الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                  صحيح البخاري 3266 107 - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ، عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ قَالَ: قَالَ عُقْبَةُ بْنُ عَمْرٍو لِحُذَيْفَةَ: أَلَا تُحَدِّثُنَا مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَ: إِنِّي سَمِعْتُهُ يَقُولُ: إِنَّ مَعَ الدَّجَّالِ إِذَا خَرَجَ مَاءً وَنَارًا، فَأَمَّا الَّذِي يَرَى النَّاسُ أَنَّهَا النَّارُ فَمَاءٌ بَارِدٌ، وَأَمَّا الَّذِي يَرَى النَّاسُ أَنَّهُ مَاءٌ بَارِدٌ فَنَارٌ تُحْرِقُ، فَمَنْ أَدْرَكَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَلْيَقَعْ فِي الَّذِي يَرَى أَنَّهَا نَارٌ فَإِنَّهُ عَذْبٌ بَارِدٌ. قَالَ حُذَيْفَةُ: وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: إِنَّ رَجُلًا كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ أَتَاهُ الْمَلَكُ لِيَقْبِضَ رُوحَهُ، فَقِيلَ لَهُ: هَلْ عَمِلْتَ مِنْ خَيْرٍ؟ قَالَ: مَا أَعْلَمُ. قِيلَ لَهُ: انْظُرْ. قَالَ: مَا أَعْلَمُ شَيْئًا، غَيْرَ أَنِّي كُنْتُ أُبَايِعُ النَّاسَ فِي الدُّنْيَا فَأُجَازِيهِمْ، فَأَنْظِرُ الْمُوسِرَ وَأَتَجَاوَزُ عَنِ الْمُعْسِرِ - فَأَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ. فَقَالَ: وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: إِنَّ رَجُلًا حَضَرَهُ الْمَوْتُ، فَلَمَّا يَئِسَ مِنَ الْحَيَاةِ أَوْصَى أَهْلَهُ إِذَا أَنَا مُتُّ فَاجْمَعُوا لِي حَطَبًا كَثِيرًا وَأَوْقِدُوا فِيهِ نَارًا، حَتَّى إِذَا أَكَلَتْ لَحْمِي وَخَلَصَتْ إِلَى عَظْمِي فَامْتُحِشْتُ فَخُذُوهَا فَاطْحَنُوهَا ثُمَّ انْظُرُوا يَوْمًا رَاحًا فَاذْرُوهُ فِي الْيَمِّ. فَفَعَلُوا، فَجَمَعَهُ اللَّهُ فَقَالَ لَهُ: لِمَ فَعَلْتَ ذَلِكَ؟ قَالَ: مِنْ خَشْيَتِكَ! فَغَفَرَ اللَّهُ لَهُ. قَالَ عُقْبَةُ بْنُ عَمْرٍو: وَأَنَا سَمِعْتُهُ يَقُولُ ذَلِكَ، وَكَانَ نَبَّاشًا. عمدة القاري هَذَا الْحَدِيثُ مُشْتَمِلٌ عَلَى ثَلَاثَةِ أَحَادِيثَ: الْأَوَّلُ حَدِيثُ الدَّجَّالِ، وَالثَّانِي وَالثَّالِثُ فِي رَجُلَيْنِ كُلُّ وَاحِدٍ فِي رَجُلٍ. وَالْمُطَابَقَةُ لِلتَّرْجَمَةِ فِي الثَّانِي وَالثَّالِثِ، وَالْحَدِيثُ الثَّانِي قَدْ مَضَى فِي كِتَابِ الْبُيُوعِ فِي بَابِ مَنْ أَنْظَرَ مُوسِرًا؛ فَإِنَّهُ أَخْرَجَهُ هُنَاكَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ يُونُسَ عَنْ زُهَيْرٍ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ إِلَى آخِرِهِ، وَمَضَى الْكَلَامُ فِيهِ هُنَاكَ، وَهُنَا أَخْرَجَ الثَّلَاثَةَ عَنْ مُوسَى بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْمِنْقَرِيِّ التَّبُوذَكِيِّ عَنْ أَبِي عَوَانَةَ الْوَضَّاحِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْيَشْكُرِيِّ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ الْكُوفِيِّ عَنْ رِبْعِيِّ - بِكَسْرِ الرَّاءِ وَسُكُونِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَكَسْرِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ - ابْنِ حِرَاشٍ - بِكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ الرَّاءِ وَفِي آخِرِهِ شِينٌ مُعْجَمَةٌ - الْغَطَفَانِيِّ، وَكَانَ مِنَ الْعُبَّادِ، يُقَالُ: إِنَّهُ تَكَلَّمَ بَعْدَ الْمَوْتِ. وَعُقْبَةُ بْنُ عَمْرٍو الْأَنْصَارِيُّ الْمَعْرُوفُ بِالْبَدْرِيِّ، وَحُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، ثُمَّ إِنَّ الْبُخَارِيَّ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ مُوسَى بْنِ إِسْمَاعِيلَ عَنْ أَبِي عَوَانَةَ كَمَا رَأَيْتَهُ، وَهُوَ الصَّوَابُ كَمَا قَالَ أَبُو ذَرٍّ لَا كَمَا وَقَعَ فِي بَعْضِ نُسَخِهِ حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، وَوَقَعَ فِي كَلَامِ الْجِيَانِيِّ أَنَّهُ سَاقَهُ أَوَّلًا بِكَمَالِهِ عَنْ مُسَدَّدٍ ثُمَّ سَاقَ الْخِلَافَ فِي لَفْظِهِ مِنَ الْمَتْنِ عَنْ مُوسَى، وَالَّذِي فِي الْأُصُولِ مَا ذَكَرَهُ سِيَاقَةً وَاحِدَةً لَا كَمَا قَالَهُ، وَهَذَا الْمَوْضِعُ مَوْضِعُ تَنَبُّهٍ وَتَيَقُّظٍ. قَوْلُهُ: (مَاءً) مَنْصُوبٌ لِأَنَّهُ خَبَرُ " إِنَّ "، وَ" نَارًا " عُطِفٌ عَلَيْهِ. قَوْلُهُ: (يَرَى) بِفَتْحِ الْيَاءِ وَضَمِّهَا، هَذَا مِنْ جُمْلَةِ فِتْنَتِهِ امْتَحَنَ اللَّهُ بِهَا عِبَادَهُ فَيُحِقُّ الْحَقَّ وَيُبْطِلُ الْبَاطِلَ ثُمَّ يَفْضَحُهُ وَيُظْهِرُ لِلنَّاسِ عَجْزَهُ. قَوْلُهُ: (قَالَ حُذَيْفَةُ) شُرُوعٌ فِي الْحَدِيثِ الثَّانِي. قَوْلُهُ: (وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ)؛ أَيْ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ. قَوْلُهُ: (فَأُجَازِيهِمْ)؛ أَيْ: أَتَقَاضَاهُمُ الْحَقَّ، وَالْمُجَازِي: الْمُتَقَاضِي، يُقَالُ تَجَازَيْتُ دَيْنِي عَنْ فُلَانٍ إِذَا تَقَاضَيْتَهُ، وَحَاصِلُهُ أَخَذَ مِنْهُمْ وَأَعْطَى. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ " وَأُجَازِفُهُمْ " مِنَ الْمُجَازَفَةِ، وَوَقَعَ فِي أُخْرَى: " وَأُحَارِبُهُمْ " بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالرَّاءِ، وَكِلَاهُمَا تَصْحِيفٌ. قَوْلُهُ: (فَقَالَ: وَسَمِعْتُهُ) شُرُوعٌ فِي الْحَدِيثِ الثَّالِثِ، وَيُرْوَى: " وَقَالَ " بِالْوَاوِ. قَوْلُهُ: (وَخَلَصْتُ) بِفَتْحِ اللَّامِ؛ أَيْ: وَصَلْتُ. قَوْلُهُ: (فَامْتَحَشْتُ)؛ أَيِ احْتَرَقَتْ، وَهُوَ عَلَى صِيغَةِ بِنَاءِ الْفَاعِلِ، كَذَا ضَبَطَهُ الْكَرْمَانِيُّ، وَضَبَطَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى بِنَاءِ صِيغَةِ الْمَجْهُولِ وَلَهُ وَجْهٌ، وَهُوَ مِنَ الِامْتِحَاشِ، وَمَادَّتُهُ مِيمٌ وَحَاءٌ مُهْمَلَةٌ وَشِينٌ مُعْجَمَةٌ، وَالْمَحْشُ احْتِرَاقُ الْجِلْدِ وَظُهُورُ الْعَظْمِ. قَوْلُهُ: (يَوْمًا رَاحًا)؛ أَيْ: يَوْمًا شَدِيدَ الرِّيحِ، وَإِذَا كَانَ طَيِّبَ الرِّيحِ يُقَالُ: يَوْمٌ رَيِّحٌ - بِالتَّشْدِيدِ. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: يَوْمٌ رَاحٌ أَيْ: ذُو رِيحٍ، كَمَا يُقَالُ: رَجُلٌ مَالٌ أَيْ: ذُو مَالٍ. قَوْلُهُ: (فَاذْرُوهُ) أَمْرٌ مِنَ الْإِذْرَاءِ، يُقَالُ: ذَرَّتْهُ الرِّيحُ وَأَذْرَتْهُ تَذْرُوهُ وَتَذْرِيهِ أَيْ: أَطَارَتْهُ. قَوْلُهُ: (قَالَ عُقْبَةُ بْنُ عَمْرٍو) وَهُوَ أَبُو مَسْعُودٍ الْبَدْرِيُّ، (وَأَنَا سُمْعَتُهُ)؛ يَعْنِي النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَظَاهِرُ الْكَلَامِ يَقْتَضِي أَنَّ الَّذِي سَمِعَهُ أَبُو مَسْعُودٍ هُوَ الْحَدِيثُ الْأَخِيرُ فَقَطْ، لَكِنَّ رِوَايَةَ شُعْبَةَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ: نُبِّئْتُ أَنَّهُ سَمِعَ الْجَمِيعَ، فَإِنَّهُ أَوْرَدَهُ فِي الْفِتَنِ فِي قِصَّةِ الَّذِي كَانَ يُبَايِعُ النَّاسَ مِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ، وَقَالَ فِي آخِرِهِ: قَالَ أَبُو مَسْعُودٍ: وَأَنَا سَمِعْتُهُ. وَكَذَلِكَ فِي حَدِيثِ الَّذِي أَوْصَى بَنِيهِ كَمَا سَتَقِفُ عَلَيْهِ فِي حَدِيثٍ فِي أَوَاخِرِ هَذَا الْبَابِ. قَوْلُهُ: (وَكَانَ نَبَّاشًا) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ مِنْ زِيَادَةِ أَبِي مَسْعُودٍ فِي الْحَدِيثِ، لَكِنْ أَوْرَدَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ رِبْعِيٍّ عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: تُوُفِّيَ رَجُلٌ كَانَ نَبَّاشًا، فَقَالَ لِأَوْلَادِهِ: أَحْرِقُونِي. فَدَلَّ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ: " وَكَانَ نَبَّاشًا " مِنْ رِوَايَةِ حُذَيْفَةَ وَأَبِي مَسْعُودٍ مَعًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

                                                                                                                                                                                  ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                  الخدمات العلمية