الهداية شرح بداية المبتدي
قال ( ومن له على آخر ألف درهم، فقال أد إلي غدا منها خمسمائة على أنك بريء من الفضل ففعل فهو بريء ، فإن لم يدفع إليه الخمسمائة غدا عاد عليه الألف وهو قول أبي حنيفة ومحمد . وقال أبو يوسف : لا يعود عليه ) لأنه إبراء مطلق ؛ ألا ترى أنه جعل أداء الخمسمائة عوضا؛ حيث ذكره بكلمة على وهي للمعاوضة ، [ ص: 428 ] والأداء لا يصح عوضا لكونه مستحقا عليه فجرى وجوده مجرى عدمه فبقي الإبراء مطلقا فلا يعود كما إذا بدأ بالإبراء .
ولهما أن هذا إبراء مقيد بالشرط فيفوت بفواته لأنه بدأ بأداء الخمسمائة في الغد وأنه يصلح غرضا حذار إفلاسه وتوسلا إلى تجارة أربح منه ، وكلمة على إن كانت للمعاوضة فهي محتملة للشرط لوجود معنى المقابلة فيه فيحمل عليه عند تعذر الحمل على المعاوضة تصحيحا لتصرفه أو لأنه متعارف ، [ ص: 429 ] والإبراء مما يتقيد بالشرط وإن كان لا يتعلق به كما في الحوالة ، وستخرج البداءة بالإبراء إن شاء الله تعالى . [ ص: 430 ] قال العبد الضعيف : وهذه المسألة على وجوه : أحدها ما ذكرناه . والثاني إذا قال صالحتك من الألف على خمسمائة تدفعها إلي غدا وأنت بريء من الفضل على أنك إن لم تدفعها إلي غدا فالألف عليك على حاله .
وجوابه: أن الأمر على ما قال؛ لأنه أتى بصريح التقييد فيعمل به . والثالث إذا قال: أبرأتك من خمسمائة من الألف على أن تعطيني الخمسمائة غدا والإبراء فيه واقع أعطى الخمسمائة أو لم يعط لأنه أطلق الإبراء أولا ، وأداء الخمسمائة لا يصلح عوضا مطلقا، ولكنه يصلح شرطا، فوقع الشك في تقييده بالشرط فلا يتقيد به ، [ ص: 431 ] بخلاف ما إذا بدأ بأداء خمسمائة لأن الإبراء حصل مقرونا به ، فمن حيث إنه لا يصلح عوضا يقع مطلقا ، ومن حيث إنه يصلح شرطا لا يقع مطلقا فلا يثبت الإطلاق بالشك فافترقا . والرابع إذا قال أد إلي خمسمائة على أنك بريء من الفضل ولم يؤقت للأداء وقتا . وجوابه أنه يصح الإبراء ولا يعود الدين لأن هذا إبراء مطلق ، لأنه لما لم يؤقت للأداء وقتا لا يكون الأداء غرضا صحيحا لأنه واجب عليه في مطلق الأزمان فلم يتقيد بل يحمل على المعاوضة ولا يصلح عوضا ، بخلاف ما تقدم لأن الأداء في الغد غرض صحيح . والخامس إذا قال إن أديت إلي خمسمائة أو قال إذا أديت أو متى أديت .
فالجواب فيه أنه لا يصح الإبراء لأنه علقه بالشرط صريحا ، وتعليق البراءات بالشروط باطل لما فيها من معنى التمليك حتى يرتد بالرد ، بخلاف ما تقدم لأنه ما أتى بصريح الشرط فحمل على التقييد به .
قال ( ومن قال لآخر لا أقر لك بمالك حتى تؤخره عني أو تحط عني ففعل جاز عليه ) لأنه ليس بمكره ، ومعنى المسألة إذا قال ذلك سرا ، أما إذا قال علانية يؤخذ به .


