الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                جزء صفحة
                                صحيح البخاري وَقَالَ : 519 544 - نَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ ، قَالَ : نَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ ، عَنْ هِشَامٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ لَمْ تَخْرُجْ مِنْ حُجْرَتِهَا. 520 545 - ثَنَا قُتَيْبَةُ : ثَنَا اللَّيْثُ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ فِي حُجْرَتِهَا ، لَمْ يَظْهَرِ الْفَيْءُ مِنْ حُجْرَتِهَا . 521 546 - ثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ : نَا ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ : كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي صَلَاةَ الْعَصْرِ وَالشَّمْسُ طَالِعَةٌ فِي حُجْرَتِي ، لَمْ يَظْهَرِ الْفَيْءُ بَعْدُ . قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ : وَقَالَ مَالِكٌ ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، وَشُعَيْبُ ، وَابْنُ أَبِي حَفْصَةَ : وَالشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ تَظْهَرَ . فتح الباري لابن رجب حَدِيثُ مَالِكٍ هَذَا الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ ، قَدْ خَرَّجَهُ فِي أَوَّلِ " كِتَابِ : الْمَوَاقِيتِ " فِي ضِمْنٍ حَدِيثِ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ ، مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، وَلَفْظُهُ : قَالَ عُرْوَةُ : وَلَقَدْ حَدَّثَتْنِي عَائِشَةُ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُصَلِّي الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ فِي حُجْرَتِهَا ، قَبْلَ أَنْ تَظْهَرَ . وَكَانَ مَقْصُودُ عُرْوَةَ : الِاحْتِجَاجُ عَلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - حَيْثُ أَخَّرَ الْعَصْرَ يَوْمًا شَيْئًا ، فَأَخْبَرَهُ عُرْوَةُ بِهَذَا الْحَدِيثِ ، مُسْتَدِلًّا بِهِ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُعَجِّلُ الْعَصْرَ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا . وَوِجْهَةُ الدَّلَالَةِ مِنَ الْحَدِيثِ عَلَى تَعْجِيلِ الْعَصْرِ : أَنَّ الْحُجْرَةَ الضَّيِّقَةَ الْقَصِيرَةَ الْجُدْرَانِ يُسْرِعُ ارْتِفَاعُ الشَّمْسِ مِنْهَا ، وَلَا تَكُونُ الشَّمْسُ فِيهَا مَوْجُودَةً ، إِلَّا وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ فِي الْأُفُقِ جِدًّا . وَفَسَّرَ الْهَرَوِيُّ وَغَيْرُهُ : ظُهُورَ الشَّمْسِ مِنَ الْحُجْرَةِ بِعُلُوِّهَا عَلَى السَّطْحِ ، فَيَكُونُ الظُّهُورُ الْعُلُوَّ ، وَمِنْهُ : قَوْلُهُ تَعَالَى : وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ وَقَوْلُهُ تَعَالَى : فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَقَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ " . وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي مَعْنَى ظُهُورِ الشَّمْسِ مِنَ الْحُجْرَةِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ قَوْلَيْنِ : أَحَدُهُمَا : الْعُلُوُّ كَمَا تَقَدَّمَ . وَالثَّانِي : أَنَّ مَعْنَاهُ خُرُوجُ الشَّمْسِ مِنْ قَاعَةِ الْحُجْرَةِ . قَالَ : وَكُلُّ شَيْءٍ خَرَجَ فَقَدْ ظَهَرَ . قُلْتُ : وَرِوَايَةُ أَبِي ضَمْرَةَ أَنَسِ بْنِ عِيَاضٍ ، عَنْ هِشَامٍ الَّتِي خَرَّجَهَا الْبُخَارِيُّ هَاهُنَا تَدُلُّ عَلَى هَذِهِ ; لِأَنَّهُ قَالَ فِي رِوَايَتِهِ : " وَالشَّمْسُ لَمْ تَخْرُجْ مِنْ حُجْرَتِهَا " ، وَفِي رِوَايَةِ اللَّيْثِ وَغَيْرِهِ : " لَمْ يَظْهَرِ الْفَيْءُ مِنْ حُجْرَتِهَا " . وَالْفَيْءُ : هُوَ الظِّلُّ بَعْدَ الزَّوَالِ بِذَهَابِ الشَّمْسِ مِنْهُ ، وَالْمَعْنَى : أَنَّ الْفَيْءَ لَمْ يَعُمَّ جَمِيعَ حُجْرَتِهَا ، بَلِ الشَّمْسُ بَاقِيَةٌ فِي بَعْضِهَا . وَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ ، فَيَكُونُ مَعْنَى ظُهُورِ الْفَيْءِ مِنَ الْحُجْرَةِ : وُجُودَهُ وَبَيَانَهُ وَوُضُوحَهُ . وَفَسَّرَ - أَيْضًا - ظُهُورَهُ : بِعُلُوِّهِ لِجُدُرِ الْحُجْرَةِ . وَفَسَّرَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الْهَمْدَانِيُّ فِي " صَحِيحِهِ " ظُهُورَ الْفَيْءِ بِغَلَبَتِهِ عَلَى الشَّمْسِ . قَالَ : وَالْمَعْنَى : لَمْ يَكُنِ الْفَيْءُ أَكْثَرَ مِنَ الشَّمْسِ حِينَ صَلَّى الْعَصْرَ ، كَمَا يُقَالُ : ظَهَرَ فَلَانٌ عَلَى فُلَانٍ إِذَا غَلَبَ عَلَيْهِ . وَفِي بَعْضِ رِوَايَاتِ ابْنِ عُيَيْنَةَ لِهَذَا الْحَدِيثِ زِيَادَةٌ : " بَيْضَاءُ نَقِيَّةٌ " . وَأَمَّا رِوَايَةُ أَبِي أُسَامَةَ ، عَنْ هِشَامٍ الَّتِي ذَكَرَهَا الْبُخَارِيُّ - تَعْلِيقًا - : " وَالشَّمْسُ فِي قَعْرِ حُجْرَتِهَا " ، فَهَذِهِ الرِّوَايَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الشَّمْسَ كَانَتْ مَوْجُودَةً فِي وَسَطِ الْحُجْرَةِ وَأَرْضِهَا ، لَمْ تَظْهَرْ عَلَى جُدْرَانِ الْحُجْرَةِ . وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ تَدُلُّ عَلَى شِدَّةِ تَعْجِيلِ الْعَصْرِ أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِهَا مِنَ الرِّوَايَاتِ ، فَإِنَّ بَقِيَّةَ الرِّوَايَاتِ إِنَّمَا تَدُلُّ عَلَى بَقَاءِ الشَّمْسِ فِي الْحُجْرَةِ لَمْ تَخْرُجْ مِنْهَا ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ مَوْجُودَةً عَلَى حِيطَانِ الْحُجْرَةِ قَدْ قَارَبَتِ الْخُرُوجَ . وَرِوَايَةُ أَبِي أُسَامَةَ تَدَلُّ عَلَى أَنَّ الشَّمْسَ كَانَتْ مَوْجُودَةً فِي أَرْضِ الْحُجْرَةِ . وَقَدْ خَرَّجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ فِي " صَحِيحِهِ " وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُسَامَةَ ، عَنْ هِشَامٍ ، عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ فِي قَعْرِ حُجْرَتِي . وَخَرَّجَهُ الْبَيْهَقِيُّ - أَيْضًا - مِنْ طَرِيقِ أَبِي مُعَاوِيَةَ : نَا هِشَامٌ - فَذَكَرَهُ ، وَقَالَ : " وَالشَّمْسُ بَيْضَاءُ فِي قَعْرِ حُجْرَتِي طَالِعَةٌ " . وَحَكَى عَنِ الشَّافِعِيِّ ، أَنَّهُ قَالَ : هَذَا مِنْ أَبْيَنِ مَا رُوِيَ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ ; لِأَنَّ حُجَرَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي مَوْضِعٍ مُنْخَفِضٍ مَنَ الْمَدِينَةِ ، وَلَيْسَتْ بِالْوَاسِعَةِ ، وَذَلِكَ أَقْرَبُ لَهَا مِنْ أَنْ تَرْتَفِعَ الشَّمْسُ مِنْهَا فِي أَوَّلِ وَقْتِ الْعَصْرِ .

                                ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                الخدمات العلمية