الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                جزء صفحة
                                صحيح البخاري 5 - بَابٌ فَضْلُ الصَّلَاةِ لِوَقْتِهَا 504 527 - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ : ثَنَا شُعْبَةُ ، قَالَ : الْوَلِيدُ بْنُ الْعَيْزَارِ أَخْبَرَنِي ، قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا عَمْرٍو الشَّيْبَانِيَّ يَقُولُ : ثَنَا صَاحِبُ هَذِهِ الدَّارِ - وَأَشَارَ إِلَى دَارِ عَبْدِ اللَّهِ - ، قَالَ : سَأَلْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ ؟ قَالَ : ( الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا ) . قَالَ : ثُمَّ أَيٌّ ؟ قَالَ : ( ثُمَّ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ ) . قَالَ : ثُمَّ أَيٌّ ؟ قَالَ : ( الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ) . قَالَ : حَدَّثَنِي بِهِنَّ ، وَلَوِ اسْتَزَدْتُهُ لَزَادَنِي . فتح الباري لابن رجب وَخَرَّجَهُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ بِعَيْنِهِ فِي كِتَابِ الْبِرِّ وَالصِّلَةِ " . وَخَرَّجَهُ أَوَّلَ " الْجِهَادِ " مِنْ طَرِيقِ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ ، عَنِ الْوَلِيدِ ، بِهِ ، وَلَفْظُهُ : سَأَلْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ ؟ قَالَ : ( الصَّلَاةُ عَلَى مِيقَاتِهَا ) - وَذَكَرَ بَاقِيهِ بِمَعْنَاهُ . وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي يَعْفُورٍ ، عَنِ الْوَلِيدِ - بِهَذَا الْإِسْنَادِ - ، قُلْتُ : يَا نَبِيَّ اللَّهِ ، أَيُّ الْأَعْمَالِ أَقْرَبُ إِلَى الْجَنَّةِ ؟ قَالَ : ( الصَّلَاةُ عَلَى مَوَاقِيتِهَا ) - وَذَكَرَ بَاقِيَهُ . وَهَذِهِ الْأَلْفَاظُ مُتَقَارِبَةُ الْمَعْنَى أَوْ مُتَّحِدَةٌ ; لِأَنَّ مَا كَانَ مِنَ الْأَعْمَالِ أَحَبَّ إِلَى اللَّهِ فَهُوَ أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ ، وَهُوَ أُقْرَبُ إِلَى الْجَنَّةِ مَنْ غَيْرِهِ ; فَإِنَّ مَا كَانَ أَحَبَّ إِلَى اللَّهِ فَعَامِلُهُ أُقْرَبُ إِلَى اللَّهِ مَنْ غَيْرِهِ ، كَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيمَا يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّهِ ، قَالَ : ( مَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِمِثْلِ أَدَاءِ مَا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ ، وَلَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أَحَبَّهُ ) - وَذَكَرَ الْحَدِيثَ . خَرَّجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي " الرِّقَاقِ " مِنْ " كِتَابِهِ " هَذَا . وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ : أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ أَدَاءُ مَا فَرَضَ اللَّهُ . وَكَذَا قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي خُطْبَتِهِ . فَدَلَّ حَدِيثُ ابْنُ مَسْعُودٍ هَذَا عَلَى أَنَّ أَفْضَلَ الْأَعْمَالِ وَأَقْرَبَهَا إِلَى اللَّهِ وَأَحَبَّهَا إِلَيْهِ الصَّلَاةُ عَلَى مَوَاقِيتِهَا الْمُؤَقَّتَةِ لَهَا . وَقَدْ رُوِيَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ زِيَادَةٌ ، وَهِيَ : ( الصَّلَاةُ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا ) ، وَقَدْ خَرَّجَهَا ابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ فِي " صَحِيحَيْهِمَا " وَالْحَاكِمُ وَالدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ . وَرُوِيَتْ مِنْ حَدِيثِ عُثْمَانَ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ ، [وَ] مِنْ حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ حَفْصٍ الْمَدَائِنِيِّ ، عَنْ شُعْبَةَ ، وَرُوِيَتْ عَنْ شُعْبَةَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ ، وَفِيهِ نَظَرٌ ، وَرُوِيَتْ مِنْ وُجُوهٍ أُخَرَ . وَاسْتَدَلَّ بِذَلِكَ عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ أَفْضَلُ ، كَمَا اسْتَدَلَّ لِحَدِيثِ أُمِّ فَرْوَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، أَنَّهُ سُئِلَ : أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ ؟ قَالَ : ( الصَّلَاةُ لِأَوَّلِ وَقْتِهَا ) . خَرَّجَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ . وَفِي إِسْنَادِهِ اضْطِرَابٌ - : قَالَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْعُقَيْلِيُّ . وَقَدْ رُوِيَ نَحْوُهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ، إِلَّا أَنَّ إِسْنَادَهُ وَهْمٌ ، وَإِنَّمَا هُوَ حَدِيثُ أُمِّ فَرْوَةَ - : قَالَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي " الْعِلَلِ " . وَرُوِيَ نَحْوُهُ مِنْ حَدِيثِ الشِّفَاءِ بِنْتِ عَبْدِ اللَّهِ . وَفِي قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا - أَوْ عَلَى مَوَاقِيتِهَا ) : دَلِيلٌ - أَيْضًا - عَلَى فَضْلِ أَوَّلِ الْوَقْتِ لِلصَّلَاةِ ; لِأَنَّ " عَلَى " لِلظَّرْفِيَّةِ ، كَقَوْلِهِمْ : ( كَانَ كَذَا عَلَى عَهْدِ فُلَانٍ ) ، وَالْأَفْعَالُ الْوَاقِعَةُ فِي الْأَزْمَانِ الْمُتَّسِعَةِ عَنْهَا لَا تَسْتَقِرُّ فِيهَا ، بَلْ تَقَعُ فِي جُزْءٍ مِنْهَا ، لَكِنَّهَا إِذَا وَقَعَتْ فِي أَوَّلِ ذَلِكَ الْوَقْتِ فَقَدْ صَارَ الْوَقْتُ كُلُّهُ ظَرْفًا لَهَا حُكْمًا . وَلِهَذَا سُمِّيَ الْمُصَلِّي مُصَلِّيًا فِي حَالِ صِلَاتِهِ وَبَعْدَهَا إِمَّا حَقِيقَةً أَوْ مَجَازًا عَلَى اخْتِلَافٍ فِي ذَلِكَ ، وَأَمَّا قَبْلَ الْفِعْلِ فِي الْوَقْتِ فَلَيْسَ بِمُصَلٍّ حَقِيقَةً وَلَا حَكَمًا ، وَإِنَّمَا هُوَ مُصَلٍّ بِمَعْنَى اسْتِبَاحَةِ الصَّلَاةِ فَقَطْ ، فَإِذَا صَلَّى فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ فَإِنَّهُ لَمْ يُسَمَّ مُصَلِّيًا إِلَّا فِي آخِرِ الْوَقْتِ . وَقَوْلُهُ : ( ثُمَّ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ ) لَمَّا كَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ لَهُ أَمٌّ احْتَاجَ إِلَى ذِكْرِ بِرٍّ وَالِدَيْهِ بَعْدَ الصَّلَاةِ ; لِأَنَّ الصَّلَاةَ حَقُّ اللَّهِ وَحَقُّ الْوَالِدَيْنِ مُتَعَقِّبٌ لِحَقِّ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ وَقَوْلُهُ : ( ثُمَّ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ) ; لِأَنَّ الْجِهَادَ فَرْضُ كِفَايَةٍ ، وَالدُّخُولُ فِيهِ بَعْدَ قِيَامِ مَنْ سَقَطَ بِهِ حَقُّ فَرْضِ الْكِفَايَةِ تَطَوُّعٌ إِذَا لَمْ يَتَعَيَّنْ بِحُضُورِ الْعَدُوِّ ، وَلِهَذَا تَقَدَّمَ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ عَلَى الْجِهَادِ إِذَا لَمْ يَتَعَيَّنْ ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُجَاهِدَ مَعَهُ : ( أَلَكَ وَالِدَانِ ؟ ) قَالَ : نَعَمْ . [قَالَ] : ( فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ ) - وَفِي رِوَايَةٍ : ( فَأَمَرَهُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَيْهِمَا ) . فَذَكَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ أَفْضَلَ الْأَعْمَالِ الْقِيَامُ بِحُقُوقِ اللَّهِ الَّتِي فَرَضَهَا عَلَى عِبَادِهِ فَرْضَ ، وَأَفْضَلُهَا : الصَّلَاةُ لِوَقْتِهَا ، ثُمَّ الْقِيَامُ بِحُقُوقِ عِبَادِهِ ، وَآكَدُهُ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ ، ثُمَّ التَّطَوُّعُ بِأَعْمَالِ الْبِرِّ ، وَأَفْضَلُهَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ . وَهَذَا مِمَّا يَسْتَدِلُّ بِهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَمَنْ وَافَقَهُ عَلَى أَنَّ أَفْضَلَ أَعْمَالِ التَّطَوُّعِ الْجِهَادُ . فَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ رُوِيَ خِلَافُ مَا يُفْهَمُ مِنْهُ مَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ ابْنُ مَسْعُودٍ هَذَا ; فَفِي " الصَّحِيحَيْنِ " ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُئِلَ : أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ ؟ قَالَ : ( إِيمَانٌ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ) . قِيلَ : ثُمَّ أَيٌّ ؟ قَالَ : ( الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ) . قِيلَ : ثُمَّ أَيٌّ ؟ قَالَ : ( حَجٌّ مَبْرُورٌ ) . وَفِيهِمَا - أَيْضًا - عَنْ أَبِي ذَرٍّ ، أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ ؟ قَالَ : ( الْإِيمَانُ بِاَللَّهِ ، وَالْجِهَادُ فِي سَبِيلِهِ ) . وَلَمْ يَذْكُرْ فِي هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ الصَّلَاةَ وَلَا بِرَّ الْوَالِدَيْنِ ، وَرُوِيَ نُصُوصٌ أَخَرُ بِأَنَّ الْجِهَادَ أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ مُطْلَقًا ، وَرُوِيَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَفْضَلَ الْأَعْمَالِ ذِكْرُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَجَاءَ ذَلِكَ صَرِيحًا عَنْ جَمَاعَةٍ كَثِيرَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - . قِيلَ : هَذَا مِمَّا أَشْكَلَ فَهْمُهُ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ ، وَذَكَرُوا فِي تَوْجِيهِهِ وَالْجَمْعِ بَيْنَ النُّصُوصِ الْوَارِدَةِ بِهِ وُجُوهًا غَيْرَ مَرْضِيَّةٍ . فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : أَرَادَ بِقَوْلِهِ : " أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ كَذَا " أَيْ : أَنَّ ذَلِكَ مِنْ أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ ، لَا أَنَّهُ أَفْضَلُهَا مُطْلَقًا . وَهَذَا فِي غَايَةِ الْبُعْدِ . وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : أَجَابَ كُلَّ سَائِلٍ بِحَسْبِ مَا هُوَ أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ لَهُ خَاصَّةً كَمَا خَصَّ ابْنَ مَسْعُودٍ بِذِكْرِ الْوَالِدَيْنِ لِحَاجَتِهِ إِلَيْهِ ، وَلَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ لِغَيْرِهِ . لَكِنْ أَبُو هُرَيْرَةَ كَانَتْ لَهُ أَمٌّ - أَيْضًا . وَظَهَرَ لِي فِي الْجَمْعِ بَيْنَ نُصُوصِ هَذَا الْبَابِ مَا أَنَا ذَاكِرُهُ بِحَمْدِ اللَّهِ وَفَضْلِهِ ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ ، فَنَقُولُ : لَا رَيْبَ أَنَّ أَفْضَلَ الْأَعْمَالِ مَا افْتَرَضَهُ اللَّهُ عَلَى عِبَادِهِ ، كَمَا ذَكَرْنَا الدَّلِيلَ عَلَيْهِ فِي أَوَّلِ الْكَلَامِ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ ، وَأَوْلَى الْفَرَائِضِ الْوَاجِبَةِ عَلَى الْعِبَادِ وَأَفْضَلُهَا الْإِيمَانُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ، تَصْدِيقًا بِالْقَلْبِ ، وَنُطْقًا بِاللِّسَانِ ، وَهُوَ النُّطْقُ بِالشَّهَادَتَيْنِ ، وَبِذَلِكَ بُعِثَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَأَمَرَ بِالْقِتَالِ عَلَيْهِ ، وَقَدْ سَبَقَ ذَلِكَ مَبْسُوطًا فِي " كِتَابِ الْإِيمَانِ " . ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ : الْإِتْيَانُ بِبَقِيَّةِ مَبَانِي الْإِسْلَامِ الْخَمْسِ الَّتِي بُنِيَ عَلَيْهَا ، وَهِيَ : الصَّلَاةُ ، وَالزَّكَاةُ ، وَالصِّيَامُ ، وَالْحَجُّ . وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَأْمُرُ مَنْ يَبْعَثُهُ يَدْعُو إِلَى الْإِسْلَامِ أَنْ يَدْعُوَ أَوَّلًا إِلَى الشَّهَادَتَيْنِ ، ثُمَّ إِلَى الصَّلَاةِ ، ثُمَّ إِلَى الصِّيَامِ ، ثُمَّ إِلَى الزَّكَاةِ ، كَمَا أَمَرَ بِذَلِكَ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ لَمَّا أَرْسَلَهُ إِلَى الْيَمَنِ ، وَكَانَ يُعَلِّمُ مَنْ يَسْأَلُهُ عَنِ الْإِسْلَامِ مَبَانِيهِ الْخَمْسَ ، كَمَا فِي حَدِيثِ سُؤَالِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَهُ عَنِ الْإِسْلَامِ ، وَكَمَا فِي حَدِيثِ طَلْحَةَ ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَّمَ الْأَعْرَابِيَّ الَّذِي سَأَلَهُ عَنِ الْإِسْلَامِ الْمَبَانِيَ . فَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا ، فَقَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ لَمَّا سُئِلَ : أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ ؟ قَالَ : ( إِيمَانٌ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ) فَهَذَا وَجْهٌ ظَاهِرٌ ، لَا إِشْكَالَ فِيهِ ; فَإِنَّ الْإِيمَانَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ مُطْلَقًا ، وَسَمَّى الشَّهَادَتَيْنِ مَعَ التَّصْدِيقِ بِهِمَا عَمَلًا ، لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ عَمَلِ الْقَلْبِ وَاللِّسَانِ . وَقَدْ قَرَّرَ الْبُخَارِيُّ ذَلِكَ فِي " كِتَابِ الْإِيمَانِ " وَسَبَقَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي مَوْضِعِهِ . وَقَوْلُهُ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ : ( ثُمَّ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ) ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ : " وَالْجِهَادُ " - بِالْوَاوِ - يَشْهَدُ لَهُ أَنَّ اللَّهَ قَرَنَ بَيْنَ الْإِيمَانِ بِهِ وَبِرَسُولِهِ وَالْجِهَادِ فِي سَبِيلِهِ فِي مَوَاضِعَ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَقَوْلِهِ : هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ الْآيَةَ . فَالْإِيمَانُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ : التَّصْدِيقُ بِهِمَا فِي الْقَلْبِ مَعَ الْإِقْرَارِ بِذَلِكَ بِاللِّسَانِ . وَالْجِهَادُ هُوَ دُعَاءُ النَّاسِ إِلَى ذَلِكَ بِالسَّيْفِ وَالسِّنَانِ ، بَعْدَ دُعَائِهِمْ بِالْحُجَّةِ وَالْبَيَانِ ، وَلِهَذَا يُشْرَعُ الدُّعَاءُ إِلَى الْإِسْلَامِ قَبْلَ الْقِتَالِ . وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ الْجِهَادَ كَانَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ فَرْضَ عَيْنٍ عَلَى الْمُسْلِمِينَ كُلِّهِمْ ، لَا يَسَعُ أَحَدًا التَّخَلُّفُ عَنْهُ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ رَخَّصَ لِأَهْلِ الْأَعْذَارِ ، وَنَزَلَ قَوْلُهُ : وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ ، وَحِينَئِذٍ فَيُحْتَمَلُ جَعْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَفْضَلَ الْأَعْمَالِ بَعْدَ الْإِيمَانِ الْجِهَادَ مَعْنَيَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنْ يُقَالَ : إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ حَيْثُ كَانَ الْجِهَادُ فَرْضَ عَيْنٍ ، فَكَانَ حِينَئِذٍ أَفْضَلَ الْأَعْمَالِ بَعْدَ الْإِيمَانِ ، وَقَرِينًا لَهُ ، فَلَمَّا نَزَلَتِ الرُّخْصَةُ وَصَارَ الْجِهَادُ فَرْضَ كِفَايَةٍ تَأَخَّرَ عَنْ فَرْضِ الْأَعْيَانِ . وَقَدِ اخْتَلَفَ ابْنُ عُمَرَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ فِي عَدِّ الْجِهَادِ مِنْ فَرَائِضِ الْإِسْلَامِ ، فَعَدَّهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو مِنْهَا بَعْدَ الْحَجِّ ، وَأَنْكَرَ ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ عَلَيْهِ ، وَقَالَ : فَرَائِضُهُ تَنْتَهِي إِلَى الْحَجِّ . وَقَدْ رَوَى اخْتِلَافَهُمَا فِي ذَلِكَ أَبُو عُبَيْدٍ فِي " كِتَابِ النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ " وَغَيْرِهِ . وَعَدَّ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ الْجِهَادَ مِنْ سِهَامِ الْإِسْلَامِ ، وَالْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ ، وَأَضَافَهُمَا إِلَى مَبَانِي الْإِسْلَامِ الْخَمْسِ ، وَجَعَلَهَا ثَمَانِيَةَ سِهَامٍ ، وَكَأَنَّهُ جَعْلَ الشَّهَادَتَيْنِ سَهْمَيْنِ . وَالثَّانِي - وَهُوَ أَشْبَهُ - : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إِذَا سُئِلَ عَنْ أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ ، فَتَارَةً يَذْكُرُ الْإِيمَانَ بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ لِدُخُولِهِ فِي مُسَمَّى الْأَعْمَالِ ، كَمَا سَبَقَ تَقْرِيرُهُ ، وَتَارَةً يَذْكُرُ أَعْمَالَ الْجَوَارِحِ ; لِأَنَّ الْمُتَبَادِيَ إِلَى الْفَهْمِ عِنْدَ ذِكْرِ الْأَعْمَالِ مَعَ الْإِطْلَاقِ أَعْمَالُ الْجَوَارِحِ ، دُونَ عَمَلِ الْقَلْبِ وَاللِّسَانِ ، فَكَانَ إِذَا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ ذَلِكَ هُوَ مُرَادُ السَّائِلِ ذَكَرَ الصَّلَاةَ لَهُ ، كَمَا ذَكَرَهَا فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ هَذَا ; فَإِنَّ الصَّلَاةَ أَفْضَلُ أَعْمَالِ الْجَوَارِحِ ، وَحَيْثُ أَجَابَ بِذِكْرِ الْإِيمَانِ أَوْ بِذِكْرِ الصَّلَاةِ ، فَإِنَّمَا مَقْصُودُهُ التَّمْثِيلُ بِأَفْضَلِ مَبَانِي الْإِسْلَامِ ، وَمُرَادُهُ الْمَبَانِي بِجُمْلَتِهَا ; فَإِنَّ الْمَبَانِيَ الْخَمْسَ كَالشَّيْءِ الْوَاحِدِ ، وَكُلُّ مَنْ دَخَلَ فِي الْإِسْلَامِ بِالْإِقْرَارِ بِالشَّهَادَتَيْنِ أَوْ بِالصَّلَاةِ - عَلَى رَأْيِ مَنْ يَرَى فِعْلَهَا إِسْلَامًا - ، فَإِنَّهُ يُؤْمَرُ بِبَقِيَّةِ الْمَبَانِي ، وَيُلْزَمُ بِذَلِكَ ، وَيُقَاتَلُ عَلَى تَرْكِهِ . وَفِي حَدِيثٍ خَرَّجَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ . أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : ( أَرْبَعٌ فَرَضَهُنَّ اللَّهُ فِي الْإِسْلَامِ ، فَمَنْ أَتَى بِثَلَاثٍ لَمْ يُغْنِينَ عَنْهُ شَيْئًا حَتَّى يَأْتِيَ بِهِنَّ جَمِيعًا : الصَّلَاةُ ، وَالزَّكَاةُ ، وَصِيَامُ رَمَضَانَ ، [وَحَجُّ الْبَيْتِ] ) . وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ : ( الدِّينُ خَمْسٌ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُنَّ شَيْئًا دُونَ شَيْءٍ ) - فَذَكَرَ مَبَانِيَ الْإِسْلَامِ الْخَمْسِ ، وَأَنَّ مَنْ أَتَى بِبَعْضِهَا دُونَ بَعْضٍ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ . وَنَفْيُ الْقَبُولِ لَهَا بِمَعْنَى نَفْيِ الرِّضَا بِذَلِكَ وَاسْتِكْمَالِ الثَّوَابِ عَلَيْهِ ، وَحِينَئِذٍ فَذِكْرُ بَعْضِ الْمَبَانِي مُشْعِرٌ بِالْبَاقِي مِنْهَا ، فَكَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَارَةً يَكْتَفِي فِي جَوَابِ مَنْ سَأَلَهُ عَنْ أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ بِالشَّهَادَتَيْنِ ، وَتَارَةً بِالصَّلَاةِ ، وَمُرَادُهُ فِي كِلَا الْجَوَّابِينَ سَائِرُ الْمَبَانِي ، لَكِنَّهُ خَصَّ بِالذِّكْرِ أَشْرَفَهَا ، فَكَأَنَّهُ قَالَ : الشَّهَادَتَانِ وَتَوَابِعُهُمَا ، وَالصَّلَاةُ وَتَوَابِعُهَا وَلَوَازِمُهَا ، وَهُوَ بَقِيَّةُ الْمَبَانِي الْخَمْسِ . وَيَشْهَدُ لِهَذَا : قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ ) . فَتَوَهَّمَ طَائِفَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ أَنَّ مُرَادَهُ أَنَّ مُجَرَّدَ هَذِهِ الْكَلِمَةِ يَعْصِمُ الدَّمَ حَتَّى تَوَقَّفُوا فِي قِتَالِ مَنْ مَنَعَ الزَّكَاةَ ، حَتَّى بَيَّنَ لَهُمْ أَبُو بَكْرٍ - وَرَجَعَ الصَّحَابَةُ إِلَى قَوْلِهِ - : أَنَّ الْمُرَادَ : الْكَلِمَتَانِ بِحُقُوقِهِمَا وَلَوَازِمِهِمَا ، وَهُوَ الْإِتْيَانُ بِبَقِيَّةِ مَبَانِي الْإِسْلَامِ . وَقَدْ تَبَيَّنَ صِحَّةُ قَوْلِهِمْ بِرِوَايَاتٍ أُخَرَ تُصَرِّحُ بِإِضَافَةِ إِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ إِلَى الشَّهَادَتَيْنِ فِي شَرْطِ عِصْمَةِ الدَّمِ . وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ قَالَ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ لَمْ تَمَسَّهُ النَّارُ - أَوْ دَخَلَ الْجَنَّةَ ) . إِنَّمَا أَرَادَ الشَّهَادَتَيْنِ بِلَوَازِمِهِمَا وَتَوَابِعِهِمَا ، وَهُوَ الْإِتْيَانُ بِبَقِيَّةِ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ وَمَبَانِيهِ . وَفِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَدَّمَ بِرَّ الْوَالِدَيْنِ عَلَى الْجِهَادِ إِشَارَةً إِلَى أَنَّ حُقُوقَ الْعِبَادِ اللَّازِمَةَ الَّتِي هِيَ مِنْ فُرُوضِ الْأَعْيَانِ تُقَدَّمُ عَلَى التَّطَوُّعِ بِالْجِهَادِ . وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي ذَرٍّ فِيهِمَا اقْتِرَانُ الْجِهَادِ بِالْإِيمَانِ ، لَكِنَّهُ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ جَعَلَهُ بَعْدَ الْإِيمَانِ ، وَجَعَلَ بَعْدَهُ الْحَجَّ الْمَبْرُورَ ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ : كَانَ ذَلِكَ فِي زَمَانٍ كَانَ الْجِهَادُ فِيهِ فَرْضَ عَيْنٍ ، فَكَانَ مُقَدَّمًا عَلَى الْحَجِّ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ : قَدْ فَهِمَ دُخُولَ الْحَجِّ مِنْ ذِكْرِ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ يَتْبَعُهُ بَقِيَّةُ مَبَانِي الْإِسْلَامِ ، وَمِنْهَا الْحَجُّ ، لَا سِيَّمَا وَقَدْ تَقَرَّرَ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ أَنَّ الْإِيمَانَ قَوْلٌ وَعَمَلٌ وَيَكُونُ الْمُرَادُ بِهِ جِهَادُ الْمُتَطَوِّعِ . وَهَذَا أَشْبَهُ بِقَوَاعِدِ الشَّرِيعَةِ ; فَإِنَّ مَنْ مَعَهُ مَالٌ ، وَعَلَيْهِ زَكَاةٌ أَوْ حَجٌّ ، وَأَرَادَ التَّطَوُّعَ بِالْجِهَادِ ، فَإِنَّهُ لَا خِلَافَ أَنَّهُ يُقَدِّمُ الزَّكَاةَ وَالْحَجَّ عَلَى التَّطَوُّعِ بِالْجِهَادِ ، كَمَا قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ : حَجَّةٌ قَبْلَ الْغَزْوِ أَفْضَلُ مِنْ عَشْرِ غَزَوَاتٍ ، وَغَزْوَةٌ بَعْدَ حَجَّةٍ أَفْضَلُ مِنْ عَشْرِ حَجَّاتٍ . وَرُوِيَ - مَرْفُوعًا - مِنْ وُجُوهٍ فِي أَسَانِيدِهَا مَقَالٌ . فَتَبَيَّنَ بِهَذَا التَّقْرِيرِ أَنَّ الْأَحَادِيثَ كُلَّهَا دَالَّةٌ عَلَى أَنَّ أَفْضَلَ الْأَعْمَالِ الشَّهَادَتَانِ مَعَ تَوَابِعِهِمَا ، وَهِيَ بَقِيَّةُ مَبَانِي الْإِسْلَامِ ، أَوِ الصَّلَاةُ مَعَ تَوَابِعِهَا - أَيْضًا - مِنْ فَرَائِضِ الْأَعْيَانِ الَّتِي هِيَ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، ثُمَّ يَلِي ذَلِكَ فِي الْفَضْلِ حُقُوقُ الْعِبَادِ الَّتِي هِيَ مِنْ فُرُوضِ الْأَعْيَانِ ، كَبِرِّ الْوَالِدَيْنِ ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ [أَعْمَالُ] التَّطَوُّعِ الْمُقَرِّبَةُ إِلَى اللَّهِ ، وَأَفْضَلُهَا الْجِهَادُ . وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ تَأْخِيرُ الْحَجِّ عَنِ الْجِهَادِ ، وَلَعَلَّهُ إِنَّمَا ذَكَرَهُ بَعْدَ الْجِهَادِ حَيْثُ كَانَ الْحَجُّ تَطَوُّعًا ، فَإِنَّ الصَّحِيحَ أَنَّ فَرْضَهُ تَأَخَّرَ إِلَى عَامِ الْوُفُودِ . وَقَدْ يُقَالُ : حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ دَلَّ عَلَى أَنَّ جِنْسَ الْجِهَادِ أَشْرَفُ مِنْ جِنْسِ الْحَجِّ ، فَإِنْ عَرَضَ لِلْحَجِّ وَصْفٌ يَمْتَازُ بِهِ عَلَى الْجِهَادِ وَهُوَ كَوْنُهُ فَرْضَ عَيْنٍ ، كَانَ ذَلِكَ الْحَجُّ الْمَخْصُوصُ أَفْضَلَ مِنَ الْجِهَادِ ، وَإِلَّا فَالْجِهَادُ أَفْضَلُ مِنْهُ . فَهَذِهِ الثَّلَاثَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ هِيَ رَأْسُ الْإِسْلَامِ وَعَمُودُهُ وَذُرْوَةُ سَنَامِهِ ، كَمَا فِي حَدِيثِ مُعَاذٍ : ( فَرَأْسُهُ الشَّهَادَتَانِ ، وَعَمُودُهُ الصَّلَاةُ ، وَذُرْوَةُ سَنَامِهِ الْجِهَادُ ) . وَالْجِهَادُ أُفْضَلُ مَا تُطُوِّعَ بِهِ مِنَ الْأَعْمَالِ ، عَلَى مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ النُّصُوصُ الصَّحِيحَةُ الْكَثِيرَةُ ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ . وَفِي " الصَّحِيحَيْنِ " عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، قَالَ : ( أَفْضَلُ النَّاسِ مُؤْمِنٌ آخِذٌ بِعِنَانِ فَرَسِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، ثُمَّ رَجُلٌ مُعْتَزِلٌ فِي شِعْبٍ مِنَ الشِّعَابِ يَعْبُدُ رَبَّهُ وَيَدَعُ النَّاسَ مِنْ شَرِّهٍ ) . فَهَذَا نَصٌّ فِي أَنَّ الْمُجَاهِدَ أَفْضَلُ مِنَ الْمُتَخَلِّي لِنَوَافِلِ الْعِبَادَاتِ مِنَ الصَّلَاةِ وَالذِّكْرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ ، فَأَمَّا النُّصُوصُ الَّتِي جَاءَتْ بِتَفْضِيلِ الذَّكَرِ عَلَى الْجِهَادِ وَغَيْرِهِ مِنَ الْأَعْمَالِ ، وَأَنَّ الذَّاكِرِينَ لِلَّهِ أَفْضَلُ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ مُطْلَقًا ; فَالْمُرَادُ بِذَلِكَ أَهْلُ الذِّكْرِ الْكَثِيرِ الْمُسْتَدَامِ فِي أَغْلَبِ الْأَوْقَاتِ . وَلَيْسَ الذَّكَرُ مِمَّا يَقْطَعُ عَنْ غَيْرِهِ مِنَ الْأَعْمَالِ كَبَقِيَّةِ الْأَعْمَالِ ، بَلْ يُمْكِنُ اجْتِمَاعُ الذِّكْرِ مَعَ سَائِرِ الْأَعْمَالِ ، فَمَنْ عَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا ، وَكَانَ أَكْثَرَ لِلَّهِ ذِكْرًا فِيهِ مِنْ غَيْرِهِ فَهُوَ أَفْضَلُ مِمَّنْ عَمِلَ مِثْلَ ذَلِكَ الْعَمَلِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَذْكُرَ اللَّهَ مَعَهُ . وَقَدْ وَرَدَ فِي نُصُوصٍ مُتَعَدِّدَةٍ أَنَّ أَفْضَلَ الْمُصَلِّينَ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُجَاهِدِينَ وَالْحَاجِّ وَغَيْرِهِمْ مَنْ أَهَلِ الْعِبَادَاتِ أَكْثَرُهُمْ لِلَّهِ ذِكْرًا . وَقَدْ خَرَّجَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ مُتَّصِلًا ، وَخَرَّجَهُ ابْنُ الْمُبَارَكِ وَغَيْرُهُ مُرْسَلًا . فَهَؤُلَاءِ أَفْضَلُ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ ، ثُمَّ يَلِيهِمُ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ كَثِيرًا وَلَيْسَ لَهُمْ نَوَافِلُ مِنْ غَيْرِ الذِّكْرِ كَالْجِهَادِ وَغَيْرِهِ ، بَلْ يَقْتَصِرُونَ مَعَ الذِّكْرِ عَلَى فَرَائِضِ الْأَعْيَانِ ، فَهَؤُلَاءِ هُمُ الذَّاكِرُونَ لِلَّهِ كَثِيرًا ، الْمُفَضَّلُونَ عَلَى الْمُجَاهِدِينَ ، وَيَلِيهِمْ قَوْمٌ يَقُومُونَ بِالْفَرَائِضِ وَبِالنَّوَافِلِ كَالْجِهَادِ وَغَيْرِهِ مِنْ غَيْرِ ذِكْرٍ كَثِيرٍ لَهُمْ . وَإِنَّمَا قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِمَنْ سَأَلَهُ عَمَّا يَعْدِلُ الْجِهَادَ : ( هَلْ تَسْتَطِيعُ إِذَا خَرَجَ الْمُجَاهِدُ أَنْ تَصُومَ وَلَا تُفْطِرَ ، وَتَقُومَ وَلَا تَفْتُرَ ؟ ) . قَالَ : لَا . قَالَ : ( فَذَلِكَ الَّذِي يَعْدِلُ الْجِهَادَ ) ; لِأَنَّهُ سَأَلَهُ عَنْ عَمَلٍ يُنْشِئُهُ عِنْدَ خُرُوجِ الْمُجَاهِدِ يُعَادِلُ فَضْلَ جِهَادِهِ . وَأَمَّا الذَّاكِرُونَ لِلَّهِ كَثِيرًا ، فَإِنَّمَا فُضِّلُوا عَلَى الْمُجَاهِدِينَ بِغَيْرِ ذِكْرٍ ; لِأَنَّ لَهُمْ عَمَلًا مُسْتَمِرًّا دَائِمًا قَبْلَ جِهَادِ الْمُجَاهِدِينَ ، وَمَعَهُ وَبُعْدَهُ ، فَبِذَلِكَ فُضِّلُوا عَلَى الْمُجَاهِدِينَ بِغَيْرِ ذِكْرٍ كَثِيرٍ . وَبِهَذَا تَجْتَمِعُ النُّصُوصُ الْوَارِدَةُ فِي ذَلِكَ . وَأَمَّا حَدِيثُ : ( خَيْرُ الْإِسْلَامِ إِطْعَامُ الطَّعَامِ وَإِفْشَاءُ السَّلَامِ ) فَقَدْ سَبَقَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ ، وَأَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ تَفْضِيلَ هَاتَيْنِ الْخِصْلَتَيْنِ عَلَى سَائِرِ خِصَالِ الْإِسْلَامِ مِنَ الشَّهَادَتَيْنِ وَالصَّلَاةِ وَغَيْرِهِمَا ، بَلِ الْمُرَادُ أَنَّ أَفْضَلَ أَهْلِ الْإِسْلَامِ الْقَائِمِينَ بِخِصَالِهِ الْمَفْرُوضَةِ مِنَ الشَّهَادَتَيْنِ وَالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالزَّكَاةِ وَالْحَجِّ ، مَنْ قَامَ بَعْدَ ذَلِكَ بِإِطْعَامِ الطَّعَامِ وَإِفْشَاءِ السَّلَامِ . فَإِنْ قِيلَ : فَيَكُونُ التَّطَوُّعُ بِذَلِكَ أَفْضَلَ مِنَ التَّطَوُّعِ بِالْجِهَادِ وَالْحَجِّ . قِيلَ : فِيهِ تَفْصِيلٌ : فَإِنْ كَانَ إِطْعَامُ الطَّعَامِ فَرْضَ عَيْنٍ كَنَفَقَةِ مَنْ تَلْزَمُ نَفَقَتُهُ مِنَ الْأَقَارِبِ فَلَا رَيْبَ أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنَ التَّطَوُّعِ بِالنَّفَقَةِ فِي الْجِهَادِ وَالْحَجِّ ، فَإِنْ كَانَ تَطَوُّعًا ، فَإِنْ كَانَ صِلَةَ رَحِمٍ فَهُوَ أَفْضَلُ مِنَ الْجِهَادِ وَالْحَجِّ ، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ وَكَذَا إِنْ كَانَ فِي عَامِ مَجَاعَةٍ وَنَحْوِهَا ، فَهُوَ أَفْضَلُ مِنَ الْحَجِّ عِنْدَ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ، وَقَدْ يُقَالُ فِي الْجِهَادِ كَذَلِكَ إِذَا لَمْ يَتَعَيَّنْ . وَهَذَا الْكَلَامُ كُلُّهُ فِي تَفْضِيلِ بَعْضِ الْأَعْمَالِ عَلَى بَعْضِ لِذَاتِهَا ، فَأَمَّا تَفْضِيلُ بَعْضِ الْأَعْمَالِ عَلَى بَعْضٍ لِزَمَانِهَا أَوْ مَكَانِهَا فَإِنَّهُ قَدْ يَقْتَرِنُ بِالْعَمَلِ الْمَفْضُولِ مِنْ زَمَانٍ أَوْ مَكَانٍ مَا يَصِيرُ بِهِ فَاضِلًا ، فَهَذَا فِيهِ كَلَامٌ آخَرُ نَذْكُرُهُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى .

                                ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                الخدمات العلمية