الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
الهداية شرح بداية المبتدي

( ولو قال خاط فلان ثوبي هذا بنصف درهم ثم قبضته وقال فلان : الثوب ثوبي  فهو على هذا الخلاف في الصحيح ) وجه القياس ما بيناه في الوديعة . [ ص: 377 ] وجه الاستحسان وهو الفرق أن اليد في الإجارة والإعارة ضرورية تثبت ضرورة استيفاء المعقود عليه وهو المنافع ، فيكون عدما فيما وراء الضرورة فلا يكون إقرارا له باليد مطلقا ، بخلاف الوديعة لأن اليد فيها مقصودة ، والإيداع إثبات اليد قصدا فيكون الإقرار به اعترافا باليد للمودع .

ووجه آخر أن في الإجارة والإعارة والإسكان أقر بيد ثابتة من جهته فيكون القول قوله في كيفيته . ولا كذلك في مسألة الوديعة لأنه قال فيها : كانت وديعة ، وقد تكون من غير صنعه ، حتى لو قال : أودعتها [ ص: 378 ] كان على هذا الخلاف ، وليس مدار الفرق على ذكر الأخذ في طرف الوديعة وعدمه في الطرف الآخر وهو الإجارة وأختاه ؛ لأنه ذكر الأخذ في وضع الطرف الآخر في كتاب الإقرار أيضا ، وهذا بخلاف ما إذا قال اقتضيت من فلان ألف درهم كانت لي عليه أو أقرضته ألفا ثم أخذتها منه وأنكر المقر له حيث يكون القول قوله لأن الديون تقضى بأمثالها ، وذلك إنما [ ص: 379 ] يكون بقبض مضمون ، فإذا أقر بالاقتضاء فقد أقر بسبب الضمان ثم ادعى تملكه عليه بما يدعيه من الدين مقاصة والآخر ينكره ، أما هاهنا المقبوض عين ما ادعى فيه الإجارة وما أشبهها فافترقا ، لو أقر أن فلانا زرع هذه الأرض أو بنى هذه الدار أو غرس هذا الكرم وذلك كله في يد المقر فادعاها فلان وقال المقر لا بل ذلك كله لي استعنت بك ففعلت أو فعلته بأجر فالقول للمقر لأنه ما أقر له باليد وإنما أقر بمجرد فعل منه ، وقد يكون ذلك في ملك في يد المقر وصار كما إذا قال خاط لي الخياط قميصي هذا بنصف درهم ولم يقل قبضته منه لم يكن إقرارا باليد ويكون القول للمقر لما أنه أقر بفعل منه وقد يخيط ثوبا في يد المقر كذا هذا .

التالي السابق


فتح القدير

( ولو قال: خاط فلان ثوبي هذا بنصف درهم ثم قبضته، وقال فلان : الثوب ثوبي فهو على هذا الخلاف في الصحيح ) احترز به عن قول بعضهم: إن القول في هذا قول المقر بالإجماع، فيكون ذلك دليلا لأبي حنيفة، ولكن ذلك ليس بثابت في الأصول، بل قال عامة المشايخ: هو على هذا الخلاف أيضا قال المصنف : ( وجه القياس ما بيناه في الوديعة ) أراد به قوله : لأنه أقر باليد له وادعى [ ص: 377 ] استحقاقها عليه وهو ينكر والقول للمنكر . ( وجه الاستحسان وهو الفرق ) بين مسألة الوديعة وبين هذه المسائل ( أن اليد في الإجارة والإعارة ضرورية ) ، يعني: أن اليد فيهما ليست بمقصودة بل هي ضرورية ( تثبت ضرورة استيفاء المعقود عليه وهو المنافع فتكون عدما ) ، أي : فتكون اليد معدومة ( فيما وراء الضرورة ) ، فلا تظهر في حق الاستحقاق على المقر ؛ لأن ما يثبت بالضرورة يقتصر على قدر الضرورة ، ( فلا يكون ) ، أي : فلا يكون الإقرار بالإجارة والإعارة ( إقرارا له ) ، أي : للمقر له ( باليد مطلقا ) ، أي : من كل وجه ، بل يكون إقرارا له باليد لأجل استيفاء المعقود عليه فقط ، فلا يكون مقرا بالملك لغيره ، ثم مدعيا لنفسه ( بخلاف الوديعة ؛ لأن اليد فيها مقصودة ) ، فإن المقصود منها هو الحفظ والحفظ لا يكون بدون اليد ، ( والإيداع إثبات اليد قصدا فيكون الإقرار به ) ، أي : بالإيداع ( اعترافا باليد للمودع ) .

أقول : لقائل أن يقول : إن أريد أن الإقرار بالإيداع يكون اعترافا باليد للمودع مطلقا ، أي : من كل وجه، كما صرح به في الكافي؛ حيث قال : فكان الإقرار بالوديعة إقرارا باليد للمقر له مطلقا فهو ممنوع؛ إذ الإيداع إثبات يد المحافظة دون إثبات يد الملك ، فكيف يكون الإقرار بالإيداع إقرارا باليد مطلقا للمودع؟ وإن أريد أن الإقرار به يكون اعترافا بيد المحافظة للمودع فهو مسلم ولكن لا يتم به التقريب، كما لا يخفى .

( ووجه آخر ) للاستحسان، وهو الفرق ( أن في الإجارة والإعارة والإسكان أقر بيد ثابتة من جهته ) ، أي : من جهة المقر، ( فيكون القول قوله في كيفيته ) ، أي : في كيفية ثبوت اليد له بأي طريق كان، كما لو كان في يده عبد ، وقال: هذا عبدي بعته من فلان ولم أسلمه إليه بعد، فقال المقر له : لا بل كان عبدي لم أشتره منك كان القول قول المقر دون المقر له لهذا المعنى، كذا في النهاية ومعراج الدراية . وكما لو قال : ملكت عبدي هذا فلانا بألف درهم إلا أني لم أقبض الثمن فلي حق الحبس كان القول له وإن زعم الآخر خلافه، كذا في العناية وشرح تاج الشريعة أخذا من الأسرار ، ( ولا كذلك في مسألة الوديعة؛ لأنه ) ، أي : لأن المقر ( قال فيها: كانت وديعة، وقد تكون ) ، أي : الوديعة ( من غير صنعه ) كاللقطة؛ فإنها وديعة في يد الملتقط وإن لم يدفعها إليه صاحبها، وكذا الثوب إذا هبت الريح فألقته في دار إنسان ، فإنه يكون وديعة عند صاحب الدار، وإن لم يدفعها إليه صاحبه ، كذا في عامة الشروح .

أقول : هنا كلام : أما أولا : فلأن ظاهر قول المصنف، وقد يكون من غير صنعه ينافي ما ذكره في الوجه الأول من أن الإيداع إثبات اليد قصدا؛ لأن إثبات اليد قصدا يقتضي الصنع. فإن قلت: مراده أنها قد تكون من غير صنع المقر لا من غير صنع المودع، وكون الإيداع إثبات اليد قصدا إنما يقتضي صنع المودع فلا منافاة . قلت : فحينئذ يلزم أن لا يصح المثالان المزبوران اللذان ذكرهما جمهور الشراح ، وذكر الثاني صاحب الكافي أيضا ؛ إذ لا صنع لأحد في ثبوت يد الملتقط في اللقطة وفى ثبوت يد صاحب الدار في الثوب الذي ألقته الريح في داره .

وأما ثانيا: فلأن تمثيل جمهور الشراح الوديعة هاهنا بالمثالين المزبورين ينافي ما صرحوا به في أول كتاب الوديعة، من أن الوديعة هي التسليط على الحفظ، وذلك إنما يكون بالعقد والقصد، والأمانة أعم من ذلك ؛ فإنها قد تكون بغير عقد وقصد، كما إذا هبت الريح في ثوب إنسان فألقته في بيت غيره، ووجه المنافاة ظاهر . ( حتى لو قال ) ، أي : المقر: ( أودعتها [ ص: 378 ] كان ) جواب هذه المسألة أيضا . ( على هذا الخلاف ) المذكور في مسائل الإجارة والإعارة والإسكان .

أقول : بقي هاهنا شيء، وهو أن الفرق المذكور إنما يتضح لو كانت صورة مسألة الوديعة ما لو قال : هذه الألف كانت وديعة عند فلان بدون ذكر لفظة لي ، وأما على ما ذكرت في الكتاب من قوله : فإن قال : هذه الألف كانت لي وديعة عند فلان فيشكل ذلك؛ إذ الظاهر أن لفظة لي تفيد ثبوت اليد من جهته فيئول معنى قوله المذكور إلى معنى قوله : أودعتها عند فلان .

( وليس مدار الفرق على ذكر الأخذ في طرف الوديعة وعدمه ) ، أي : عدم ذكر الأخذ ( في الطرف الآخر وهو الإجارة وأختاه ) ، أي : الإعارة والإسكان. قال في غاية البيان : إنما ذكر الضمير الراجع إلى الإجارة على تأويل العقد. قلت : وإنما قال: "وأختاه" ، ولم يقل: "وأخواه" مع أن أحدهما وهو الإسكان كان مذكرا، وفي مثل ذلك يغلب المذكر على المؤنث ولا يعكس، أما على تأويلهما بالصورتين أو بالمسألتين ومراد المصنف هاهنا الرد على الإمام القمي فيما ذكر من الفرق؛ فإنه قال : إنما وجب الرد في مسألة الوديعة ؛ لأنه قال فيها: أخذتها منه ، فيجب جزاؤه ، وجزاء الأخذ الرد .

وقال في الإجارة وأختيها: "فردها علي"، فكان الافتراق في الحكم للافتراق في الوضع. وقالوا في شروح الجامع الصغير : هذا الفرق ليس بشيء ؛ لأن محمدا ذكر في كتاب الإقرار لفظ الأخذ في الإجارة وأختيها أيضا، وإليه أشار بقوله: ( لأنه ذكر الأخذ في وضع الطرف الآخر في كتاب الإقرار أيضا ) . بقي وجه آخر للفرق ذكره الإمام قاضي خان في شرح الجامع الصغير، ونقل عنه في النهاية ومعراج الدراية، وهو أن في الإجارة والإعارة لو أخذنا المؤجر والمعير بإقرارهما امتنع الناس عن الإجارة والإعارة فلا يؤاخذان بإقرارهما استحسانا كيلا تنقطع الإجارة والإعارة، وأما في الوديعة فمنفعة الإيداع تعود إلى المالك، فلو أخذنا المالك بإقراره لا ينقطع الإيداع، انتهى .

أقول : يرد عليه أن يقال : تعود المنفعة في الإجارة أيضا إلى المالك وهو المؤجر ؛ لأنها عقد معاوضة لا عقد تبرع ، فتعود فيها منفعة الأجرة إلى المؤجر قطعا، كما يعود في الإيداع منفعة الحفظ إلى المودع، فلم يتم الفرق المذكور بالنظر إلى مسألة الإجارة ، وإن تم بالنظر إلى مسألة الإعارة، اللهم إلا أن يقال : منفعة الأجرة ، وإن عادت في الإجارة إلى المؤجر لكن منفعة الدار ونحوها تعود إلى المستأجر، ولا يقدر المؤجر على الانتفاع بها مدة الإجارة فيتضرر بها من هذه الجهة بخلاف الإيداع ؛ فإنه نفع محض للمودع ، فافترقا في الجملة .

( وهذا ) ، أي : الذي ذكر في الإجارة وأختيها ( بخلاف ما إذا قال: اقتضيت ) ، أي : قبضت ( من فلان ألف درهم كانت لي عليه أو أقرضته ألفا ثم أخذتها منه وأنكر المقر له ؛ حيث يكون القول قوله ) ، أي : قول المقر له ؛ ( لأن الديون تقضى بأمثالها ) ، لا بأعيانها ؛ ( وذلك ) ، أي : قضاء الديون بأمثالها . ( إنما [ ص: 379 ] يكون بقبض مضمون ) ، أي : بقبض مال مضمون يصير دينا على الدائن ثم يصير قصاصا بدينه على المديون ، ( فإذا أقر بالاقتضاء ، فقد أقر بسبب الضمان ، ثم ادعى تملكه عليه بما يدعيه عليه من الدين مقاصة والآخر ينكره، أما هاهنا ) ، يعني في صورة الإجارة وأختيها ( المقبوض عين ما ادعى فيه الإجارة، وما أشبهها فافترقا ) .

قال صاحب العناية في تقرير هذا المقام : لأن الديون تقضى بأمثالها، وذلك معلوم، فإذا أقر باقتضاء الدين ، فقد أقر بقبض مثل هذا الدين؛ لأن الاقتضاء إنما يكون بقبض مال مضمون، والإقرار بقبض مال مضمون إقرار بسبب الضمان ، ثم ادعى تملك ما أقر بقبضه بما يدعيه من الدين مقاصة والآخر ينكره، أما هاهنا ، يعني : في صورة الإجارة وأختيها فالمقبوض عين ما ادعى فيه الإجارة وما أشبهها، فافترقا .

وقال : وعليك بتطبيق ما ذكرنا بما في المتن ليظهر التقديم والتأخير الواقع في كلام المصنف بحسن التدبر إن شاء الله تعالى .

أقول : لا يظهر لذي فطرة سليمة بتطبيق ما ذكره بما في المتن ويتدبر فيه بحسن التدبير تقديم وتأخير في كلام المصنف، بل يظهر له نوع اختلال في كلام الشارح .

أما الأول فلأن قوله : فإذا أقر باقتضاء الدين ، فقد أقر بقبض مثل الدين ليس عين قول المصنف: فإذا أقر بالاقتضاء فقد أقر بسبب الضمان ؛ لاختلاف تاليهما، فلا يقتضي تقديم ذاك تقديم هذا، كيف ولو قدم هذا ووضع موضع ذاك، فقيل: لأن الديون تقضى بأمثالها، فإذا أقر بالاقتضاء فقد أقر بسبب الضمان لم يتم التفريع المستفاد من الفاء في فإذا أقر ، مثل ما تم في تقديم ذاك يشهد بذلك كله الذوق الصحيح .

وأما الثاني فلأنه علل قوله : فإذا أقر باقتضاء الدين فقد أقر بقبض مثل الدين بقوله: لأن الاقتضاء إنما يكون بقبض مال مضمون ، والإقرار بقبض مال مضمون إقرار بسبب الضمان، ولا يخفى أن مفاد هذا التعليل أن الإقرار بالاقتضاء إقرار بسبب الضمان؛ لأن الإقرار باقتضاء الدين إقرار بقبض مثل الدين، كما هو المدعى .

( ولو أقر أن فلانا زرع هذه الأرض أو بنى هذه الدار أو غرس هذا الكرم وذلك كله في يد المقر ) ، أي : والحال أن ذلك كله في يد المقر . ( فادعاها ) ، أي : فادعى الأرض والدار والكرم ؛ ( فلان ) لنفسه ، ( وقال المقر: لا بل ذلك كله لي استعنت بك ) على الزراعة أو البناء أو الغرس ، ( ففعلت أو فعلته بأجر فالقول للمقر ) ، هذه من مسائل المبسوط ، ذكرها المصنف تفريعا ، وقال في تعليلها: ( لأنه ) ، أي : لأن المقر ( ما أقر له ) ، أي : لفلان ( باليد، وإنما أقر بمجرد فعل منه ) ، أي : من فلان .

( وقد يكون ذلك ) ، أي : الفعل من الغير ( في يد المقر ) ، يعني : أن الإقرار بمجرد فعل من الغير لا يدل على اليد ؛ لأن العمل قد يكون من المعين والأجير والعين في يد صاحبها . ( وصار ) ، أي : صار حكم هذا ( كما إذا قال: خاط لي الخياط قميصي هذا بنصف درهم ولم يقل: قبضته منه لم يكن إقرارا باليد ويكون القول للمقر لما أنه أقر بفعل منه ) ، أي : من الخياط . ( وقد يخيط ثوبا في يد المقر كذا هذا ) ، أي : كذا حكم المسائل المذكورة . قال في النهاية : فحصل [ ص: 380 ] من هذا كله أن جنس هذه المسائل على ثلاثة أنواع : ففي نوع منها كان القول قول المقر له بالإجماع، وهو مسألة الوديعة والإقراض والاقتضاء، وفي نوع منها كان القول قول المقر بالإجماع، وهو مسألة بيع العبد ، ومسألة زرع هذه الأرض ، أو بنائها هذه الدار، ومسألة خياطة الثوب بدون ذكر القبض منه ، وفي نوع منها اختلفوا فيه : فعند أبى حنيفة القول قول المقر، كما في الثاني، وعندهما القول قول المقر له، كما في النوع الأول وهو مسألة الإجارة والإعارة والإسكان وخياطة الثوب مع ذكر القبض، انتهى.




الخدمات العلمية