الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                  صحيح البخاري 3122 بَابُ ذِكْرِ الْجِنِّ وَثَوَابِهِمْ وَعِقَابِهِمْ عمدة القاري أَيْ هَذَا بَابٌ فِي بَيَانِ وُجُودِ الْجِنِّ وَفِي بَيَانِ أَنَّهُمْ يُثَابُونَ بِالْخَيْرِ وَيُعَاقَبُونَ بِالشَّرِّ وَالْكَلَامُ فِيهِ عَلَى أَنْوَاعٍ . الْأَوَّلُ فِي وُجُودِ الْجِنِّ فَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ اللَّهُ : لَمْ يُخَالِفْ أَحَدٌ مِنْ طَوَائِفِ الْمُسْلِمِينَ فِي وُجُودِ الْجِنِّ وَجُمْهُورُ طَوَائِفِ الْكُفَّارِ عَلَى إِثْبَاتِ الْجِنِّ ، وَإِنْ وُجِدَ فِيهِمْ مَنْ يُنْكِرُ ذَلِكَ فَكَمَا يُوجَدُ فِي بَعْضِ طَوَائِفِ الْمُسْلِمِينَ كَالْجَهْمِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ مَنْ يُنْكِرُ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ جُمْهُورُ الطَّائِفَةِ وَأَئِمَّتُهَا مُقِرِّينَ بِذَلِكَ وَهَذَا ; لِأَنَّ وُجُودَ الْجِنِّ قَدْ تَوَاتَرَتْ بِهِ أَخْبَارُ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ تَوَاتُرًا مَعْلُومًا بِالِاضْطِرَارِ ، وَقَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي كِتَابِهِ الشَّامِلِ : اعْلَمُوا رَحِمَكُمُ اللَّهُ أَنَّ كَثِيرًا مِنَ الْفَلَاسِفَةِ وَجَمَاهِيرِ الْقَدَرِيَّةِ وَكَافَّةِ الزَّنَادِقَةِ أَنْكَرُوا الشَّيَاطِينَ وَالْجِنَّ رَأْسًا ، وَلَا يَبْعُدُ لَوْ أَنْكَرَ ذَلِكَ مَنْ لَا يَتَدَيَّنُ وَلَا يَتَشَبَّثُ بِالشَّرِيعَةِ ، وَإِنَّمَا الْعَجَبُ مِنْ إِنْكَارِ الْقَدَرِيَّةِ مَعَ نُصُوصِ الْقُرْآنِ ، وَتَوَاتُرِ الْأَخْبَارِ وَاسْتِفَاضَةِ الْآثَارِ ، وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الْأَنْصَارِيُّ فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ : وَقَدْ أَنْكَرَهُمْ مُعْظَمُ الْمُعْتَزِلَةِ وَدَلَّ إِنْكَارُهُمْ إِيَّاهُمْ عَلَى قِلَّةِ مُبَالَاتِهِمْ وَرَكَاكَةِ دِيَانَتِهِمْ ، فَلَيْسَ فِي إِثْبَاتِهِمْ مُسْتَحِيلٌ عَقْلِيٌّ ، وَقَدْ دَلَّتْ نُصُوصُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ عَلَى إِثْبَاتِهِمْ ، وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيُّ : وَكَثِيرٌ مِنَ الْقَدَرِيَّةِ يُثْبِتُونَ وُجُودَ الْجِنِّ قَدِيمًا وَيَنْفُونَ وَجُودَهُمُ الْآنَ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُقِرُّ بِوُجُودِهِمْ وَيَزْعُمُ أَنَّهُمْ لَا يُرَوْنَ لِرِقَّةِ أَجْسَامِهِمْ وَنُفُوذِ الشُّعَاعِ فِيهَا ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : إِنَّمَا لَا يُرَوْنَ لِأَنَّهُمْ لَا أَلْوَانَ لَهُمْ ، وَقَالَ عَبْدُ الْجَبَّارِ الْمُعْتَزِلِيُّ : الدَّلِيلُ عَلَى إِثْبَاتِهِمُ السَّمْعُ دُونَ الْعَقْلِ إِذْ لَا طَرِيقَ إِلَى إِثْبَاتِ أَجْسَامٍ غَائِبَةٍ ; لِأَنَّ الشَّيْءَ لَا يَدُلُّ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا تَعَلُّقٌ . النَّوْعُ الثَّانِي فِي بَيَانِ ابْتِدَاءِ خَلْقِ الْجِنِّ : قَالَ أَبُو حُذَيْفَةَ إِسْحَاقُ بْنُ بِشْرٍ الْقُرَشِيُّ فِي الْمُبْتَدَأِ : حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ الْأَعْمَشِ ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الْأَخْنَسِ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَلِيطٍ الْقُرَشِيِّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ، قَالَ : خَلَقَ اللَّهُ الْجِنَّ قَبْلَ آدَمَ بِأَلْفَيْ سَنَةٍ ، وَيُقَالُ : عَمَرُوا الْأَرْضَ أَلْفَيْ سَنَةٍ ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : كَانَ الْجِنُّ سُكَّانَ الْأَرْضِ وَالْمَلَائِكَةُ سُكَّانَ السَّمَاءِ ، وَهُمْ عُمَّارُهَا ، وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ بِشْرٍ : حَدَّثَنِي جُوَيْبِرٌ وَعُثْمَانُ بِإِسْنَادِهِمَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ الْجِنَّ وَأَمَرَهُمْ بِعِمَارَةِ الْأَرْضِ ، فَكَانُوا يَعْبُدُونَ اللَّهَ تَعَالَى ، فَطَالَ بِهِمُ الْأَمَدُ فَعَصَوُا اللَّهَ وَسَفَكُوا الدِّمَاءَ ، وَكَانَ فِيهِمْ مَلِكٌ يُقَالُ لَهُ يُوسُفُ فَقَتَلُوهُ ، فَأَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ جُنْدًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ كَانُوا فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا ، كَانَ فِيهِمْ إِبْلِيسُ ، وَكَانُوا أَرْبَعَةَ آلَافٍ ، فَهَبَطُوا فَنَفَوْا بَنِي الْجَانِّ وَأَجْلَوْهُمْ عَنْهَا وَأَلْحَقُوهُمْ بِجَزَائِرِ الْبَحْرِ وَسَكَنَ إِبْلِيسُ وَالْجُنْدُ الَّذِي كَانُوا مَعَهُ الْأَرْضَ ، فَهَانَ عَلَيْهِمُ الْعَمَلُ وَأَحَبُّوا الْمُكْثَ فِيهَا . النَّوْعُ الثَّالِثُ فِي بَيَانِ خَلْقِهِمْ مِمَّاذَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ وَرَوَى مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ قَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : خُلِقَتِ الْمَلَائِكَةُ مِنْ نُورٍ ، وَخُلِقَ الْجَانُّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ ، وَخُلِقَ آدَمُ مِمَّا وُصِفَ لَكُمْ ، فَثَبَتَ أَنَّ أَصْلَ الْجِنِّ النَّارُ ، كَمَا أَنَّ أَصْلَ الْإِنْسِ الطِّينُ ، وَحَكَى اللَّهُ تَعَالَى فِي الْقُرْآنِ عَنْ قَوْلِهِ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ فَهَذَا أَيْضًا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَصْلَ الْجِنِّ النَّارُ . ( فَإِنْ قُلْتَ ) : يَجُوزُ أَنْ يَكْذِبَ فِي ذَلِكَ أَوْ يَظُنَّهُ ، وَلَا يَكُونُ لَهُ عِلْمٌ بِهِ . ( قُلْتُ ) : لَوْ لَمْ يَكُنِ الْأَمْرُ عَلَى مَا قَالَهُ لَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى تَكْذِيبَهُ ; لَأَنَّ عَدَمَ تَكْذِيبِ الْكَاذِبِ مِمَّنْ لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ الْخَوْفُ وَالْجَهْلُ قَبِيحٌ . ( فَإِنْ قُلْتَ ) : فِي النَّارِ مِنَ الْيُبْسِ مَا لَا يَصِحُّ وُجُودُ الْحَيَاةِ فِيهَا وَالْحَيَاةُ فِي وُجُودِهَا يَحْتَاجُ إِلَى رُطُوبَةٍ . ( قُلْتُ ) : فَاللَّهُ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَفْعَلَ رُطُوبَةً فِي تِلْكَ النَّارِ بِمِقْدَارِ مَا يَصِحُّ وُجُودُ الْحَيَاةِ فِيهَا مَعَ أَنَّ أَبَا هَاشِمٍ جَوَّزَ وُجُودَ الْحَيَاةِ مَعَ عَدَمِ التَّنَفُّسِ ، وَيَقُولُ : إِنَّ أَهْلَ النَّارِ لَا يَتَنَفَّسُونَ . النَّوْعُ الرَّابِعُ : فِي أَنَّهُمْ أَجْسَامٌ وَأَنَّهُمْ عَلَى صُوَرٍ مُخْتَلِفَةٍ ، قَالَ الْقَاضِيَ أَبُو يَعْلَى مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ الْفَرَّاءِ الْحَنْبَلِيُّ : الْجِنُّ أَجْسَامٌ مُؤَلَّفَةٌ وَأَشْخَاصٌ مُمَثَّلَةٌ وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ رَقِيقَةً وَأَنْ تَكُونَ كَثِيفَةً خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ فِي قَوْلِهِمْ : إِنَّهُمْ أَجْسَامٌ رَقِيقَةٌ وَلِرِقَّتِهَا لَا نَرَاهُمْ ، قُلْنَا : الرِّقَّةُ لَيْسَتْ بِمَانِعَةٍ عَنِ الرُّؤْيَةِ فِي بَابِ الرُّؤْيَةِ ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْأَجْسَامُ الْكَثِيفَةُ مَوْجُودَةً وَلَا نَرَاهَا إِذَا لَمْ يَخْلُقِ اللَّهُ فِينَا الْإِدْرَاكَ ، وَحَكَى أَبُو الْقَاسِمِ الْأَنْصَارِيُّ عَنِ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ نَحْنُ نَقُولُ إِنَّمَا رَآهُمْ مَنْ رَآهُمْ ; لِأَنَّ اللَّهَ خَلَقَ لَهُمُ الرُّؤْيَةَ ، وَأَنَّ مَنْ لَمْ يُخْلَقْ لَهُ الرُّؤْيَةُ لَا يَرَاهُمْ ، وَأَنَّهُمْ أَجْسَادٌ مُؤَلَّفَةٌ وَجُثَثٌ ، وَقَالَ كَثِيرٌ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ : إِنَّهُمْ أَجْسَادٌ رَقِيقَةٌ بَسِيطَةٌ . وَقَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْجَبَّارِ : أَجْسَامُ الْجِنِّ رَقِيقَةٌ ، وَلِضَعْفِ أَبْصَارِنَا لَا نَرَاهُمْ لَا لِعِلَّةٍ أُخْرَى ، وَلَوْ قَوَّى اللَّهُ أَبْصَارَنَا أَوْ كَثَّفَ أَجْسَامَهُمْ لَرَأَيْنَاهُمْ . وَقَالَ السُّهَيْلِيُّ : الْجِنُّ ثَلَاثَةُ أَصْنَافٍ كَمَا جَاءَ فِي حَدِيثٍ : صِنْفٌ عَلَى صُوَرِ الْحَيَّاتِ ، وَصِنْفٌ عَلَى صُورَةِ كِلَابٍ سُودٍ ، وَصِنْفٌ رِيحٌ طَيَّارَةٌ ، أَوْ قَالَ : هَفَّافَةٌ ذُو أَجْنِحَةٍ ، وَهُمْ يُتَصَوَّرُونَ فِي صُوَرِ الْحَيَّاتِ وَالْعَقَارِبِ وَفِي صُوَرِ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ وَالْخَيْلِ وَالْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ ، وَفِي صُوَرِ الطَّيْرِ وَفِي صُوَرِ بَنِي آدَمَ . وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى : وَلَا قُدْرَةَ لِلشَّيَاطِينِ عَلَى تَغْيِيرِ خَلْقِهِمْ ، وَالِانْتِقَالِ فِي الصُّوَرِ ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ أَنْ يُعَلِّمَهُمُ اللَّهُ كَلِمَاتٍ وَضَرْبًا مِنْ ضُرُوبِ الْأَفْعَالِ ، إِذَا فَعَلَهُ وَتَكَلَّمَ بِهِ ، نَقَلَهُ مِنْ صُورَةٍ إِلَى صُوَرٍ أُخْرَى . وَأَمَّا أَنْ يُصَوِّرَ نَفْسَهُ فَذَاكَ مُحَالٌ . النَّوْعُ الْخَامِسُ : فِي أَنَّ الْجِنَّ عَلَى أَنْوَاعٍ : مِنْهُمُ الْغُولُ ، وَهُوَ الْعِفْرِيتُ ، قَالُوا : إِنَّ الْغُولَ حَيَوَانٌ لَمْ تَحْكُمْهُ الطَّبِيعَةُ ، وَأَنَّهُ لَمَّا خَرَجَ مُنْفَرِدًا تَوَحَّشَ وَلَمْ يَسْتَأْنِسْ وَطَلَبَ الْقِفَارَ وَيَتْلُونُ فِي ضُرُوبٍ مِنَ الصُّوَرِ وَيَتَرَاءَى فِي اللَّيْلِ وَفِي أَوْقَاتِ الْخَلَوَاتِ لِمَنْ كَانَ مُسَافِرًا وَحْدَهُ فَيَتَوَهَّمُ أَنَّهُ إِنْسَانٌ وَيَضِلُّ الْمُسَافِرُ عَنِ الطَّرِيقِ ، وَمِنْهُمُ السَّعْلَاةُ وَهِيَ مُغَايِرَةٌ لِلْغُولِ ، وَأَكْثَرُ مَا يُوجَدُ فِي الْفَيَافِي إِذَا ظَفِرَتْ بِإِنْسَانٍ تُرَقِّصُهُ وَتَلْعَبُ بِهِ كَمَا تَلْعَبُ السِّنَّوْرُ بِالْفَأْرِ ، وَمِنْهُمُ الْغَدَّارُ وَهُوَ يُوجَدُ بِأَكْنَافِ الْيَمَنِ ، وَرُبَّمَا يُوجَدُ فِي أَرْضِ مِصْرَ إِذَا عَايَنَهُ الْإِنْسَانُ خَرَّ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ ، وَمِنْهُمُ الْوَلْهَانُ يُوجَدُ فِي جَزَائِرِ الْبَحْرِ وَهُوَ فِي صُورَةِ إِنْسَانٍ رَاكِبٍ عَلَى نَعَامَةٍ يَأْكُلُ النَّاسَ الَّذِينَ يَقْذِفُهُمُ الْبَحْرُ ، وَمِنْهُمُ الشِّقُّ كَنِصْفِ آدَمِيٍّ بِالطُّولِ ، زَعَمُوا أَنَّ النَّسْنَاسَ مَرْكَبُهُ يَظْهَرُ لِلنَّاسِ فِي أَسْفَارِهِمْ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَأْنَسُ بِالْآدَمِيِّينَ وَلَا يُؤْذِيهِمْ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَخْتَطِفُ النِّسَاءَ الْأَبْكَارَ ، وَمِنْهُمْ مَنْ هُوَ فِي صُورَةِ الْوَزَغِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ هُوَ عَلَى صُورَةِ الْكِلَابِ . النَّوْعُ السَّادِسُ : فِي وَجْهِ تَسْمِيَةِ الْجِنِّ بِهَذَا الِاسْمِ ، قَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ : الْجِنُّ خِلَافُ الْإِنْسِ يُقَالُ : جَنَّهُ اللَّيْلُ وَأَجَنَّهُ وَجَنَّ عَلَيْهِ وَغَطَّاهُ فِي مَعْنًى وَاحِدٍ ، إِذَا سَتَرَهُ ، وَكُلُّ شَيْءٍ اسْتَتَرَ عَنْكَ ، فَقَدْ جَنَّ عَنْكَ ، وَبِهِ سُمِّيَتِ الْجِنُّ ، وَكَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ جِنًّا لِاسْتِتَارِهِمْ عَنِ الْعُيُونِ ، وَالْجِنُّ وَالْجِنَّةُ وَاحِدٌ ، وَالْجِنَّةُ مَا وَارَاكَ مِنْ سِلَاحٍ ، قَالَ : وَالْحِنُّ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ ضَرْبٌ مِنَ الْجِنِّ ، قَالَ الرَّاجِزُ : يَلْعَبْنَ أَحْوَالِي مِنْ حِنٍّ وَجِنِّ وَقَالَ أَبُو عُمَيْرٍ الزَّاهِدُ : الْحِنُّ كِلَابُ الْجِنِّ وَسِفْلَتِهِمْ ، وَوَقَعَ فِي كَلَامِ السُّهَيْلِيِّ فِي النَّتَائِجِ أَنَّ الْجِنَّ يَشْمَلُ الْمَلَائِكَةَ وَغَيْرَهُمْ مِمَّا اجْتُنَّ عَنِ الْأَبْصَارِ . النَّوْعُ السَّابِعُ : فِي بَيَانِ أَنَّ الْجِنَّ هَلْ يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ وَيَتَنَاكَحُونَ وَيَتَوَالَدُونَ وَلِلنَّاسِ فِيهِ أَقْوَالٌ : الْأَوَّلُ أَنَّ جَمِيعَ الْجِنِّ لَا يَأْكُلُونَ وَلَا يَشْرَبُونَ ، وَهَذَا قَوْلٌ سَاقِطٌ . الثَّانِي : أَنَّ صِنْفًا مِنْهُمْ يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ ، وَصِنْفًا لَا يَأْكُلُونَ وَلَا يَشْرَبُونَ . الثَّالِثُ : أَنْ جَمِيعَهُمْ يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ ، وَاخْتَلَفُوا فِي صِفَةِ أَكْلِهِمْ وَشُرْبِهِمْ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : أَكْلُهُمْ وَشُرْبُهُمْ تَشَمُّمٌ وَاسْتِرْوَاحٌ لَا مَضْغَ وَلَا بَلْعَ ، وَهَذَا قَوْلٌ لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ دَلِيلٌ ، وَقَالَ آخَرُونَ : أَكْلُهُمْ وَشُرْبُهُمْ مَضْغٌ وَبَلْعٌ ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ أُمَيَّةَ بْنِ مَحْشِيٍّ ، وَفِيهِ : مَا زَالَ الشَّيْطَانُ يَأْكُلُ مَعَهُ ، فَلَمَّا ذَكَرَ اللَّهَ تَعَالَى اسْتَقَى مَا فِي بَطْنِهِ ، وَسُئِلَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ عَنِ الْجِنِّ مَا هُمْ وَهَلْ يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ وَيَتَنَاكَحُونَ وَيَتَوَالَدُونَ وَيَمُوتُونَ ؟ فَقَالَ : هُمْ أَجْنَاسٌ ، فَأَمَّا خَالِصُ الْجِنِّ فَهُمْ رِيحٌ لَا يَأْكُلُونَ وَلَا يَشْرَبُونَ وَلَا يَتَنَاكَحُونَ وَلَا يَتَوَالَدُونَ وَمِنْهُمْ أَجْنَاسٌ يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ وَيَتَنَاكَحُونَ وَيَتَوَالَدُونَ ، مِنْهُمُ السَّعَالِي وَالْغُولُ وَالْقُطْرُبُ ، وَغَيْرُ ذَلِكَ ، رَوَاهُ أَبُو عُمَرَ بِإِسْنَادِهِ عَنْهُ . النَّوْعُ الثَّامِنُ : فِي بَيَانِ تَكْلِيفِ الْجِنِّ ، قَالَ أَبُو عُمَرَ : الْجِنُّ عِنْدَ الْجَمَاعَةِ مُكَلَّفُونَ مُخَاطَبُونَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَذُكِرَ عَنِ الْحَشْوِيَّةِ أَنَّهُمْ مُضْطَرُّونَ إِلَى أَفْعَالِهِمْ ، وَأَنَّهُمْ لَيْسُوا بِمُكَلَّفِينَ ، وَعَلَى الْقَوْلِ بِتَكْلِيفِهِمْ هَلْ لَهُمْ ثَوَابٌ وَعَلَيْهِمْ عِقَابٌ ، أَمْ لَا ؟ وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهِ عَلَى قَوْلَيْنِ : فَقِيلَ : لَا ثَوَابَ لَهُمْ إِلَّا النَّجَاةُ مِنَ النَّارِ ، ثُمَّ يُقَالُ لَهُمْ : كُونُوا تُرَابًا مِثْلَ الْبَهَائِمِ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، حَكَاهُ ابْنُ حَزْمٍ وَغَيْرُهُ عَنْهُ . وَقَالَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا : حَدَّثَنَا دَاوُدُ عَنْ عَمْرٍو الضَّبِّيِّ ، حَدَّثَنَا عَفِيفُ بْنُ سَالِمٍ ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ ، قَالَ : ثَوَابُ الْجِنِّ أَنْ يُجَارُوا مِنَ النَّارِ ، ثُمَّ يُقَالُ لَهُمْ : كُونُوا تُرَابًا . الْقَوْلُ الثَّانِي : أَنَّهُمْ يُثَابُونَ عَلَى الطَّاعَةِ وَيُعَاقَبُونَ عَلَى الْمَعْصِيَةِ ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ أَبِي لَيْلَى وَمَالِكٍ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ ، وَنُقِلَ أَيْضًا عَنِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَسُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا ؟ فَقَالَ : نَعَمْ ، لَهُمْ ثَوَابٌ وَعَلَيْهِمْ عِقَابٌ ، وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ كَافِرَ الْجِنِّ يُعَذَّبُ فِي الْآخِرَةِ ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى : النَّارُ مَثْوَاكُمْ وَاخْتَلَفُوا فِي مُؤْمِنِي الْجِنِّ : هَلْ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ ؟ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ : وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُمْ يَدْخُلُونَهَا حَكَاهُ ابْنُ حَزْمٍ فِي الْمِلَلِ ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى وَأَبِي يُوسُفَ ، وَجُمْهُورِ النَّاسِ ، قَالَ : وَبِهِ نَقُولُ . ثُمَّ اخْتَلَفُوا : هَلْ يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ ، فَرَوَى سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ جُوَيْبِرٍ عَنِ الضَّحَّاكِ أَنَّهُمْ يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ ، وَعَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُمْ يَدْخُلُونَهَا ، وَلَكِنْ لَا يَأْكُلُونَ وَلَا يَشْرَبُونَ وَيُلْهَمُونَ مِنَ التَّسْبِيحِ وَالتَّقْدِيسِ مَا يَجِدُهُ أَهْلُ الْجَنَّةِ مِنْ لَذَّةِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ ، وَذَهَبَ الْحَارِثُ الْمُحَاسِبِيُّ إِلَى أَنَّهُمْ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ ، نَرَاهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يَرَوْنَنَا عَكْسُ مَا كَانُوا عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا . الْقَوْلُ الثَّانِي : أَنَّهُمْ لَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بَلْ يَكُونُونَ فِي رَبَضِهَا يَرَاهُمُ الْإِنْسُ مِنْ حَيْثُ لَا يَرَوْنَهُمْ وَهَذَا الْقَوْلُ مَأْثُورٌ عَنْ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ ، حَكَاهُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ وَهُوَ خِلَافُ مَا حَكَاهُ ابْنُ حَزْمٍ . الْقَوْلُ الثَّالِثُ : أَنَّهُمْ عَلَى الْأَعْرَافِ . الْقَوْلُ الرَّابِعُ : الْوَقْفُ ، وَرَوَى الْحَافِظُ أَبُو سَعِيدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْكَنْجَرُودِيِّ فِي أَمَالَيْهِ بِإِسْنَادِهِ إِلَى الْحَسَنِ ، عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إِنَّ مُؤْمِنِي الْجِنِّ لَهُمْ ثَوَابٌ وَعَلَيْهِمْ عِقَابٌ ، فَسَأَلْنَا عَنْ ثَوَابِهِمْ فَقَالَ : عَلَى الْأَعْرَافِ وَلَيْسُوا فِي الْجَنَّةِ ، فَقَالُوا : مَا الْأَعْرَافُ ؟ قَالَ : حَائِطُ الْجَنَّةِ ، تَجْرِي مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَتَنْبُتُ فِيهِ الْأَشْجَارُ وَالثِّمَارُ ، وَقَالَ الْحَافِظُ الذَّهَبِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ جِدًّا ، ثُمَّ إِنَّ مُؤْمِنِي الْجِنِّ إِذَا دَخَلُوا الْجَنَّةَ ، هَلْ يَرَوْنَ اللَّهَ تَعَالَى ، فَقَدْ وَقَعَ فِي كَلَامِ عَبْدِ السَّلَامِ فِي الْقَوَاعِدِ الصُّغْرَى مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ لَا يَرَوْنَ اللَّهَ تَعَالَى ، وَأَنَّ الرُّؤْيَةَ مَخْصُوصَةٌ بِمُؤْمِنِي الْبَشَرِ ، فَإِنَّهُ صَرَّحَ بِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ لَا يَرَوْنَ اللَّهَ تَعَالَى فِي الْجَنَّةِ ، وَمُقْتَضَى هَذَا أَنَّ الْجِنَّ لَا يَرَوْنَهُ . النَّوْعُ التَّاسِعُ : هَلْ كَانَ فِيهِمْ نَبِيٌّ مِنْهُمْ أَوْ لَا ؟ فَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ الضَّحَّاكِ بْنِ مُزَاحِمٍ إِثْبَاتَ ذَلِكَ ، وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ سَلَفًا وَخَلَفًا عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنَ الْجِنِّ نَبِيٌّ قَطُّ وَلَا رَسُولٌ وَلَمْ تَكُنِ الرُّسُلُ إِلَّا مِنَ الْإِنْسِ ، وَنُقِلَ هَذَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ جُرَيْجٍ وَمُجَاهِدٍ وَالْكَلْبِيِّ وَأَبِي عُبَيْدٍ وَالْوَاحِدِيِّ ، وَذَكَرَ إِسْحَاقُ بْنُ بِشْرٍ فِي الْمُبْتَدَأِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ الْجِنَّ قَتَلُوا نَبِيًّا لَهُمْ قَبْلَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ اسْمُهُ يُوسُفُ ، وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَعَثَ إِلَيْهِمْ رَسُولًا ، وَأَمَرَهُمْ بِطَاعَتِهِ ، وَمَنْ ذَهَبَ إِلَى قَوْلِ الضَّحَّاكِ يَسْتَدِلُّ أَيْضًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى : يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ الْآيَةَ . النَّوْعُ الْعَاشِرُ : فِي بَيَانِ فِرَقِ الْجِنِّ ، قَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنِ الْجِنِّ أَنَّهُمْ قَالُوا وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا أَيْ مَذَاهِبُ شَتَّى ; مُسْلِمُونَ وَيَهُودُ ، وَكَانَ جِنُّ نَصِيبِينَ يَهُودًا ، وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي كِتَابِ النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ : حَدَّثَنَا مُطَلِّبُ بْنُ زِيَادٍ عَنِ السُّدِّيِّ قَالَ : فِي الْجِنِّ قَدَرِيَّةٌ وَمُرْجِئَةٌ وَشِيعَةٌ ، وَحَكَى السُّدِّيُّ أَيْضًا عَنْ أَشْيَاخِهِ : أَنَّ فِي الْجِنِّ الْمُؤْمِنَ وَالْكَافِرَ وَالْمُعْتَزِلَةَ وَالْجَهْمِيَّةَ وَجَمِيعَ الْفِرَقِ . فَوَائِدُ : قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ : الشَّيَاطِينُ أَوْلَادُ إِبْلِيسَ ، لَا يَمُوتُونَ إِلَّا مَعَهُ ، وَالْجِنُّ يَمُوتُونَ قَبْلَهُ ، وَقَالَ إِسْحَاقُ : قَالَ أَبُو رَوْقٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ شُومَا أَبَا الْجِنِّ وَهُوَ الَّذِي خُلِقَ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ ، فَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : تَمَنَّ ، فَقَالَ : أَتَمَنَّى أَنْ نَرَى وَلَا نُرَى ، وَأَنْ نَغِيبَ فِي الثَّرَى ، وَأَنْ يَصِيرَ كَهْلَنَا شَابًّا ، فَأُعْطِيَ ذَلِكَ ، فَهُمْ يَرَوْنَ وَلَا يُرَوْنَ ، وَإِذَا مَاتُوا غُيِّبُوا فِي الثَّرَى ، وَلَا يَمُوتُ كَهْلُهُمْ حَتَّى يَعُودَ شَابًّا ، يَعْنِي : مِثْلَ الصَّبِيِّ ، ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ ، وَسُئِلَ أَبُو الْبَقَاءِ الْعُكْبَرِيُّ الْحَنْبَلِيُّ عَنِ الْجِنِّ : هَلْ تَصِحُّ الصَّلَاةُ خَلْفَهُمْ ؟ قَالَ : نَعَمْ ; لِأَنَّهُمْ مُكَلَّفُونَ ، وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ .

                                                                                                                                                                                  ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                  الخدمات العلمية