الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
184- قَوْلُهُ تَعَالَى: فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ اسْتَدَلَّ بِهِ مَنْ أَبَاحَ الْفِطْرَ بِمُجَرَّدِ الْمَرَضِ وَإِنْ كَانَ يَسِيرًا أَوْ بِمُجَرَّدِ السَّفَرِ وَإِنْ كَانَ قَصِيرًا أَوْ غَيْرَ طَاعَةٍ أَوْ غَيْرَ مُبَاحٍ ، وَاسْتَدَلَّ بِهِ دَاوُدُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ صَوْمُ الْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ; لِأَنَّهُ تَعَالَى جَعَلَ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ أَيَّامًا أُخَرَ فَكَانَ صَائِمًا قَبْلَ الْوَقْتِ ، وَاسْتَدَلَّ بِهِ الْكَرْخِيُّ عَلَى أَنَّ الْوَاجِبَ أَيَّامٌ أُخَرُ وَرَمَضَانُ عَلَيْهِمَا غَيْرُ وَاجِبٍ فَإِنْ قَدَّمَهُ صَحَّ وَكَانَ مُعَجَّلًا كَتَعْجِيلِ الزَّكَاةِ وَاسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ: فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ عَلَى جَوَازِ الْقَضَاءِ مُتَتَابِعًا وَمُتَفَرِّقًا. وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إِنْ شَاءَ تَابَعَ وَإِنْ شَاءَ فَرَّقَ; لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ . وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى الْفَوْرِ ، خِلَافًا لِدَاوُدَ عَلَى أَنَّ مَنْ أَفْطَرَ رَمَضَانَ كُلَّهُ قَضَى أَيَّامًا بِعَدَدِهِ فَلَوْ كَانَ تَامًّا لَمْ يَجْزِهِ شَهْرٌ نَاقِصٌ ، أَوْ نَاقِصًا لَمْ يَلْزَمْهُ شَهْرٌ كَامِلٌ خِلَافًا لِمَنْ خَالَفَ فِي الصُّورَتَيْنِ ، قَالَ ابْنُ الْقَصَّارِ: وَيَحْتَجُّ بِهِ لِمَذْهَبِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيٍّ فِي أَنَّ الْمُسَافِرَ إِذَا أَقَامَ ، أَوْ شُفِيَ الْمَرِيضُ أَثْنَاءَ النَّهَارِ ، لَا يُلْزِمُهُمُ الْإِمْسَاكُ بَقِيَّتَهُ; لِأَنَّهُ تَعَالَى إِنَّمَا أَوْجَبَ عِدَّةً مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ، وَهَؤُلَاءِ قَدْ أَفْطَرُوا ، فَحُكْمُ الْإِفْطَارِ لَهُمْ بَاقٍ وَمِنْ حُكْمِهِ أَنْ لَا يَجِبَ عَلَيْهِ أَكْثَرَ مِنْ يَوْمٍ وَلَوْ أَمَرْنَاهُ بِالْإِمْسَاكِ ثُمَّ الْقَضَاءِ لَأَوْجَبْنَا بَدَلَ الْيَوْمِ أَكْثَرَ مِنْهُ ، وَيُسْتَدَلُّ بِالْآيَةِ عَلَى أَنَّهُ يُجْزِئُ صَوْمُ يَوْمٍ قَصِيرٍ مَكَانَ يَوْمٍ طَوِيلٍ وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا وَعَلَى أَنَّهُ فِدْيَةٌ مَعَ الْقَضَاءِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ هَذَا مَنْسُوخٌ ، وَقِيلَ: لَا. وَالْمُرَادُ لِمَنْ لَا يُطِيقُ الصَّوْمَ لِهَرَمٍ أَوْ لِمَرَضٍ أَوْ نَحْوِهِ ، إِمَّا بِتَقْدِيرِ لَا النَّافِيَةِ أَوْ أَنْ يُطِيقُونَهُ بِمَعْنَى يَتَكَلَّفُونَهُ كَمَا قُرِئَ يُطَوِّقُونَهُ ، وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ لِأَنَّهُ قَرَأَ: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ قَالَ: يُكَلِّفُونَهُ وَهُوَ الشَّيْخُ الْكَبِيرُ وَالْعَجُوزُ الْكَبِيرَةُ يُطْعِمُوهُ كُلَّ يَوْمٍ مِسْكِينًا وَلَا يَقْضُونَ وَلَهُ طُرُقٌ كَثِيرَةٌ عَنْهُ ، وَأَخْرَجَ الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ لِأُمِّ وَلَدٍ لَهُ حُبْلَى أَوْ مُرْضِعٍ: أَنْتِ مِنَ الَّذِينَ لَا يُطِيقُونَ الصِّيَامَ عَلَيْكِ الْجَزَاءُ وَلَيْسَ عَلَيْكِ الْقَضَاءُ. قَالَ الشَّافِعِيُّ : ظَاهِرُ الْآيَةِ أَنَّ الَّذِينَ يُطِيقُونَ الصَّوْمَ إِذْ لَمْ يَصُومُوا أَطْعَمُوا وَنَسَخَ فِي غَيْرِهِ حَقَّ الْحَامِلِ وَالْمُرْضِعِ وَبَقِيَ فِي حَقِّهِمَا ، فَالْحَاصِلُ أَنَّا إِنْ جَعَلْنَاهَا مَنْسُوخَةً فَهِيَ فِي الْحَامِلِ وَالْمُرْضِعِ مُحْكَمَةٌ وَإِنْ جَعَلْنَاهَا مُحْكَمَةً فَفِيهَا دَلِيلٌ عَلَى إِبَاحَةِ الْإِفْطَارِ لِمَنْ لَا يُطِيقُ لِعُذْرٍ لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ وَأَنَّ عَلَيْهِ فِدْيَةً بَدَلُ الصَّوْمِ وَأَنَّهَا عَنْ كُلِّ يَوْمٍ قِدْرٌ لِطَعَامِ مِسْكِينٍ وَهُوَ مُدٌّ مِنْ حُبٍّ ، وَأَنَّ مَنْ زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَهُوَ أَفْضَلُ وَأَنَّ مَصْرِفَهَا طَائِفَةُ الْمَسَاكِينِ بِخِلَافِ غَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الزَّكَاةِ ، وَقَدْ يَسْتَدِلُّ بِالْآيَةِ عَلَى أَنَّ الصَّوْمَ لَا يَقْبَلُ النِّيَابَةَ وَإِلَّا لَذَكَرَهَا ، وَاسْتَدَلَّ بِهَا ابْنُ عَبَّاسُ عَلَى أَنَّ الْحَامِلَ وَالْمُرْضِعَ يَفْدِيَانِ وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِمَا. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الْحَامِلِ وَالْمُرْضِعِ ، فَقِيلَ: عَلَيْهِمَا الْفِدْيَةُ دُونَ الْقَضَاءِ ، وَقِيلَ: الْقَضَاءُ دُونَ الْفِدْيَةِ ، وَقِيلَ: الْأَمْرَانِ وَكُّلٌّ تَأَوَّلَ الْآيَةَ ، مَنْ قَالَ بِالْفِدْيَةِ فَقَطْ؛ رَأَى أَنَّهُمَا مِمَّنْ لَا يُطِيقُ وَلَيْسَتَا مَنْ أَهْلِ السَّفَرِ وَلَا الْمَرَضِ ، وَأَهْلُ هَذَا الْوَصْفِ هُمْ أَهْلُ الْفِدْيَةِ ، وَمَنْ رَأَى الْقَضَاءَ فَقَطْ رَأَى الْحَمْلَ وَالرِّضَاعَ عِلَّتَيْنِ مِنَ الْعِلَلِ كَالْمَرَضِ ، وَمَنْ أَوْجَبَهُمَا قَالَ: إِنَّ اللَّهَ حَكَمَ فِي تَارِكِ الصَّوْمِ بِعُذْرٍ بِحُكْمَيْنِ فِي آيَةٍ وَالْفِدْيَةِ فِي أُخْرَى فَلَمَّا لَمْ يَجِدْ لَهُمَا ذِكْرًا فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا جَمَعَهُمَا عَلَيْهِمَا أَخْذًا بِالْأَحْوَطِ ، وَاسْتَدَلَّ بِالْآيَةِ عَلَى أَنَّ الْمُسَافِرَ وَالْمَرِيضَ يَفْدِيَانِ وَلَا يَقْضِيَانِ أَخْذًا مِنْ عُمُومِ اللَّفْظِ ، وَرُدَّ لِأَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى أَوَّلًا فِي حَقِّهِمَا: فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يَمْنَعُ دَلَالَةً: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ عَلَيْهِمَا; لِأَنَّ مَا عُطِفَ عَلَى الشَّيْءِ غَيْرُهُ لَا مَحَالَةَ ، وَفِي الْآيَةِ رَدٌّ عَلَى مَنْ قَالَ بِإِسْقَاطِ الصَّوْمِ عَنِ الشَّيْخِ وَنَحْوِهِ بِلَا فِدْيَةٍ ، وَعَلَى مَنْ جَوَّزَ الْفِدْيَةَ فِيهِ بِالْعِتْقِ. قَوْلُهُ تَعَالَى فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ قَالَ ابْنُ الْفُرْسِ: يَحْتَجُّ بِهَا عَلَى جَوَازِ التَّطَوُّعِ بِصَوْمِ يَوْمِ الشَّكِّ لِعُمُومِ قَوْلِهِ: خَيْرًا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ قَالَ ابْنُ الْفُرْسِ: يَحْتَجُّ بِهَا عَلَى أَنَّ الصَّوْمَ لِمَنْ أُبِيحَ لَهُ الْفِطْرُ أَفْضَلَ مَا لَمْ يُجْهِدْهُ.

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية