الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                  صحيح البخاري 231 ( وَصَلَّى أَبُو مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي دَارِ الْبَرِيدِ، وَالسِّرْقِينِ، وَالْبَرِّيَّةُ إِلَى جَنْبِهِ، فَقَالَ: هَا هُنَا وَثَمَّ سَوَاءٌ ). عمدة القاري هَذَا الْأَثَرُ وَصَلَهُ أَبُو نُعَيْمٍ شَيْخُ الْبُخَارِيِّ فِي كِتَابِ (الصَّلَاةِ) لَهُ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحَارِثِ هُوَ السُّلَمِيُّ الْكُوفِيُّ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: صَلَّى بِنَا أَبُو مُوسَى فِي دَارِ الْبَرِيدِ، وَهُنَاكَ سِرْقِينُ الدَّوَابِّ، وَالْبَرِّيَّةُ عَلَى الْبَابِ، فَقَالُوا: لَوْ صَلَّيْتَ عَلَى الْبَابِ، فَذَكَرَهُ، وَهَذَا تَفْسِيرٌ لَمَا ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ مُعَلَّقًا، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ أَيْضًا فِي (مُصَنَّفِهِ)، فَقَالَ: ثَنَا وَكِيعٌ، ثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كُنَّا مَعَ أَبِي مُوسَى فِي دَارِ الْبَرِيدِ، فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ، فَصَلَّى بِنَا عَلَى رَوْثٍ وَتِبْنٍ، فَقُلْنَا: لَا نُصَلِّي هَا هُنَا، وَالْبَرِّيَّةُ إِلَى جَنْبِكَ، فَقَالَ: الْبَرِّيَّةُ، وَهَا هُنَا سَوَاءٌ، وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ : رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ وَسُفْيَانَ، كِلَاهُمَا عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: صَلَّى بِنَا أَبُو مُوسَى عَلَى مَكَانٍ فِيهِ سِرْقِينٌ، وَهَذَا لَفْظُ سُفْيَانَ، وَقَالَ شُعْبَةُ : رَوْثُ الدَّوَابِّ، قَالَ: وَرُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ غَيْرِهِمَا: وَالصَّحْرَاءُ أَمَامَهُ، وَقَالَ: هَا هُنَا وَهُنَاكَ سَوَاءٌ، وَأَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قَيْسٍ تَقَدَّمَ فِي بَابِ: أَيُّ الْإِسْلَامِ أَفْضَلُ؟ قَوْلُهُ: " فِي دَارِ الْبَرِيدِ " وَهِيَ دَارٌ يَنْزِلُهَا مَنْ يَأْتِي بِرِسَالَةِ السُّلْطَانِ، وَالْمُرَادُ مِنْ دَارَ الْبَرِيدِ هَا هُنَا مَوْضِعٌ بِالْكُوفَةِ كَانَتِ الرُّسُلُ تَنْزِلُ فِيهِ إِذَا حَضَرُوا مِنَ الْخُلَفَاءِ إِلَى الْأُمَرَاءِ، وَكَانَ أَبُو مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَمِيرًا عَلَى الْكُوفَةِ فِي زَمَنِ عُمَرَ، وَفِي زَمَنِ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، وَكَانَ الدَّارُ فِي طَرَفِ الْبَلَدِ، وَلِهَذَا كَانَتِ الْبَرِّيَّةُ إِلَى جَنْبِهَا، وَالْبَرِيدُ بِفَتْحِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ الْمُرَتَّبُ، وَالرَّسُولُ، وَاثْنَا عَشَرَ مِيلًا، قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ . قَوْلُهُ: " وَالسِّرْقِينُ "، بِكَسْرِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ، وَسُكُونِ الرَّاءِ هُوَ الزِّبْلُ، وَحَكَى فِيهِ ابْنُ سِيدَهْ فَتْحَ أَوَّلِهِ، وَهُوَ فَارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ، وَيُقَالُ لَهُ: السِّرْجِينُ بِالْجِيمِ، وَهُوَ فِي الْأَصْلِ حَرْفٌ بَيْنَ الْقَافِ وَالْجِيمِ يَقْرُبُ مِنَ الْكَافِ. قَوْلُهُ: " وَالْبَرِّيَّةُ " بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ آخِرِ الْحُرُوفِ الصَّحْرَاءُ، قَالَ صَاحِبُ (الْمُحْكَمِ): هِيَ مَنْسُوبَةٌ إِلَى الْبَرِّ، وَالْجَمْعُ الْبَرَارِيُّ. قَوْلُهُ: " جَنْبَهُ " الْجَنْبُ، وَالْجَانِبُ، وَالْجَنْبَةُ: النَّاحِيَةُ، وَيُقَالُ: قَعَدْتُ إِلَى جَنْبِ فُلَانٍ، وَإِلَى جَانِبِ فُلَانٍ بِمَعْنًى. قَوْلُهُ: " وَثَمَّ " بِفَتْحِ الثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ، وَهُوَ اسْمٌ يُشَارُ بِهِ إِلَى الْمَكَانِ الْبَعِيدِ نَحْوُ: "وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ"، وَهُوَ ظَرْفٌ لَا يَتَصَرَّفُ؛ فَلِذَلِكَ غَلِطَ مَنْ أَعْرَبَهُ مَفْعُولًا "لِرَأَيْتَ" فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ . قَوْلُهُ: " سَوَاءٌ " يَعْنِي فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ، ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ قَوْلَهُ: "وَالسِّرْقِينِ" يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلَى الدَّارِ وَعَلَى الْبَرِيدِ، قَالَ الْكِرْمَانِيُّ : وَيُرْوَى بِالرَّفْعِ، وَلَمْ يَذْكُرْ وَجْهَهُ، قُلْتُ: وَجْهُهُ أَنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً. وَقَوْلُهُ: "وَالْبَرِّيَّةُ" بِالرَّفْعِ عَطْفٌ عَلَيْهِ . وَقَوْلُهُ: "إِلَى جَنْبِهِ" خَبَرُهُ، وَيَكُونُ مَحَلُّ الْجُمْلَةِ النَّصْبَ عَلَى الْحَالِ، وَعَلَى تَقْدِيرِ جَرِّ السِّرْقِينِ يَكُونُ ارْتِفَاعُ الْبَرِّيَّةِ عَلَى الِابْتِدَاءِ، وَمَا بَعْدَهُ خَبَرُهُ، وَالْجُمْلَةُ حَالٌ أَيْضًا، وَفَاعِلُ "قَالَ" أَبُو مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ. قَوْلُهُ: " هَا هُنَا " اسْمُ مَوْضِعٍ، وَمَحَلُّهُ رَفَعٌ عَلَى الِابْتِدَاءِ، "وَثَمَّ" عَطْفٌ عَلَيْهِ، وَخَبَرُهُ قَوْلُهُ: " سَوَاءٌ " يَعْنِي أَنَّهُمَا مُتَسَاوِيَانِ فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : قَوْلُهُ: "أَبْوَالُ الْإِبِلِ وَالدَّوَابِّ" وَافَقَ الْبُخَارِيُّ فِيهِ أَهْلَ الظَّاهِرِ، وَقَاسَ بَوْلَ مَا يَكُونُ مَأْكُولًا لَحْمُهُ عَلَى بَوْلِ الْإِبِلِ؛ وَلِذَلِكَ قَالَ: وَصَلَّى أَبُو مُوسَى فِي دَارِ الْبَرِيدِ وَالسِّرْقِينِ، لِيَدُلَّ عَلَى طَهَارَةِ أَرْوَاثِ الدَّوَابِّ وَأَبْوَالِهَا، وَلَا حُجَّةَ لَهُ فِيهَا؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ صَلَّى عَلَى ثَوْبٍ بَسَطَهُ فِيهِ، أَوْ فِي مَكَانٍ يَابِسٍ لَا تَعْلَقُ بِهِ نَجَاسَةٌ، وَقَدْ قَالَ عَامَّةُ الْفُقَهَاءِ: إِنَّ مَنْ بَسَطَ عَلَى مَوْضِعٍ نَجِسٍ بِسَاطًا، وَصَلَّى فِيهِ إِنَّ صَلَاتَهُ جَائِزَةٌ، وَلَوْ صَلَّى عَلَى السِّرْقِينِ بِغَيْرِ بِسَاطٍ لَكَانَ مَذْهَبًا لَهُ، وَلَمْ تَجُزْ مُخَالَفَةُ الْجَمَاعَةِ بِهِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ نُصْرَةً لِلْبُخَارِيِّ وَرَدًّا عَلَى ابْنِ بَطَّالٍ، وَأُجِيبَ: بِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ، وَقَدْ رَوَاهُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ فِي (جَامِعِهِ) عَنِ الْأَعْمَشِ بِسَنَدِهِ، وَلَفْظُهُ: صَلَّى بِنَا أَبُو مُوسَى عَلَى مَكَانٍ فِيهِ سِرْقِينٌ، وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ بِغَيْرِ حَائِلٍ، قَلْتُ: الظَّاهِرُ أَنَّهُ كَانَ بِحَائِلٍ؛ لِأَنَّ شَأْنَهُ يَقْتَضِي أَنْ يَحْتَرِزَ عَنِ الصَّلَاةِ عَلَى عَيْنِ السِّرْقِينِ، ثُمَّ قَالَ هَذَا الْقَائِلُ: وَقَدْ رَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، وَغَيْرِهِ: أَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى الطِّنْفِسَةِ مُحْدَثٌ ، إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ، قُلْتُ: أَرَادَ بِهَذَا تَأْيِيدَ مَا قَالَهُ، وَلَكِنَّهُ لَا يُجْدِيهِ؛ لِأَنَّ كَوْنَ الصَّلَاةِ عَلَى الطِّنْفِسَةِ مُحْدَثَةً لَا يَسْتَلْزِمُ أَنْ يَكُونَ عَلَى الْحَصِيرِ وَنَحْوِهِ كَذَلِكَ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَبُو مُوسَى قَدْ صَلَّى فِي دَارِ الْبَرِيدِ وَالسِّرْقِينِ عَلَى حَصِيرٍ أَوْ نَحْوِهِ، وَهُوَ الظَّاهِرُ، عَلَى أَنَّ الطِّنْفِسَةَ بِكَسْرِ الطَّاءِ وَفَتْحِهَا بِسَاطٌ لَهُ خَمْلٌ رَقِيقٌ، وَلَمْ يَكُونُوا يَسْتَعْمِلُونَهَا فِي حَالَةِ الصَّلَاةِ كَاسْتِعْمَالِ الْمُتْرَفِينَ إِيَّاهَا، فَكَرِهُوا ذَلِكَ فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ، وَاكْتَفَوْا بِالدُّونِ مِنَ السَّجَاجِيدِ تَوَاضُعًا، بَلْ كَانَ أَكْثَرُهُمْ يُصَلِّي عَلَى الْحَصِيرِ، بَلْ كَانَ الْأَفْضَلُ عِنْدَهُمُ الصَّلَاةَ عَلَى التُّرَابِ تَوَاضُعًا وَمَسْكَنَةً.

                                                                                                                                                                                  ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                  الخدمات العلمية