِهَا أَوْ كَفَخِذِهَا وَنَحْوِ ذَلِكَ كَانَ مُظَاهِرًا ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ النَّظَرُ إِلَيْهِ كَالظَّهْرِ " . وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ " قِيَاسُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنْ يَكُونَ مُظَاهِرًا بِكُلِّ شَيْءٍ مِنَ الْأُمِّ " وَقَالَ الثَّوْرِيُّ وَالشَّافِعِيُّ " إِذَا قَالَ أَنْتِ عَلَيَّ كَرَأْسِ أُمِّيِّ أَوْ كَيَدِهَا فَهُوَ مُظَاهِرٌ ؛ لِأَنَّ التَّلَذُّذَ بِذَلِكَ مِنْهَا مُحَرَّمٌ . قَالَ أَبُو بَكْرٍ نَصَّ اللَّهُ - تَعَالَى - عَلَى حُكْمِ الظِّهَارِ ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ : " أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي " وَالظَّهْرُ مِمَّا لَا يَسْتَبِيحُ النَّظَرُ إِلَيْهِ ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ سَائِرُ مَا لَا يَسْتَبِيحُ النَّظَرَ إِلَيْهِ فِي حُكْمِهِ ، وَمَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَسْتَبِيحَ النَّظَرَ إِلَيْهِ فَلَيْسَ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى تَحْرِيمِ الزَّوْجَةِ بِتَشْبِيهِهَا بِهِ ؛ إِذْ لَيْسَ تَحْرِيمُهَا مِنَ الْأُمِّ مُطْلَقًا ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يَصِحَّ الظِّهَارُ بِهِ ؛ إِذْ كَانَ الظِّهَارُ يُوجِبُ تَحْرِيمًا ، وَأَيْضًا لَمَّا جَازَ لَهُ اسْتِبَاحَةُ النَّظَرِ إِلَى هَذِهِ الْأَعْضَاءِ أَشْبَهَ سَائِرَ الْأَشْيَاءِ الَّتِي يَجُوزُ أَنْ يَسْتَبِيحَ النَّظَرَ إِلَيْهَا مِثْلَ الْأَمْوَالِ وَالْأَمْلَاكِ . وَاخْتَلَفُوا فِيمَا يُحَرِّمُهُ الظِّهَارُ ، فَقَالَ الْحَسَنُ : " لِلْمُظَاهِرِ أَنْ يُجَامِعَ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ " وَقَالَ عَطَاءٌ : " يَجُوزُ أَنْ يُقَبِّلَ أَوْ يُبَاشِرَ ؛ لِأَنَّهُ قَالَ : مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا " وَقَالَ الزُّهْرِيُّ وَقَتَادَةُ : " مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا الْوُقُوعُ نَفْسُهُ " وَقَالَ أَصْحَابُنَا : " لَا يَقْرَبُ الْمُظَاهِرُ وَلَا يَلْمِسُ وَلَا يُقَبِّلُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَى فَرْجِهَا لِشَهْوَةٍ حَتَّى يُكَفِّرَ " . وَقَالَ مَالِكٌ مِثْلَ ذَلِكَ ، وَقَالَ : " لَا يَنْظُرُ إِلَى شَعْرِهَا وَلَا صَدْرِهَا حَتَّى يُكَفِّرَ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَدْعُوهُ إِلَى خَيْرٍ " . وَقَالَ الثَّوْرِيُّ : " يَأْتِيهَا فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ ، وَإِنَّمَا نُهِيَ عَنِ الْجِمَاعِ " . وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : " يَحِلُّ لَهُ فَوْقَ الْإِزَارِ كَالْحَائِضِ " وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : " يُمْنَعُ الْقُبْلَةَ وَالتَّلَذُّذَ احْتِيَاطًا " . قَالَ أَبُو بَكْرٍ : لَمَّا قَالَ - تَعَالَى - : مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا كَانَ ذَلِكَ عُمُومًا فِي حَظْرِ جَمِيعِ ضُرُوبِ الْمَسِيسِ مِنْ لَمْسٍ بِيَدٍ أَوْ غَيْرِهَا ، وَأَيْضًا لَمَّا قَالَ : وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ فَأَلْزَمَهُ حُكْمَ التَّحْرِيمِ لَتَشْبِيهِهِ بِظَهْرِهَا ، وَجَبَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ التَّحْرِيمُ عَامًّا فِي الْمُبَاشَرَةِ وَالْجِمَاعِ كَمَا أَنَّ مُبَاشَرَةَ ظَهْرِ الْأُمِّ وَمَسَّهُ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِ . وَأَيْضًا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ : حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ أَبَانَ عَنْ عِكْرِمَةَ : أَنَّ رَجُلًا ظَاهَرَ مِنَ امْرَأَتِهِ ثُمَّ وَاقَعَهَا قَبْلَ أَنْ يُكَفِّرَ ، فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَهُ ، قَالَ : فَاعْتَزِلْهَا حَتَّى تُكَفِّرَ ؛ وَرَوَاهُ مَعْمَرٌ عَنْ الْحَكَمِ بْنِ أَبَانَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحْوَهُ ، وَقَالَ : " لَا تَقْرَبْهَا حَتَّى تُكَفِّرَ " ، وَذَلِكَ يَمْنَعُ الْمَسِيسَ وَالْقُبْلَةَ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية