الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
الهداية شرح بداية المبتدي

قال ( وإن قطع أصبع رجل من المفصل الأعلى فشل ما بقي من الأصبع أو اليد كلها  لا قصاص عليه في شيء من ذلك ) وينبغي أن تجب الدية في المفصل الأعلى وفيما بقي حكومة عدل ( وكذلك لو كسر سن رجل فاسود  ما بقي ) ولم يحك خلافا وينبغي أن تجب الدية في السن كله ( ولو قال : اقطع المفصل واترك ما يبس أو اكسر القدر المكسور واترك الباقي  لم يكن له ذلك ) لأن الفعل في نفسه ما وقع موجبا للقود فصار كما لو شجه منقلة فقال : أشجه موضحة أترك الزيادة . لهما في الخلافية أن الفعل في محلين فيكون جنايتين مبتدأتين فالشبهة في إحداهما لا تتعدى إلى الأخرى ، كمن رمى إلى رجل عمدا فأصابه ونفذ منه إلى غيره فقتله يجب القود في الأول والدية في الثاني . وله أن الجراحة الأولى سارية والجزاء بالمثل ، وليس في وسعه الساري فيجب المال ، ولأن الفعل واحد حقيقة وهو الحركة القائمة ، وكذا المحل متحد من وجه لاتصال أحدهما بالآخر فأورثت نهايته شبهة الخطأ في البداية ، بخلاف النفسين لأن أحدهما ليس من سراية صاحبه ، وبخلاف ما إذا وقع السكين على الأصبع [ ص: 294 ] لأنه ليس فعلا مقصودا .

قال : ( وإن قطع أصبعا فشلت إلى جنبها أخرى  فلا قصاص في شيء من ذلك ) عند أبي حنيفة . وقالا هما وزفر والحسن : يقتص من الأولى وفي الثانية أرشها . والوجه من الجانبين قد ذكرناه . وروى ابن سماعة عن محمد في المسألة الأولى وهو ما إذا شج موضحة فذهب بصره أنه يجب القصاص فيهما لأن الحاصل بالسراية مباشرة كما في النفس والبصر يجري فيه القصاص ، بخلاف الخلافية الأخيرة لأن الشلل لا قصاص فيه ، فصار الأصل عند محمد على هذه الرواية أن سراية ما يجب فيه القصاص إلى ما يمكن فيه القصاص يوجب الاقتصاص كما لو آلت إلى النفس وقد وقع الأول ظلما . ووجه المشهور أن ذهاب البصر بطريق التسبيب ; ألا يرى أن الشجة بقيت موجبة في نفسها ولا قود في التسبيب ، بخلاف السراية إلى النفس لأنه لا تبقى الأولى فانقلبت الثانية مباشرة . .

التالي السابق


( قوله ونحن نقول : إن المالية قائمة في الذات وهي معتبرة في حق الأطراف لسقوط اعتبارها في حق الذات قصرا عليه ) قال جمهور الشراح في حل هذا المقام : يعني أن المالية معتبرة في حق الأطراف كما أنها معتبرة في حق الذات لسقوط اعتبار المالية في حق الذات قصرا عليه : أي لأن اعتبار المالية في حق الذات مقتصرا عليه ساقط بالإجماع : يعني لم يقتصر اعتبار المالية على الذات فحسب ، بل اعتبرت في حق الذات والأطراف جميعا ، هذا زبدة ما قالوا . أقول : فعلى هذا المعنى يكون كلام المصنف هنا منافيا لما ذكره في تعليل المسألة المارة في صدر هذا الفصل من قبل أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله حيث قال : ولأن فيه : أي في العبد معنى الآدمية حتى كان مكلفا وفيه معنى المالية والآدمية أعلاهما فيجب اعتبارها بإهدار الأدنى عند تعذر الجمع بينهما ا هـ .

فإن مدلول ما قاله هناك أن المالية التي هي أدنى من الآدمية مهدرة في حق ذات العبد لتعذر الجمع بينها وبين الآدمية ، وإنما المعتبرة فيه هي الآدمية عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله ، ومدلول كلامه هنا على المعنى المذكور أن المالية معتبرة في حق ذات العبد وأطرافه جميعا عند أئمتنا فبينهما تدافع لا يخفى . ثم إن صاحب العناية من بين هؤلاء الجمهور قال في تقرير المعنى المذكور : ونحن نقول : إن المالية قائمة في الذات وهي معتبرة في حق الأطراف ، لأن اعتبارها [ ص: 362 ] في حق الذات : أي في جميع البدن وحده مقتصرا عليه ساقط بالإجماع ، فإن الشرع قد أوجب كمال الدية بتفويت جنس المنفعة بتفويت الأطراف ا هـ .

أقول : فيه خلل زائد . أما أولا فلأنه فسر الذات بجميع البدن ، وليس بصحيح لأن جميع البدن من الأطراف . قال في الصحاح : بدن الإنسان جسده وقوله تعالى { فاليوم ننجيك ببدنك } قالوا : بجسد لا روح فيه ا هـ .

وإنما المراد بالذات ما يقابل الأطراف وهو النفس وإتلافها بإزالة الروح . وأما ثانيا فلأنه علل سقوط اقتصار اعتبار المالية على الذات بقوله فإن الشرع قد أوجب كمال الدية بتفويت جنس المنفعة بتفويت الأطراف ، وليس بسديد لأن إيجاب الشرع كمال الدية بتفويت ذلك لا يدل على اعتبار المالية في حق الأطراف لجواز أن يكون إيجابه إياه للآدمية كما في الحر تدبر . وقال تاج الشريعة من الشراح في حل كلام المصنف هنا : يعني أن اعتبار المالية في الأطراف لا في الذات لأنها تسلك مسلك الأموال ولهذا لا يتحملها العاقلة ، وفسر الذات في قول المصنف المالية قائمة في الذات بالعبد حيث قال : أي في العبد . وقال في شرح قوله لسقوط اعتبارها في حق الذات قصرا عليه : يعني أن سقوط اعتبار المالية مقتصرا في النفس لا في الأطراف ، ووجوب الضمان بدل الآدمية لا بدل المالية ، ولهذا لا يجاوز على عشرة آلاف بل ينقص عشرة فتكون المالية في العبد باعتبار الأطراف ا هـ .

أقول : هذا المعنى هو المطابق لما ذكره المصنف في تعليل المسألة المارة في صدر الفصل من قبل أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله ، وإن كان في استفادته من عبارة المصنف هاهنا تمحل كثير كما ترى ، لكنه غير مطابق لما ذكره هناك من قبل أبي يوسف ، وكلامه هنا مسوق لإقامة الحجة على الشافعي من قبل أئمتنا جميعا ولهذا قال : ونحن نقول : فلا بد أن يطابق لأصلهم جميعا وقد فات ذلك . وبالجملة إن كلام المصنف رحمه الله هنا ليس بخال عن الاضطراب كما لا يذهب على الفطن ، ولعل صاحب الكافي تفطن له حيث ترك أسلوب تقرير المصنف هنا وسلك مسلكا آخر في التقرير والبيان مع كون عادته أن يقتفي أثر المصنف في وضع المسائل وتقرير الدلائل .

( قوله وله أن المالية وإن كانت معتبرة في الذات فالآدمية غير مهدرة فيه وفي الأطراف أيضا ) [ ص: 363 ] أقول : الظاهر من هذا البيان أن المالية والآدمية معتبرتان معا في ذات العبد : أي نفسه وأطرافه أيضا عند أبي حنيفة رحمه الله ، وقد مر من المصنف في أول الفصل أن المعتبر في ذات العبد عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله هي الآدمية دون المالية ، فإنها مهدرة في ذاته عندهما في فصل الجناية ، ولهذا لو زادت قيمته على تمام الدية ينقص عنه عشرة دراهم عند هما فكان بين كلاميه في المقامين تدافع ، اللهم إلا أن يحمل قوله هنا إن المالية وإن كانت معتبرة في الذات على مجرد الفرض فالمعنى أن المالية وإن فرضت معتبرة في الذات فالآدمية غير مهدرة فيه لكنه لا يخلو عن بعد .

( فصل في جناية المدبر وأم الولد والجناية على كل واحد منهما ) .




الخدمات العلمية