الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
الهداية شرح بداية المبتدي ( كِتَابُ الْوَدِيعَةِ ) قَالَ ( الْوَدِيعَةُ أَمَانَةٌ فِي يَدِ الْمُودَعِ إِذَا هَلَكَتْ لَمْ يَضْمَنْهَا ) لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَيْسَ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ غَيْرِ الْمُغِلِّ ضَمَانٌ وَلَا عَلَى الْمُسْتَوْدَعِ غَيْرِ الْمُغِلِّ ضَمَانٌ وَلِأَنَّ بِالنَّاسِ حَاجَةً إِلَى الِاسْتِيدَاعِ ، فَلَوْ ضَمِنَاهُ يَمْتَنِعُ النَّاسُ عَنْ قَبُولِ الْوَدَائِعِ فَتَتَعَطَّلُ مَصَالِحُهُمْ . ( وَلِلْمُودَعِ أَنْ يَحْفَظَهَا بِنَفْسِهِ وَبِمَنْ فِي عِيَالِهِ ) لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ يَلْتَزِمُ حِفْظَ مَالِ غَيْرِهِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَحْفَظُ مَالَ نَفْسِهِ فتح القدير ( كِتَابُ الْوَدِيعَةِ ) وَجْهُ مُنَاسِبَةِ هَذَا الْكِتَابِ بِمَا تَقَدَّمَ قَدْ مَرَّ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْإِقْرَارِ، ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَهُ الْعَارِيَةَ وَالْهِبَةَ وَالْإِجَارَةَ لِلتَّنَاسُبِ بِالتَّرَقِّي مِنَ الْأَدْنَى إِلَى الْأَعْلَى ؛ لِأَنَّ الْوَدِيعَةَ أَمَانَةٌ بِلَا تَمْلِيكِ شَيْءٍ وَفِي الْعَارِيَةِ تَمْلِيكُ الْمَنْفَعَةِ بِلَا عِوَضٍ ، وَفِي الْهِبَةِ تَمْلِيكُ الْعَيْنِ بِلَا عِوَضٍ ، وَفِي الْإِجَارَةِ تَمْلِيكُ الْمَنْفَعَةِ بَعُوضٍ وَهِيَ عِقْدٌ لَازِمٌ ، وَاللَّازِمُ أَقْوَى وَأَعْلَى مِمَّا لَيْسَ بِلَازِمٍ فَكَانَ فِي الْكُلِّ التَّرَقِّي مِنَ الْأَدْنَى إِلَى الْأَعْلَى كَذَا فِي الشُّرُوحِ . ثُمَّ مَحَاسِنُ الْوَدِيعَةِ ظَاهِرَةٌ ؛ إِذْ فِيهِ إِعَانَةُ عِبَادِ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْحِفْظِ وَوَفَاءِ الْأَمَانَةِ وَهُوَ مِنْ أَشْرَفِ الْخِصَالِ عَقْلًا وَشَرْعًا . قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : الْأَمَانَةُ تَجُرُّ الْغِنَى وَالْخِيَانَةُ تَجُرُّ الْفَقْرَ وَفَى الْمَثَلِ : الْأَمَانَةُ أَقَامَتِ الْمَمْلُوكَ مَقَامَ الْمُلُوكِ ، وَالْخِيَانَةُ أَقَامَتِ الْمُلُوكَ مَقَامَ الْمَمْلُوكِ . ثُمَّ إِنَّ الْوَدِيعَةَ لُغَةً فَعِيلَةٌ بِمَعْنَى مَفَعُولَةٍ مُشْتَقَّةٌ مِنَ الْوَدْعِ وَهُوَ التَّرْكُ . عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ عَنْ وَدْعِهِمُ الْجُمُعَاتِ ، أَيْ : عَنْ تَرْكِهِمْ إِيَّاهَا . قَالَ شِمْرٌ : زَعَمَتِ النَّحْوِيَّةُ أَنَّ الْعَرَبَ أَمَاتُوا مَصْدَرَ يَدَعُ ، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَفْصَحُ الْعَرَبِ ، وَقَدْ رُوِيَتْ عَنْهُ هَذِهِ الْكَلِمَةُ ، وَسُمِّيَتِ الْوَدِيعَةُ بِهَا ؛ لِأَنَّهَا شَيْءٌ يُتْرَكُ عِنْدَ الْأَمِينِ ، كَذَا فِي الْمُغْرِبِ وَبَعْضِ الشُّرُوحِ . قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ : وَتَفْسِيرُهَا لُغَةً التَّرْكُ ، وَسُمِّيَتِ الْوَدِيعَةُ بِهَا ؛ لِأَنَّهَا تُتْرَكُ بِيَدِ أَمِينٍ، انْتَهَى . أَقُولُ : فِيهِ سَمَاجَةٌ ظَاهِرَةٌ ؛ إِذْ لَيْسَتِ الْوَدِيعَةُ فِي اللُّغَةِ بِمَعْنَى التَّرْكِ ، وَإِنَّمَا الَّذِي بِمَعْنَى التَّرْكِ هُوَ الْوَدْعُ فَلَا يَصِحُّ قَوْلُهُ : وَتَفْسِيرُهَا لُغَةً التَّرْكُ إِلَّا بِتَأْوِيلٍ بَعِيدٍ لَا يُسَاعِدُهُ لَفْظُهُ، وَهُوَ أَنْ يُرَادَ بِذَلِكَ أَنَّهَا مُشْتَقَّةٌ مِنَ الْوَدْعِ الَّذِي هُوَ التَّرْكُ . وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الشُّرَّاحِ : الْوَدِيعَةُ فِي الشَّرِيعَةِ عِبَارَةٌ عَنِ التَّسْلِيطِ عَلَى حِفْظِ الْمَالِ . أَقُولُ : الظَّاهِرُ أَنَّ الْوَدِيعَةَ فِي الشَّرِيعَةِ أَيْضًا هِيَ الْمَالُ الْمُودَعُ الَّذِي يُتْرَكُ عِنْدَ الْأَمِينِ لَا نَفْسَ التَّسْلِيطِ عَلَى حِفْظِ الْمَالِ ، وَأَنَّ التَّسْلِيطَ عَلَى حِفْظِ الْمَالِ هُوَ الْإِيدَاعُ ، وَعَنْ هَذَا قَالَ صَاحِبُ الْكَافِي وَالْكِفَايَةِ : الْإِيدَاعُ لُغَةً تَسْلِيطُ الْغَيْرِ عَلَى حِفْظِ أَيِّ شَيْءٍ كَانَ مَالًا أَوْ غَيْرَ مَالٍ . يُقَالُ أَوْدَعْتُ زَيْدًا مَالًا وَاسْتَوْدَعْتُهُ إِيَّاهُ : إِذَا دَفَعْتَهُ إِلَيْهِ لِيَكُونَ عِنْدَهُ فَأَنَا مُودِعٌ وَمُسْتَوْدِعٌ بِكَسْرِ الدَّالِّ فِيهِمَا، وَزَيْدٌ مُودَعٌ وَمُسْتَوْدَعٌ بِالْفَتْحِ فِيهِمَا، وَالْمَالُ مُودَعٌ وَوَدِيعَةٌ . وَشَرِيعَةً تَسْلِيطُ الْغَيْرِ عَلَى حِفْظِ الْمَالِ، انْتَهَى . حَيْثُ فَسَّرَ الْإِيدَاعَ بِالتَّسْلِيطِ الْمَزْبُورِ دُونَ الْوَدِيعَةِ ، وَقَالَا : وَالْمَالُ مُودَعٌ وَوَدِيعَةٌ . وَأَقُولُ : فِيمَا ذُكِرَ فِي الْكَافِي وَالْكِفَايَةِ أَيْضًا شَيْءٌ ؛ لِأَنَّ مَحْصُولَ ذَلِكَ أَنَّ مَعْنَى الْإِيدَاعِ لُغَةً أَعَمُّ مِنْ مَعْنَاهُ شَرِيعَةً لِاخْتِصَاصِ الثَّانِي بِالْمَالِ وَتَنَاوُلِ الْأَوَّلِ الْمَالَ وَغَيْرَهُ وَلَكِنَّ الْمَفْهُومَ مِنْ مُعْتَبِرَاتِ كُتُبِ اللُّغَةِ كَالصِّحَاحِ وَالْقَامُوسِ وَالْمُغْرِبِ وَغَيْرِهَا اخْتِصَاصُ الْأَوَّلِ أَيْضًا بِالْمَالِ ؛ لِأَنَّ الْمَذْكُورَ فِيهَا عِنْدَ بَيَانِ مَعْنَاهُ ، يُقَالُ: أَوْدَعْتُهُ مَالًا ، أَيْ : دَفَعْتُهُ إِلَيْهِ لِيَكُونَ وَدِيعَةً عِنْدَهُ ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ اخْتِصَاصٌ بِالْمَالِ فِي اللُّغَةِ أَيْضًا لَمَا أَطْبَقَ أَرْبَابُ اللُّغَةِ عَلَى ذِكْرِ الْمَالِ فِي بَيَانِ مَعْنَاهُ ، بَلْ كَانَ اللَّائِقُ بِهِمْ أَنْ يَقُولُوا : أَوْدَعْتُهُ شَيْئًا أَوْ دَفَعْتُهُ إِلَيْهِ لِيَكُونَ وَدِيعَةً عِنْدَهُ ، وَالْعَجَبُ أَنَّ صَاحِبَ الْكَافِي وَالْكِفَايَةِ بَعْدَ أَنْ قَالَا : الْإِيدَاعُ لُغَةً تَسْلِيطُ الْغَيْرِ عَلَى حِفْظِ أَيِّ شَيْءٍ كَانَ مَالًا أَوْ غَيْرَ مَالٍ قَالَا أَيْضًا : يُقَالُ : أَوْدَعْتُ زَيْدًا مَالًا وَاسْتَوْدَعْتُهُ إِيَّاهُ : إِذَا دَفَعْتَهُ إِلَيْهِ لِيَكُونَ عِنْدَهُ ، وَلَيْسَ فِيمَا اسْتَشْهَدَا بِهِ شَيْءٌ يُوهِمُ الْعُمُومَ ، بَلْ فِيهِ مَا يُشْعِرُ بِالْخُصُوصِ ، كَمَا عَرَفْتَ آنِفًا فَكَانَ اللَّائِقُ بِهِمَا جَدًّا تَرْكَ ذَلِكَ . ( قَوْلُهُ : الْوَدِيعَةُ أَمَانَةٌ فِي يَدِ الْمُودَعِ ... إِلَخْ ) . قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ : فَإِنْ قِيلَ : الْوَدِيعَةُ وَالْأَمَانَةُ كِلَاهُمَا عِبَارَتَانِ عَنْ مُعَبِّرٍ وَاحِدٍ فَكَيْفَ جَوَّزَ بَيْنَهُمَا الْمُبْتَدَأَ وَالْخَبَرَ وَلَا يَجُوزُ إِيقَاعُ اللَّفْظَيْنِ الْمُتَرَادِفَيْنِ مُبْتَدَأً وَخَبَرًا إِلَّا عَلَى طَرِيقِ التَّفْسِيرِ كَقَوْلِكَ : اللَّيْثُ أَسَدٌ وَالْحَبْسُ مَنْعٌ وَمُرَادُ الْمُصَنِّفِ هَاهُنَا لَيْسَ تَفْسِيرَ الْوَدِيعَةِ بِالْأَمَانَةِ . قُلْنَا : جَوَازُ ذَلِكَ هَاهُنَا بِطَرِيقِ الْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ ، فَإِنَّ الْوَدِيعَةَ خَاصَّةٌ وَالْأَمَانَةَ عَامَّةٌ ، وَحَمْلُ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ صَحِيحٌ دُونَ عَكْسِهِ ، فَالْوَدِيعَةُ هِيَ الِاسْتِحْفَاظُ قَصْدًا وَالْأَمَانَةُ هِيَ الشَّيْءُ الَّذِي وَقَعَ فِي يَدِهِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ بِأَنْ هَبَّتِ الرِّيحُ فِي ثَوْبِ إِنْسَانٍ وَأَلْقَتْهُ فِي حِجْرِ غَيْرِهِ . وَالْحُكْمُ فِي الْوَدِيعَةِ . أَنْ يَبْرَأَ عَنِ الضَّمَانِ إِذَا عَادَ إِلَى الْوِفَاقِ وَفِي الْأَمَانَةِ لَا يَبْرَأُ بَعْدَ الْخِلَافِ . هَكَذَا نُقِلَ عَنِ الْإِمَامِ بَدْرِ الدِّينِ الْكُرْدَرِيِّ إِلَى هُنَا لَفْظُ النِّهَايَةِ . وَقَالَ صَاحِبُ الْكِفَايَةِ : قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ بَدْرُ الدِّينِ رَحِمَهُ اللَّهُ : الْفَرْقُ بَيْنَ الْوَدِيعَةِ وَالْأَمَانَةِ بِالْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ ، فَالْوَدِيعَةُ خَاصَّةٌ وَالْأَمَانَةُ عَامَّةٌ ، وَحَمْلُ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ صَحِيحٌ دُونَ عَكْسِهِ : فَالْوَدِيعَةُ هِيَ الِاسْتِحْفَاظُ قَصْدًا وَالْأَمَانَةُ هِيَ الشَّيْءُ الَّذِي وَقَعَ فِي يَدِهِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ بِأَنْ هَبَّتِ الرِّيحُ فِي ثَوْبِ إِنْسَانٍ وَأَلْقَتْهُ فِي حِجْرِ غَيْرِهِ ، وَالْحُكْمُ فِي الْوَدِيعَةِ أَنْ يَبْرَأَ عَنِ الضَّمَانِ إِذَا عَادَ إِلَى الْوِفَاقِ وَلَا يَبْرَأُ عَنِ الضَّمَانِ إِذَا عَادَ إِلَى الْوِفَاقِ فِي الْأَمَانَةِ ، إِلَى هُنَا كَلَامُهُ . أَقُولُ : يُرَدُّ عَلَى الْجَوَابِ الْمَزْبُورِ وَالْفَرْقِ الْمَذْكُورِ أَنَّ التَّقْرِيرَ الْمَسْفُورَ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ بَيْنَ الْوَدِيعَةِ وَالْأَمَانَةِ تَبَايُنٌ لَا عُمُومٌ وَخُصُوصٌ ، فَإِنَّهُ قَدِ اعْتُبِرَ فِي الْأُولَى الْقَصْدُ وَفِي الْأُخْرَى عَدَمُ الْقَصْدِ ، وَهُمَا لَا يَجْتَمِعَانِ فِي مَادَّةٍ أَصْلًا ، وَكَذَا جُعِلَ حُكْمُ الْأُولَى أَنْ يَبْرَأَ عَنِ الضَّمَانِ بِالْعَوْدِ إِلَى الْوِفَاقِ ، وَحُكْمُ الْأُخْرَى أَنْ لَا يَبْرَأَ عَنِ الضَّمَانِ بِالْعَوْدِ إِلَى الْوِفَاقِ ، وَهُمَا مُتَنَاقِضَانِ لَا يَتَرَتَّبَانِ عَلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ فَلَا يُتَصَوَّرُ بَيْنَهُمَا عُمُومٌ وَخُصُوصٌ ، بَلْ يَتَعَيَّنُ التَّبَايُنُ ، وَحَمْلُ أَحَدِ الْمُتَبَايِنَيْنَ عَلَى الْآخَرِ غَيْرُ صَحِيحٍ قَطْعًا فَلَا يَتِمُّ الْمَطْلُوبُ . وَقَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ هَاهُنَا : قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْوَدِيعَةَ فِي الِاصْطِلَاحِ هِيَ التَّسْلِيطُ عَلَى الْحِفْظِ وَذَلِكَ يَكُونُ بِالْعَقْدِ وَالْأَمَانَةُ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّهَا قَدْ تَكُونُ بِغَيْرِ عَقْدٍ، كَمَا إِذَا هَبَّتِ الرِّيحُ فِي ثَوْبٍ فَأَلْقَتْهُ فِي بَيْتِ غَيْرِهِ ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ جَازَ حَمْلُ الْأَعَمِّ عَلَى الْأَخَصِّ، اهـ كَلَامُهُ . وَرَدَّ عَلَيْهِ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ ؛ حَيْثُ قَالَ فِيهِ : إِنَّ الْأَمَانَةَ مُبَايِنٌ لِلْوَدِيعَةِ بِهَذَا الْمَعْنَى لَا أَنَّهَا أَعَمُّ مِنْهُ ، بَلِ الْمُرَادُ بِالْوَدِيعَةِ مَا يُتْرَكُ عِنْدَ الْأَمِينِ، اهـ . أَقُولُ : قَدْ كَانَ لَاحَ لِي مَا ذَكَرَهُ مِنْ حَدِيثِ كَوْنِ الْوَدِيعَةِ بِهَذَا الْمَعْنَى مُبَايِنًا لِلْأَمَانَةِ مَعَ كَلَامٍ آخَرَ ، وَهُوَ أَنَّهُ يَلْزَمُ حِينَئِذٍ أَنْ لَا يَصِحَّ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ: الْوَدِيعَةُ أَمَانَةٌ فِي يَدِ الْمُودَعِ ؛ إِذِ التَّسْلِيطُ عَلَى الْحِفْظِ أَمْرٌ مَعْنَوِيٌّ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ فِي يَدِ الْمُودَعِ ، وَلَكِنْ دَفَعْتُهُمَا مَعًا بِحَمْلِ كَلَامِ صَاحِبِ الْعِنَايَةِ عَلَى الْمُسَامَحَةِ بِأَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ بِقَوْلِهِ هُوَ التَّسْلِيطُ عَلَى الْحِفْظِ هُوَ مَا يَحْصُلُ بِسَبَبِ التَّسْلِيطِ عَلَى الْحِفْظِ فَيَكُونُ حَمْلُ نَفْسِ التَّسْلِيطِ عَلَى الْوَدِيعَةِ مِنْ قَبِيلِ الْإِسْنَادِ الْمَجَازِيِّ ، فَلَا يُنَافِي هَذَا أَنْ تَكُونَ الْوَدِيعَةُ فِي الْحَقِيقَةِ مَا يُتْرَكُ عِنْدَ الْأَمِينِ فَيَنْدَفِعُ الْمَحْذُورَانِ الْمَزْبُورَانِ مَعًا . ثُمَّ إِنَّ هَذَا التَّوْجِيهَ وَإِنْ كَانَ بَعِيدًا عَنْ ظَاهِرِ اللَّفْظِ إِلَّا أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنَ الْمَصِيرِ إِلَيْهِ تَصْحِيحًا لِكَلِمَاتِ ثِقَاتِ النَّاظِرِينَ فِي هَذَا الْمَقَامِ ، فَإِنَّ ذَيْنِكَ الْمَحْذُورَيْنِ يَرُدَّانِ عَلَى ظَاهِرِ لَفْظِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ؛ أَلَا تَرَى أَنَّهُ قَالَ فِي النِّهَايَةِ وَالْكِفَايَةِ : فَالْوَدِيعَةُ هِيَ الِاسْتِحْفَاظُ قَصْدًا وَالْأَمَانَةُ هُوَ الشَّيْءُ الَّذِي وَقَعَ فِي يَدِهِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ ، وَقَالَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ : لِأَنَّ الْوَدِيعَةَ عِبَارَةٌ عَنْ كَوْنِ الشَّيْءِ أَمَانَةً بِاسْتِحْفَاظِ صَاحِبِهِ عِنْدَ غَيْرِهِ قَصْدًا ، وَالْأَمَانَةُ قَدْ تَكُونُ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ عِبَارَاتِ الْمَشَايِخِ . بَقِيَ هَاهُنَا شَيْءٌ ، وَهُوَ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ الشُّرَّاحُ هَاهُنَا مِنْ أَنَّ الْأَمَانَةَ أَعَمُّ مِنَ الْوَدِيعَةِ بِنَاءً عَلَى اعْتِبَارِ الْقَصْدِ فِي الْوَدِيعَةِ دُونَ الْأَمَانَةِ مُخَالِفٌ لِمَا صَرَّحُوا بِهِ فِي أَوَاخِرِ بَابِ الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ كِتَابِ الْإِقْرَارِ مِنْ أَنَّ الْوَدِيعَةَ قَدْ تَكُونُ مِنْ غَيْرِ صُنْعِ صَاحِبِهَا كَاللُّقَطَةِ ، فَإِنَّهَا وَدِيعَةٌ فِي يَدِ الْمُلْتَقِطِ وَإِنْ لَمْ يَدْفَعْ إِلَيْهِ صَاحِبُهَا ، وَكَذَا إِذَا هَبَّتِ الرِّيحُ فَأَلْقَتْ ثَوْبًا فِي دَارِ إِنْسَانٍ . وَأَمَّا مُجَرَّدُ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ هُنَاكَ مِنْ أَنَّ الْوَدِيعَةَ قَدْ تَكُونُ مِنْ غَيْرِ صُنْعِهِ فَلَا يَقْتَضِي الْمُخَالَفَةَ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ بِقَوْلِهِ: "مِنْ غَيْرِ صُنْعِهِ"، مِنْ غَيْرِ صُنْعِ الْمُقِرِّ لَا مِنْ غَيْرِ صُنْعِ صَاحِبِ الْوَدِيعَةِ، كَمَا يُرْشِدُ إِلَيْهِ قَوْلُهُ : "هُنَاكَ" ، حَتَّى لَوْ قَالَ : أَوْدَعْتُهَا كَانَ عَلَى هَذَا الْخِلَافِ ، وَقَدْ نَبَّهْتُ عَلَيْهِ هُنَاكَ فَتُدَبَّرْ . ثُمَّ إِنَّ صَاحِبَ النِّهَايَةِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ الْجَوَابَ الْأَوَّلَ وَنَسَبَهُ إِلَى الْإِمَامِ بَدْرِ الدِّينِ الْكُرْدَرِيِّ، كَمَا مَرَّ قَالَ : وَالْأَوْلَى مِنَ الْجَوَابِ فِيهِ أَنْ يُقَالَ : لَفْظُ الْأَمَانَةِ صَارَ عَلَمًا لِمَا هُوَ غَيْرُ مَضْمُونٍ فَكَانَ قَوْلُهُ : "هُوَ أَمَانَةٌ عِنْدَهُ" ، أَيْ : غَيْرُ مَضْمُونٍ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ تَفَاوُتٍ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ ، حَتَّى أَنَّ لَفْظَ الْأَمَانَةِ يَنْسَحِبُ اسْتِعْمَالُهُ فِي جَمِيعِ الصُّوَرِ الَّتِي لَا ضَمَانَ فِيهَا ، وَأَرَادَ بِالْوَدِيعَةِ مَا وُضِعَ لِلْأَمَانَةِ بِالْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ فَكَانَا مُتَغَايِرَيْنِ فَصَحَّ إِيقَاعُهُمَا مُبْتَدَأً وَخَبَرًا، اهـ . أَقُولُ : فِيهِ نَظَرٌ ؛ إِذْ لَوْ كَانَ الْمُرَادُ بِالْأَمَانَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْكِتَابِ مَعْنَى "غَيْرُ مَضْمُونٍ" لَمَا احْتِيجَ إِلَى ذِكْرِ قَوْلِهِ : "إِذَا هَلَكَتْ لَمْ يَضْمَنْ لِلْقَطْعِ بِقُبْحٍ"، أَنْ يُقَالَ: الْوَدِيعَةُ غَيْرُ مَضْمُونَةٍ عَلَى الْمُودَعِ إِذَا هَلَكَتْ لَمْ تَضْمَنْ لِكَوْنِ الثَّانِي مُسْتَدْرَكًا . وَرَدَّ عَلَيْهِ الشَّارِحُ الْعَيْنِيُّ بِوَجْهٍ آخَرَ ؛ حَيْثُ قَالَ بَعْدَ نَقْلِهِ وَفِيهِ مَا فِيهِ ؛ لِأَنَّ الْعَلَمَ مَا وُضِعَ لِشَيْءٍ بِعَيْنِهِ وَغَيْرُ مَضْمُونٍ لَيْسَ كَذَلِكَ ، وَلَيْتَ شِعْرِي أَيُّ : عَلَمٍ هَذَا مِنْ أَقْسَامِ الْأَعْلَامِ، اهـ كَلَامُهُ. أَقُولُ : دَفَعَ هَذَا سَهْلٌ ؛ لِأَنَّ لَفْظَ الْأَمَانَةِ إِنْ كَانَ عَلَمًا لِمَا هُوَ غَيْرُ مَضْمُونٍ كَانَ مِنْ أَعْلَامِ الْأَجْنَاسِ ، كَأُسَامَةَ فَإِنَّهُ عَلَمٌ لِجِنْسِ الْأَسَدِ ، وَسُبْحَانَ فَإِنَّهُ عَلَمٌ لِجِنْسِ التَّسْبِيحِ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَعْلَامِ الْأَجْنَاسِ الَّتِي ذَكَرُوهَا فِي كُتُبِ النَّحْوِ وَبَيَّنُوا دُخُولَهَا فِي تَعْرِيفِ الْعَلَمِ بِمَا وُضِعَ لِشَيْءٍ بِعَيْنِهِ غَيْرُ مُتَنَاوِلٍ غَيْرَهُ بِوَضْعٍ وَاحِدٍ فَمَنْ أَتْقَنَ مَبَاحِثَ ذَلِكَ فِي مَحَالِّهَا لَا يُشْتَبَهُ عَلَيْهِ الْأَمْرُ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية