الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
ذِكْرُ تَقْدِيرِ الْمُتْعَةِ الْوَاجِبَةِ قَالَ اللَّهُ (تَعَالَى): وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ ؛ وَإِثْبَاتُ الْمِقْدَارِ عَلَى اعْتِبَارِ حَالِهِ فِي الْإِعْسَارِ؛ وَالْيَسَارِ؛ طَرِيقُهُ الِاجْتِهَادُ؛ وَغَالِبُ الظَّنِّ؛ وَيَخْتَلِفُ ذَلِكَ فِي الْأَزْمَانِ أَيْضًا; لِأَنَّ اللَّهَ (تَعَالَى) شَرَطَ فِي مِقْدَارِهَا شَيْئَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا اعْتِبَارُهَا بِيَسَارِ الرَّجُلِ؛ وَإِعْسَارِهِ؛ وَالثَّانِي أَنْ يَكُونَ بِالْمَعْرُوفِ مَعَ ذَلِكَ؛ فَوَجَبَ اعْتِبَارُ الْمَعْنَيَيْنِ فِي ذَلِكَ؛ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ؛ وَكَانَ الْمَعْرُوفُ مِنْهُمَا مَوْقُوفًا عَلَى عَادَاتِ النَّاسِ فِيهَا؛ وَالْعَادَاتُ قَدْ تَخْتَلِفُ وَتَتَغَيَّرُ؛ وَجَبَ بِذَلِكَ مُرَاعَاةُ الْعَادَاتِ فِي الْأَزْمَانِ؛ وَذَلِكَ أَصْلٌ فِي جَوَازِ الِاجْتِهَادِ فِي أَحْكَامِ الْحَوَادِثِ ؛ إِذْ كَانَ ذَلِكَ حُكْمًا مُؤَدِّيًا إِلَى اجْتِهَادِ رَأْيِنَا. وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ شَيْخَنَا أَبَا الْحَسَنِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَقُولُ: يَجِبُ مَعَ ذَلِكَ اعْتِبَارُ حَالِ الْمَرْأَةِ؛ وَذَكَرَ ذَلِكَ أَيْضًا عَلِيُّ بْنُ مُوسَى الْقُمِّيُّ فِي كِتَابِهِ؛ وَاحْتَجَّ بِأَنَّ اللَّهَ (تَعَالَى) عَلَّقَ الْحُكْمَ فِي تَقْدِيرِ الْمُتْعَةِ بِشَيْئَيْنِ: حَالِ الرَّجُلِ بِيَسَارِهِ؛ وَإِعْسَارِهِ؛ وَأَنْ يَكُونَ مَعَ ذَلِكَ بِالْمَعْرُوفِ؛ قَالَ: فَلَوِ اعْتَبَرْنَا حَالَ الرَّجُلِ وَحْدَهُ عَارِيًا مِنَ اعْتِبَارِ حَالِ الْمَرْأَةِ؛ لَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ لَوْ تَزَوَّجَ امْرَأَتَيْنِ؛ إِحْدَاهُمَا شَرِيفَةٌ؛ وَالْأُخْرَى دَنِيَّةٌ مَوْلَاةٌ؛ ثُمَّ طَلَّقَهُمَا قَبْلَ الدُّخُولِ؛ وَلَمْ يُسَمِّ لَهُمَا أَنْ تَكُونَا مُتَسَاوِيَتَيْنِ فِي الْمُتْعَةِ؛ فَتَجِبُ لِهَذِهِ الدَّنِيَّةِ؛ كَمَا تَجِبُ لِهَذِهِ الشَّرِيفَةِ؛ وَهَذَا مُنْكَرٌ فِي عَادَاتِ النَّاسِ وَأَخْلَاقِهِمْ؛ غَيْرُ مَعْرُوفٍ؛ قَالَ: وَيَفْسُدُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ قَوْلُ مَنِ اعْتَبَرَ حَالَ الرَّجُلِ وَحْدَهُ؛ دُونَهَا؛ وَهُوَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ رَجُلًا مُوسِرًا عَظِيمَ الشَّأْنِ؛ فَتَزَوَّجَ امْرَأَةً دَنِيَّةً؛ مَهْرُ مِثْلِهَا دِينَارٌ؛ أَنَّهُ لَوْ دَخَلَ بِهَا وَجَبَ لَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا؛ إِذَا لَمْ يُسَمِّ لَهَا شَيْئًا؛ دِينَارٌ وَاحِدٌ؛ وَلَوْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ لَزِمَتْهُ الْمُتْعَةُ عَلَى قَدْرِ حَالِهِ؛ وَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ أَضْعَافَ مَهْرِ مِثْلِهَا؛ فَتَسْتَحِقُّ قَبْلَ الدُّخُولِ بَعْدَ الطَّلَاقِ أَكْثَرَ مِمَّا تَسْتَحِقُّهُ بَعْدَ الدُّخُولِ؛ وَهَذَا خُلْفٌ مِنَ الْقَوْلِ; لِأَنَّ اللَّهَ (تَعَالَى) قَدْ أَوْجَبَ لِلْمُطَلَّقَةِ قَبْلَ الدُّخُولِ نِصْفَ مَا أَوْجَبَهُ لَهَا بَعْدَ الدُّخُولِ؛ فَإِذَا كَانَ الْقَوْلُ بِاعْتِبَارِ حَالِ الرَّجُلِ؛ دُونَهَا؛ يُؤَدِّي إِلَى مُخَالَفَةِ مَعْنَى الْكِتَابِ؛ وَدَلَالَتِهِ؛ وَإِلَى خِلَافِ الْمَعْرُوفِ فِي الْعَادَاتِ؛ سَقَطَ؛ وَوَجَبَ اعْتِبَارُ حَالِهَا مَعَهُ؛ وَيَفْسُدُ أَيْضًا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ؛ وَهُوَ أَنَّهُ لَوْ تَزَوَّجَ رَجُلَانِ مُوسِرَانِ أُخْتَيْنِ فَدَخَلَ أَحَدُهُمَا بِامْرَأَتِهِ؛ كَانَ لَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا؛ أَلْفُ دِرْهَمٍ؛ إِذْ لَمْ يُسَمِّ لَهَا مَهْرًا؛ وَطَلَّقَ الْآخَرُ امْرَأَتَهُ قَبْلَ الدُّخُولِ؛ مِنْ غَيْرِ تَسْمِيَةٍ؛ أَنْ تَكُونَ الْمُتْعَةُ لَهَا عَلَى قَدْرِ حَالِ الرَّجُلِ؛ وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ أَضْعَافَ مَهْرِ أُخْتِهَا؛ فَيَكُونَ مَا تَأْخُذُهُ الْمَدْخُولُ بِهَا أَقَلَّ مِمَّا تَأْخُذُهُ الْمُطَلَّقَةُ؛ وَقِيمَةُ الْبُضْعَيْنِ وَاحِدَةٌ؛ وَهُمَا مُتَسَاوِيَتَانِ فِي الْمَهْرِ؛ فَيَكُونَ الدُّخُولُ مُدْخِلًا عَلَيْهَا ضَرَرًا؛ وَنُقْصَانًا فِي الْبَدَنِ؛ وَهَذَا مُنْكَرٌ؛ غَيْرُ مَعْرُوفٍ؛ فَهَذِهِ الْوُجُوهُ كُلُّهَا تَدُلُّ عَلَى اعْتِبَارِ حَالِ الْمَرْأَةِ مَعَهُ. وَقَالَ أَصْحَابُنَا: إِنَّهُ إِذَا طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ؛ وَلَمْ يُسَمِّ لَهَا؛ وَكَانَتْ مُتْعَتُهَا أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ مَهْرِ مِثْلِهَا؛ فَإِنَّهَا لَا تُجَاوِزُ بِهَا نِصْفَ مَهْرِ مِثْلِهَا؛ فَيَكُونَ لَهَا الْأَقَلُّ؛ مِنْ نِصْفِ مَهْرِ مِثْلِهَا؛ وَمِنَ الْمُتْعَةِ; لِأَنَّ اللَّهَ (تَعَالَى) لَمْ يَجْعَلْ لِلْمُسَمَّى لَهَا أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ التَّسْمِيَةِ؛ مَعَ الطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ؛ فَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يُعْطِيَهَا عِنْدَ عَدَمِ التَّسْمِيَةِ أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ مَهْرِ الْمِثْلِ؛ وَلَمَّا كَانَ الْمُسَمَّى؛ مَعَ ذَلِكَ؛ أَكْثَرَ مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ - فَلَمْ تَسْتَحِقَّ بَعْدَ الطَّلَاقِ أَكْثَرَ مِنَ النِّصْفِ - فَفِي مَهْرِ الْمِثْلِ أَوْلَى. وَلَمْ يُقَدِّرْ أَصْحَابُنَا لَهَا مِقْدَارًا مَعْلُومًا لَا يُتَجَاوَزُ بِهِ؛ وَلَا يُقْصَرُ عَنْهُ؛ وَقَالُوا: هِيَ عَلَى قَدْرِ الْمُعْتَادِ؛ الْمُتَعَارَفِ فِي كُلِّ وَقْتٍ؛ وَقَدْ ذُكِرَ عَنْهُمْ: ثَلَاثَةُ أَثْوَابٍ: دِرْعٌ؛ وَخِمَارٌ؛ وَإِزَارٌ؛ وَالْإِزَارُ هُوَ الَّذِي تَسْتَتِرُ بِهِ بَيْنَ النَّاسِ عِنْدَ الْخُرُوجِ. وَقَدْ ذُكِرَ عَنِ السَّلَفِ فِي مِقْدَارِهَا أَقَاوِيلُ مُخْتَلِفَةٌ؛ عَلَى حَسَبِ مَا غَلَبَ فِي رَأْيِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ؛ فَرَوَى إِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ؛ عَنْ عِكْرِمَةَ ؛ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: "أَعْلَى الْمُتْعَةِ الْخَادِمُ؛ ثُمَّ دُونَ ذَلِكَ النَّفَقَةُ؛ ثُمَّ دُونَ ذَلِكَ الْكِسْوَةُ"؛ وَرَوَى إِيَاسُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ؛ عَنْ أَبِي مُجَلَّزٍ قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عُمَرَ : أَخْبِرْنِي عَلَى قَدْرِي؛ فَإِنِّي مُوسِرٌ؛ أَكْسُو كَذَا.. أَكْسُو كَذَا.. فَحَسَبْتُ ذَلِكَ فَوَجَدْتُهُ قِيمَةَ ثَلَاثِينَ دِرْهَمًا؛ وَرَوَى عَمْرٌو ؛ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: لَيْسَ فِي الْمُتْعَةِ شَيْءٌ يُوَقَّتُ عَلَى قَدْرِ الْمَيْسَرَةِ؛ وَكَانَ حَمَّادٌ يَقُولُ: يُمَتِّعُهَا بِنِصْفِ مَهْرِ مِثْلِهَا؛ وَقَالَ عَطَاءٌ : أَوْسَعُ الْمُتْعَةِ دِرْعٌ؛ وَخِمَارٌ؛ وَمِلْحَفَةٌ؛ وَقَالَ الشَّعْبِيُّ : كِسْوَتُهَا فِي بَيْتِهَا دِرْعٌ؛ وَخِمَارٌ؛ وَمِلْحَفَةٌ؛ وَجِلْبَابٌ؛ وَرَوَى يُونُسُ؛ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: كَانَ مِنْهُمْ مَنْ يُمَتِّعُ بِالْخَادِمِ؛ وَالنَّفَقَةِ؛ وَمِنْهُمْ مَنْ يُمَتِّعُ بِالْكِسْوَةِ؛ وَالنَّفَقَةِ؛ وَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ فَثَلَاثَةُ أَثْوَابٍ: دِرْعٌ؛ وَخِمَارٌ؛ وَمِلْحَفَةٌ؛ وَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ مَتَّعَ بِثَوْبٍ وَاحِدٍ؛ وَرَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ ؛ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ: أَفْضَلُ الْمُتْعَةِ خِمَارٌ؛ وَأَوْضَعُهَا ثَوْبٌ؛ وَرَوَى الْحَجَّاجُ ؛ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ أَنَّهُ سَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُغَفَّلٍ عَنْهَا؛ فَقَالَ: لَهَا الْمُتْعَةُ عَلَى قَدْرِ مَالِهِ؛ وَهَذِهِ الْمَقَادِيرُ كُلُّهَا صَدَرَتْ عَنِ اجْتِهَادِ آرَائِهِمْ؛ وَلَمْ يُنْكِرْ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ مَا صَارَ إِلَيْهِ مِنْ مُخَالَفَتِهِ فِيهِ؛ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا عِنْدَهُمْ مَوْضُوعَةٌ عَلَى مَا يُؤَدِّيهِ إِلَيْهِ اجْتِهَادُهُ؛ وَهِيَ بِمَنْزِلَةِ تَقْوِيمِ الْمُتْلَفَاتِ؛ وَأُرُوشِ الْجِنَايَاتِ؛ الَّتِي لَيْسَ لَهَا مَقَادِيرُ مَعْلُومَةٌ فِي النُّصُوصِ. قَوْلُهُ - عَزَّ وَجَلَّ -: وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ ؛ قِيلَ: إِنَّ أَصْلَ الْفَرْضِ: اَلْحَزُّ فِي الْقِدَاحِ؛ عَلَامَةً لَهَا تُمَيِّزُ بَيْنَهَا؛ وَالْفُرْضَةُ: اَلْعَلَامَةُ فِي قَسْمِ الْمَاءِ؛ عَلَى خَشَبٍ؛ أَوْ جَصٍّ؛ أَوْ حِجَارَةٍ؛ يَعْرِفُ بِهَا كُلُّ ذِي حَقٍّ نَصِيبَهُ مِنَ الشُّرْبِ؛ وَقَدْ سُمِّيَ الشَّطُّ الَّذِي تَرْفَأُ فِيهِ السُّفُنُ "فُرْضَةً"؛ لِحُصُولِ الْأَثَرِ فِيهِ بِالنُّزُولِ إِلَى السُّفُنِ؛ وَالصُّعُودِ مِنْهَا؛ ثُمَّ صَارَ اسْمُ الْفَرْضِ فِي الشَّرْعِ وَاقِعًا عَلَى الْمِقْدَارِ؛ وَعَلَى مَا كَانَ فِي أَعْلَى مَرَاتِبِ الْإِيجَابِ مِنَ الْوَاجِبَاتِ؛ وَقَوْلُهُ (تَعَالَى): إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ ؛ مَعْنَاهُ: أَنْزَلَ؛ وَأَوْجَبَ عَلَيْكَ أَحْكَامَهُ؛ وَتَبْلِيغَهُ؛ وَقَوْلُهُ (تَعَالَى) - عِنْدَ ذِكْرِ الْمَوَارِيثِ -: فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ ؛ يَنْتَظِمُ الْأَمْرَيْنِ؛ مِنْ مَعْنَى الْإِيجَابِ لِمَقَادِيرِ الْأَنْصِبَاءِ الَّتِي بَيَّنَهَا لِذَوِي الْمِيرَاثِ؛ وَقَوْلُهُ (تَعَالَى): وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً ؛ اَلْمُرَادُ بِالْفَرْضِ هَهُنَا تَقْدِيرُ الْمَهْرِ؛ وَتَسْمِيَتُهُ فِي الْعَقْدِ ؛ وَمِنْهُ: فَرَائِضُ الْإِبِلِ؛ وَهِيَ الْمَقَادِيرُ الْوَاجِبَةُ فِيهَا عَلَى اعْتِبَارِ أَعْدَادِهَا؛ وَأَسْنَانِهَا؛ فَسَمَّى التَّقْدِيرَ فَرْضًا؛ تَشْبِيهًا لَهُ بِالْحَزِّ الْوَاقِعِ فِي الْقِدَاحِ؛ الَّتِي تَتَمَيَّزُ بِهِ مِنْ غَيْرِهَا؛ وَكَذَلِكَ سَبِيلُ مَا كَانَ مُقَدَّرًا مِنَ الْأَشْيَاءِ؛ فَقَدْ حَصَلَ التَّمْيِيزُ بِهِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ؛ وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ (تَعَالَى): وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً ؛ تَسْمِيَةُ الْمِقْدَارِ فِي الْعَقْدِ؛ أَنَّهُ قَدَّمَ ذِكْرَ الْمُطَلَّقَةِ الَّتِي لَمْ يُسَمَّ لَهَا؛ بِقَوْلِهِ (تَعَالَى): لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً ؛ ثُمَّ عَقَّبَهُ بِذِكْرِ مَنْ فُرِضَ لَهَا؛ وَطُلِّقَتْ بَعْدَ الدُّخُولِ؛ فَلَمَّا كَانَ الْأَوَّلُ عَلَى نَفْيِ التَّسْمِيَةِ؛ كَانَ الثَّانِي عَلَى إِثْبَاتِهَا؛ فَأَوْجَبَ اللَّهُ (تَعَالَى) لَهَا نِصْفَ الْمَفْرُوضِ؛ بِنَصِّ التَّنْزِيلِ. وَقَدِ اخْتُلِفَ فِيمَنْ سُمِّيَ لَهَا بَعْدَ الْعَقْدِ ثُمَّ طُلِّقَتْ قَبْلَ الدُّخُولِ ؛ فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : "لَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا"؛ وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ؛ وَكَانَ أَبُو يُوسُفَ يَقُولُ: "لَهَا نِصْفُ الْفَرْضِ"؛ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى قَوْلِهِمَا؛ وَقَالَ مَالِكٌ ؛ وَالشَّافِعِيُّ : "لَهَا نِصْفُ الْفَرْضِ"؛ وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ لَهَا مَهْرَ مِثْلِهَا أَنَّ مُوجَبَ هَذَا الْعَقْدِ مَهْرُ الْمِثْلِ؛ وَقَدِ اقْتَضَى وُجُوبُ مَهْرِ الْمِثْلِ بِالْعَقْدِ وُجُوبَ الْمُتْعَةِ بِالطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ؛ فَلَمَّا تَرَاضَيَا عَلَى تَسْمِيَةٍ لَمْ يَنْتَفِ مُوجَبُ الْعَقْدِ مِنَ الْمُتْعَةِ؛ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ هَذَا الْفَرْضَ لَمْ يَكُنْ مُسَمًّى فِي الْعَقْدِ كَمَا لَمْ يَكُنْ مَهْرُ الْمِثْلِ مُسَمًّى فِيهِ؛ وَإِنْ كَانَ وَاجِبًا بِهِ؛ فَلَمَّا كَانَ وُرُودُ الطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ مُسْقِطًا لِمَهْرِ الْمِثْلِ بَعْدَ وُجُوبِهِ؛ إِذْ لَمْ يَكُنْ مُسَمًّى فِي الْعَقْدِ؛ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ حُكْمُ الْمَفْرُوضِ بَعْدَهُ؛ إِذْ لَمْ يَكُنْ مُسَمًّى فِيهِ. فَإِنْ قِيلَ: مَهْرُ الْمِثْلِ لَمْ يُوجِبْهُ الْعَقْدُ؛ وَإِنَّمَا وَجَبَ بِالدُّخُولِ؛ قِيلَ لَهُ: هَذَا غَلَطٌ; لِأَنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ اسْتِبَاحَةُ الْبُضْعِ بِغَيْرِ بَدَلٍ؛ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ شَرَطَ فِي الْعَقْدِ أَنَّهُ لَا مَهْرَ لَهَا لَوَجَبَ لَهَا الْمَهْرُ؛ فَلَمَّا كَانَ الْمَهْرُ بَدَلًا مِنَ اسْتِبَاحَةِ الْبُضْعِ؛ وَلَمْ يَجُزْ نَفْيُهُ بِالشَّرْطِ؛ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ؛ مِنْ حَيْثُ اسْتَبَاحَ الْبُضْعَ؛ أَنْ يَلْزَمَهُ الْمَهْرُ؛ وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الدُّخُولَ؛ بَعْدَ صِحَّةِ الْعَقْدِ؛ إِنَّمَا هُوَ تَصَرُّفٌ فِيمَا قَدْ مَلَكَهُ؛ وَتَصَرُّفُ الْإِنْسَانِ فِي مِلْكِهِ لَا يُلْزِمُهُ بَدَلًا؛ أَلَا تَرَى أَنَّ تَصَرُّفَ الْمُشْتَرِي فِي السِّلْعَةِ لَا يُوجِبُ عَلَيْهِ بَدَلًا بِالتَّصَرُّفِ؟ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى اسْتِحْقَاقِهَا لِمَهْرِ الْمِثْلِ بِالْعَقْدِ؛ وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا اتِّفَاقُ الْجَمِيعِ عَلَى أَنَّ لَهَا أَنْ تَمْنَعَ نَفْسَهَا بِمَهْرِ الْمِثْلِ؛ وَلَوْ لَمْ تَكُنْ قَدِ اسْتَحَقَّتْهُ بِالْعَقْدِ فَكَيْفَ كَانَ يَجُوزُ لَهَا أَنْ تَمْنَعَ نَفْسَهَا بِمَا لَمْ يَجِبْ بَعْدُ؟ وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا أَنَّ لَهَا الْمُطَالَبَةَ بِهِ؛ وَلَوْ خَاصَمَتْهُ إِلَى الْقَاضِي لَقَضَى بِهِ لَهَا؛ وَالْقَاضِي لَا يَبْتَدِئُ إِيجَابَ مَهْرٍ لَمْ تَسْتَحِقَّهُ كَمَا يَبْتَدِئُ إِيجَابَ سَائِرِ الدُّيُونِ؛ إِذَا لَمْ تَكُنْ مُسْتَحَقَّةً؛ وَذَلِكَ كُلُّهُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الَّتِي لَمْ يُفْرَضْ لَهَا مَهْرٌ قَدِ اسْتَحَقَّتْ مَهْرَ الْمِثْلِ بِالْعَقْدِ؛ وَمَلَكَتْهُ عَلَى الزَّوْجِ؛ حَسَبَ مِلْكِهَا لِلْمُسَمَّى؛ لَوْ كَانَتْ فِي الْعَقْدِ تَسْمِيَةٌ. فَإِنْ قِيلَ: لَوْ كَانَ مَهْرُ الْمِثْلِ وَاجِبًا بِالْعَقْدِ لَمَا سَقَطَ كُلُّهُ بِالطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ؛ كَمَا لَا يَسْقُطُ جَمِيعُ الْمُسَمَّى؛ قِيلَ لَهُ: لَمْ يَسْقُطْ كُلُّهُ; لِأَنَّ الْمُتْعَةَ بَعْضُهُ؛ عَلَى مَا قَدَّمْنَا؛ وَهِيَ بِإِزَاءِ نِصْفِ الْمُسَمَّى لِمَنْ طُلِّقَتْ قَبْلَ الدُّخُولِ؛ وَزَعَمَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ أَنَّ الْمَهْرَ لَا يَجِبُ بِالْعَقْدِ؛ وَإِنِ اسْتَبَاحَ الزَّوْجُ الْبُضْعَ؛ قَالَ: "لِأَنَّ الزَّوْجَ بِإِزَاءِ الزَّوْجَةِ كَالثَّمَنِ بِإِزَاءِ الْمَبِيعِ"؛ فَإِنْ كَانَ كَمَا قَالَ فَوَاجِبٌ أَلَّا يَلْزَمَهُ الْمَهْرُ بِالدُّخُولِ; لِأَنَّ الْوَطْءَ كَانَ مُسْتَحَقًّا لَهَا عَلَى الزَّوْجِ؛ كَمَا اسْتَحَقَّ هُوَ التَّسْلِيمَ عَلَيْهَا؛ إِذْ مَا اسْتَبَاحَهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِإِزَاءِ مَا اسْتَبَاحَهُ الْآخَرُ؛ فَمِنْ أَيْنَ صَارَ الزَّوْجُ مَخْصُوصًا بِإِيجَابِ الْمَهْرِ إِذَا دَخَلَ بِهَا؟ وَيَنْبَغِي أَلَّا يَكُونَ لَهَا أَنْ تَحْبِسَ نَفْسَهَا بِالْمَهْرِ إِذَا لَمْ تَسْتَحِقَّ ذَلِكَ بِالْعَقْدِ؛ وَوَاجِبٌ أَيْضًا أَلَّا تَصِحَّ تَسْمِيَةُ الْمَهْرِ; لِأَنَّهُ قَدْ صَحَّ مِنْ جِهَتِهِ بِمَا عَقَدَ عَلَيْهِ؛ كَمَا صَحَّ مِنْ جِهَتِهَا؛ فَلَا يَلْزَمُهُ الْمَهْرُ؛ كَمَا لَا يَلْزَمُهَا لَهُ شَيْءٌ؛ وَوَاجِبٌ عَلَى هَذَا أَلَّا يُقَوَّمَ الْبُضْعُ عَلَيْهَا بِالدُّخُولِ؛ وَبِالْوَطْءِ بِالشُّبْهَةِ؛ وَأَلَّا يَصِحَّ أَخْذُ الْبَدَلِ مِنْهَا لِسُقُوطِ حَقِّهِ عَنْ بُضْعِهَا؛ وَهَذَا كُلُّهُ - مَعَ مَا عَقَلَتِ الْأُمَّةُ مِنْ أَنَّ الزَّوْجَ يَجِبُ عَلَيْهِ الْمَهْرُ بَدَلًا مِنَ اسْتِبَاحَةِ الْبُضْعِ - يَدُلُّ عَلَى سُقُوطِ قَوْلِ هَذَا الْقَائِلِ. وَقَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ ؛ حِينَ قَالَ لِلرَّجُلِ الَّذِي خَطَبَ إِلَيْهِ الْمَرْأَةَ الَّتِي وَهَبَتْ نَفْسَهَا لَهُ: "قَدْ مَلَكْتَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ"؛ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الزَّوْجَ فِي مَعْنَى الْمَالِكِ لِبُضْعِهَا؛ وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ الْفَرْضَ الْوَاقِعَ بَعْدَ الْعَقْدِ يُسْقِطُهُ الطَّلَاقُ قَبْلَ الدُّخُولِ؛ أَنَّ الْفَرْضَ إِنَّمَا أُقِيمَ مَقَامَ مَهْرِ الْمِثْلِ; لِأَنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ إِيجَابُهُ مَعَ مَهْرِ الْمِثْلِ؛ وَلَمَّا كَانَ كَذَلِكَ وَجَبَ أَنْ يُسْقِطَهُ الطَّلَاقُ قَبْلَ الدُّخُولِ؛ كَمَا يَسْقُطُ مَهْرُ الْمِثْلِ؛ وَمِنْ جِهَةٍ أُخْرَى أَنَّ الْفَرْضَ إِنَّمَا أُلْحِقَ بِالْعَقْدِ؛ وَلَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا فِيهِ؛ فَمِنْ حَيْثُ بَطَلَ الْعَقْدُ بَطَلَ مَا أُلْحِقَ بِهِ. فَإِنْ قِيلَ: فَالْمُسَمَّى فِي الْعَقْدِ ثُبُوتُهُ كَانَ بِالْعَقْدِ؛ وَلَا يَبْطُلُ بِبُطْلَانِهِ؛ قِيلَ لَهُ: قَدْ كَانَ أَبُو الْحَسَنِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَقُولُ: "إِنَّ الْمُسَمَّى قَدْ بَطَلَ؛ وَإِنَّمَا يَجِبُ نِصْفُ الْمَهْرِ حَسَبَ وُجُوبِ الْمُتْعَةِ "؛ وَكَذَلِكَ قَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ : "هَذَا مُتْعَتُهَا"؛ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَحْتَجُّ بِهَذِهِ الْآيَةِ فِي أَنَّ الْمَهْرَ قَدْ يَكُونُ أَقَلَّ مِنْ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ ; لِأَنَّ اللَّهَ (تَعَالَى) قَالَ: وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ ؛ فَإِذَا سَمَّى دِرْهَمَيْنِ فِي الْعَقْدِ وَجَبَ بِقَضِيَّةِ الْآيَةِ أَلَّا تَسْتَحِقَّ بَعْدَ الطَّلَاقِ أَكْثَرَ مِنْ دِرْهَمٍ؛ وَهَذَا لَا يَدُلُّ عِنْدَنَا عَلَى مَا قَالُوا؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ تَسْمِيَةَ الدِّرْهَمَيْنِ عِنْدَنَا تَسْمِيَةُ الْعَشَرَةِ; لِأَنَّ الْعَشَرَةَ لَا تَتَبَعَّضُ فِي الْعَقْدِ؛ وَالتَّسْمِيَةُ لِبَعْضِهَا تَسْمِيَةٌ لِجَمِيعِهَا؛ كَمَا أَنَّ الطَّلَاقَ لَمَّا لَمْ يَتَبَعَّضْ؛ كَانَ إِيقَاعُهُ لِنِصْفِ تَطْلِيقَةٍ إِيقَاعًا لِجَمِيعِهَا؛ وَالَّذِي قَدْ فَرَضَ أَقَلَّ مِنْ عَشَرَةٍ قَدْ فَرَضَ الْعَشَرَةَ عِنْدَنَا؛ فَيَجِبُ نِصْفُهَا بَعْدَ الطَّلَاقِ؛ وَأَيْضًا فَإِنَّ الَّذِي اقْتَضَتْهُ الْآيَةُ وُجُوبُ نِصْفِ الْمَفْرُوضِ؛ وَنَحْنُ نُوجِبُ نِصْفَ الْمَفْرُوضِ ثُمَّ نُوجِبُ الزِّيَادَةَ إِلَى تَمَامِ خَمْسَةِ دَرَاهِمَ بِدَلَالَةٍ أُخْرَى؛ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية