الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : فِي حُكْمِ الْجَهْرِ وَالْإِخْفَاءِ بِالِاسْتِعَاذَةِ اعْلَمْ أَنَّ الْجَهْرَ بِالِاسْتِعَاذَةِ هُوَ الْمَأْخُوذُ بِهِ لَدَى عَامَّةِ الْقُرَّاءِ عِنْدَ افْتِتَاحِ الْقِرَاءَةِ إِلَّا مَا رُوِيَ عَنْ نَافِعٍ وَحَمْزَةَ مِنْ أَنَّهُمَا كَانَا يُخْفِيَانِ -أَيْ يُسِرَّانِ- لَفْظَ الِاسْتِعَاذَةِ فِي جَمِيعِ الْقُرْآنِ . وَلَكِنَّ الْمَشْهُورَ عِنْدَ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ هُوَ الْجَهْرُ لِعَامَّةِ الْقُرَّاءِ لَا فَرْقَ بَيْنَ نَافِعٍ وَحَمْزَةَ وَغَيْرِهِمَا مِنْ بَاقِي الْأَئِمَّةِ . قَالَ الْحَافِظُ أَبُو عَمْرٍو الدَّانِيُّ فِي التَّيْسِيرِ : " وَلَا أَعْلَمُ خِلَافًا بَيْنَ أَهْلِ الْأَدَاءِ فِي الْجَهْرِ بِهَا عِنْدَ افْتِتَاحِ الْقُرْآنِ وَعِنْدَ الِابْتِدَاءِ بِرُءُوسِ الْأَحْزَابِ وَغَيْرِهَا فِي مَذْهَبِ الْجَمَاعَةِ اتِّبَاعًا لِلنَّصِّ وَاقْتِدَاءً بِالسُّنَّةِ " . وَقَالَ : " وَرَوَى إِسْحَاقُ الْمُسَيَّبِيُّ عَنْ نَافِعٍ أَنَّهُ كَانَ يُخْفِيهَا فِي جَمِيعِ الْقُرْآنِ وَرَوَى سُلَيْمٌ عَنْ حَمْزَةَ أَنَّهُ كَانَ يَجْهَرُ بِهَا فِي أَوَّلِ أُمِّ الْقُرْآنِ خَاصَّةً وَيُخْفِيهَا بَعْدَ ذَلِكَ كَذَا قَالَ خَلْفٌ عَنْهُ . وَقَالَ خَلَّادٌ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يُجِيزُ الْجَهْرَ وَالْإِخْفَاءَ جَمِيعًا " ا هـ مِنْهُ بِلَفْظِهِ . وَلَكِنْ قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ الْجَزَرِيِّ فِي النَّشْرِ : " أَطْلِقُوا اخْتِيَارَ الْجَهْرِ فِي الِاسْتِعَاذَةِ مُطْلَقًا وَلَا بُدَّ مِنْ تَقْيِيدِهِ . وَقَدْ قَيَّدَهُ الْإِمَامُ أَبُو شَامَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِحَضْرَةِ مَنْ يَسْمَعُ قِرَاءَتَهُ وَلَا بُدَّ مِنْ ذَلِكَ قَالَ : لِأَنَّ الْجَهْرَ بِالتَّعَوُّذِ إِظْهَارٌ لِشَعَائِرِ الْقِرَاءَةِ كَالْجَهْرِ بِالتَّلْبِيَةِ وَتَكْبِيرَاتِ الْعِيدِ ، وَمِنْ فَوَائِدِهِ أَنَّ السَّامِعَ يُنْصِتُ لِلْقِرَاءَةِ مِنْ أَوَّلِهَا وَلَا يَفُوتُهُ مِنْهَا شَيْءٌ . وَإِذَا أَخْفَى التَّعَوُّذَ لَمْ يَعْلَمِ السَّامِعُ بِالْقِرَاءَةِ إِلَّا بَعْدَ أَنْ فَاتَهُ مِنَ الْمَقْرُوءِ شَيْءٌ . وَهَذَا الْمَعْنَى هُوَ الْفَارِقُ بَيْنَ الْقِرَاءَةِ خَارِجَ الصَّلَاةِ وَفِي الصَّلَاةِ فَإِنَّ الْمُخْتَارَ فِي الصَّلَاةِ الْإِخْفَاءُ لِأَنَّ الْمَأْمُومَ مُنْصِتٌ مِنْ أَوَّلِ الْإِحْرَامِ بِالصَّلَاةِ " ا هـ مِنْهُ بِلَفْظِهِ . وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ الْجَزَرِيِّ فِي النَّشْرِ أَيْضًا : " وَمِنَ الْمَوَاضِعِ الَّتِي يُسْتَحَبُّ فِيهَا الْإِخْفَاءُ إِذَا قَرَأَ خَالِيًا سَوَاءٌ قَرَأَ جَهْرًا أَوْ سِرًّا . وَمِنْهَا إِذَا قَرَأَ سِرًّا فَإِنَّهُ يُسِرُّ أَيْضًا . وَمِنْهَا إِذَا قَرَأَ فِي الدُّورِ وَلَمْ يَكُنْ فِي قِرَاءَتِهِ مُبْتَدِئًا بِالتَّعَوُّذِ لِتَتَّصِلَ الْقِرَاءَةُ وَلَا يَتَخَلَّلَهَا أَجْنَبِيٌّ فَإِنَّ الْمَعْنَى الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ اسْتُحِبَّ الْجَهْرُ وَهُوَ الْإِنْصَاتُ فَقَدْ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ " ا هـ مِنْهُ بِلَفْظِهِ . قُلْتُ : وَيُؤْخَذُ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّ الْجَهْرَ بِلَفْظِ التَّعَوُّذِ لَيْسَ عَلَى إِطْلَاقِهِ كَمَا مَرَّ بَلْ هُنَاكَ حَالَاتٌ يُسْتَحَبُّ فِيهَا الْإِخْفَاءُ وَهِيَ كَالْآتِي : الْأَوَّلُ : إِذَا كَانَ الْقَارِئُ يَقْرَأُ خَالِيًا سَوَاءٌ قَرَأَ سِرًّا أَوْ جَهْرًا . الثَّانِيَةُ : إِذَا كَانَ يَقْرَأُ سِرًّا . الثَّالِثَةُ : إِذَا كَانَ يَقْرَأُ فِي الدُّورِ وَلَمْ يَكُنْ هُوَ الْمُبْتَدِئَ بِالْقِرَاءَةِ وَيُفْهَمُ مِنْ هَذَا أَنَّهُ إِذَا كَانَ هُوَ الْمُبْتَدِئَ بِالْقِرَاءَةِ فِي الدُّورِ فَيَجْهَرُ بِلَفْظِ التَّعَوُّذِ لِأَنَّهُ الْآنَ صَارَ فِي حَضْرَةِ مَنْ يَسْمَعُ قِرَاءَتَهُ كَمَا تَقَدَّمَ وَمَا سِوَى حَالَاتِ الْإِخْفَاءِ هَذِهِ فَيَجْهَرُ الْقَارِئُ بِلَفْظِ التَّعَوُّذِ وَهُوَ تَفْصِيلٌ حَسَنٌ " وَجْهُ الْجَهْرِ بِلَفْظِهِ التَّعَوُّذُ " إِنْصَاتُ السَّامِعِ لِلْقِرَاءَةِ مِنْ أَوَّلِهَا فَلَا يَفُوتُهُ مِنْهَا شَيْءٌ لِمَا هُوَ مُقَرَّرٌ مِنْ أَنَّ لَفْظَ التَّعَوُّذِ شِعَارُ الْقِرَاءَةِ وَعَلَامَتُهَا " وَوَجْهُ الْإِخْفَاءِ " حُصُولُ الْفَرْقِ بَيْنَ مَا هُوَ قُرْآنٌ وَمَا هُوَ لَيْسَ بِقُرْآنٍ لِأَنَّ لَفْظَ التَّعَوُّذِ لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ بِالْإِجْمَاعِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية