الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
الهداية شرح بداية المبتدي

قال ( ولا يجوز للقاتل عامدا كان أو خاطئا  بعد أن كان مباشرا ) لقوله عليه الصلاة والسلام { لا وصية للقاتل } ولأنه استعجل ما أخره الله تعالى فيحرم الوصية كما يحرم الميراث .

وقال الشافعي : [ ص: 422 ] تجوز للقاتل وعلى هذا الخلاف إذا أوصى لرجل ثم إنه قتل الموصي  تبطل الوصية عندنا ، وعنده لا تبطل ، والحجة عليه في الفصلين ما بيناه ( ولو أجازتها الورثة جاز عند أبي حنيفة ومحمد ، [ ص: 423 ] وقال أبو يوسف : لا تجوز ) لأن جنايته باقية والامتناع لأجلها .

ولهما أن الامتناع لحق الورثة لأن نفع بطلانها يعود إليهم كنفع بطلان الميراث ، ولأنهم لا يرضونها للقاتل كما لا يرضونها لأحدهم . قال ( ولا تجوز لوارثه ) لقوله عليه الصلاة والسلام { إن الله تعالى أعطى كل ذي حق حقه ، ألا لا وصية لوارث } ولأنه يتأذى البعض بإيثار البعض ففي تجويزه قطيعة الرحم ولأنه حيف بالحديث الذي رويناه ، ويعتبر كونه وارثا أو غير وارث وقت الموت لا وقت الوصية لأنه تمليك مضاف إلى ما بعد الموت ، وحكمه يثبت بعد الموت .

التالي السابق


[ ص: 485 ] ( باب الوصية بالمنافع )

لما فرغ من بيان أحكام الوصايا المتعلقة بالأعيان شرع في بيان الوصايا المتعلقة بالمنافع ، وأخر هذا الباب لما أن المنافع بعد الأعيان وجودا فأخرها عنها وضعا ، كذا في الشروح . أقول : فيه شيء ، وهو أن هذا إنما يتم في حق الوصية بالسكنى والوصية بالخدمة دون الوصية بالثمرة ، لأن الثمرة من قبيل الأعيان . والباب يشمل الأقسام الثلاثة كلها عنوانا وأحكاما فلا يتم التقريب ، [ ص: 486 ] وإن صير إلى التوجيه ببناء الكلام على الأكثر يبقى تأخير الوصية بالثمرة خاليا عن بيان النكتة كما لا يخفى .

( قوله إلا أن الأول وهو الأعدل أولى ) قال بعض المتأخرين : فيه أن المفروض كون المهايأة باختيارهم ، فالمتأخر يسقط حقه فلا تبقى الأولوية إلا بإلزام الحاكم حتى يكون أولى انتهى . أقول : ليس هذا بسديد . لأن إسقاط المتأخر حقه لا يلزم أن يكون بطيب خاطره ، بل يجوز أن يكون مع الكراهة لأمر يدعو إليه ، فكيف يساوي هذا استيفاء حقه كاملا كما في الأول . ثم إن سلم كون إسقاط حقه على طيب خاطره ألبتة فهو لا يقتضي إلا انتفاء الظلم له وتحقق العدل في الجملة وذلك لا ينافي كون الأول أعدل منه للتسوية بينهم ذاتا وزمانا ، ولا شك أن الأعدل أولى .

( قوله وجه الظاهر أن حق الموصى له ثابت في سكنى جميع الدار بأن ظهر للميت مال آخر وتخرج الدار من الثلث ) أقول : فيه بحث . أما أولا فلأنه منقوض بما إذا أوصى لرجل بعين داره ولم يكن له مال غيرها فاقتسمها الموصى له مع الورثة على الثلث والثلثين فإن للورثة هناك أن يبيعوا ما في أيديهم من ثلثي تلك الدار بلا خلاف مع جريان هذا الدليل هناك أيضا ; بأن يقال : إن حق الموصى له ثابت في عين جميع الدار بأن ظهر للميت مال آخر وتخرج الدار من الثلث . وأما ثانيا فلأنه إن كان حق الموصى له ثابتا في سكنى جميع الدار بمجرد احتمال ظهور مال آخر للميت وخروج الدار من الثلث فإما أن يكون حق الورثة أيضا ثابتا في سكنى جميع تلك الدار أو لا ، فإن كان الأول يلزم أن يثبت في سكنى جميع الدار [ ص: 487 ] الواحدة في حالة واحدة حقوق أشخاص ، واللازم باطل لاستحالة أن يسكن أشخاص متعددة على حدة في جميع محل واحد في زمان واحد لاستلزامه تداخل الأجسام وظهور بطلان تعلق الحق بأمر محال ، وإن كان الثاني يلزم أن لا يقسم عين الدار بين الموصى له والورثة أثلاثا للانتفاع ، وأن لا يقسم الدار بينهم مهايأة من حيث الزمان أثلاثا لثبوت حق الموصى له في سكنى جميع [ ص: 488 ] الدار وعدم ثبوت حق الورثة في ذلك على الفرض . مع أن المسألة خلاف ذلك كما مر آنفا في الكتاب




الخدمات العلمية