الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                  صحيح البخاري ( إِلَّا لِيَعْبُدُونِ : مَا خَلَقْتُ أَهْلَ السَّعَادَةِ مِنْ أَهْلِ الْفَرِيقَيْنِ إِلَّا لِيُوَحِّدُونِ ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ : خَلَقَهُمْ لِيَفْعَلُوا ، فَفَعَلَ بَعْضٌ وَتَرَكَ بَعْضٌ ، وَلَيْسَ فِيهِ حُجَّةٌ لِأَهْلِ الْقَدَرِ ) . عمدة القاري أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْلِهِ - عَزَّ وَجَلَّ - : وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ قَوْلُهُ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ كَذَا ابْتِدَاءُ الْكَلَامِ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ : مِنْ أَوَّلِ الْآيَةِ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ، وَالْمَعْنَى بِحَسَبِ الظَّاهِرِ : مَا خَلَقْتُ هَذَيْنِ الْفَرِيقَيْنِ إِلَّا لِيُوَحِّدُونِي ، وَلَكِنْ فَسَّرَهُ الْبُخَارِيُّ بِقَوْلِهِ : مَا خَلَقْتُ أَهْلَ السَّعَادَةِ مِنْ أَهْلِ الْفَرِيقَيْنِ - أَيِ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ - إِلَّا لِيُوَحِّدُونِ ، وَإِنَّمَا خَصَّصَ السُّعَدَاءَ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ لِتَظْهَرَ الْمُلَازَمَةُ بَيْنَ الْعِلَّةِ وَالْمَعْلُولِ ، فَلَوْ حُمِلَ الْكَلَامُ عَلَى ظَاهِرِهِ لَوَقَعَ التَّنَافِي بَيْنَهُمَا ، وَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ ، وَعَنْ هَذَا قَالَ الضَّحَّاكُ وَسُفْيَانُ : هَذَا خَاصٌّ لِأَهْلِ عِبَادَتِهِ وَطَاعَتِهِ ، دَلِيلُهُ : قِرَاءَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ، وَعَنْ عَلِيِّ ابْنِ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَعْنَاهُ : إِلَّا لِآمِرِهِمْ بِعِبَادَتِي وَأَدْعُوهُمْ إِلَيْهَا ، وَاعْتَمَدَ الزَّجَّاجُ عَلَى هَذَا ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ فَإِنْ قُلْتَ : كَيْفَ كَفَرُوا وَقَدْ خَلَقَهُمْ لِلْإِقْرَارِ بِرُبُوبِيَّتِهِ وَالتَّذَلُّلِ لِأَمْرِهِ وَمِشْيَتِهِ ؟ قُلْتُ : قَدْ تَذَلَّلُوا لِقَضَائِهِ الَّذِي قَضَى عَلَيْهِمْ ; لِأَنَّ قَضَاءَهُ جَارٍ عَلَيْهِمْ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى الِامْتِنَاعِ مِنْهُ إِذَا نَزَلَ بِهِمْ ، وَإِنَّمَا خَالَفَهُ مَنْ كَفَرَ فِي الْعَمَلِ بِمَا أُمِرَ بِهِ ، فَأَمَّا التَّذَلُّلُ لِقَضَائِهِ فَإِنَّهُ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ . قَوْلُهُ : " وَقَالَ بَعْضُهُمْ : خَلَقَهُمْ لِيَفْعَلُوا " أَيِ التَّوْحِيدَ ، فَفَعَلَ بَعْضٌ مِنْهُمْ وَتَرَكَ بَعْضٌ ، هَذَا قَوْلُ الْفَرَّاءِ ، فَإِنْ قُلْتَ : مَا الْفَرْقُ بَيْنَ هَذَيْنِ التَّأْوِيلَيْنِ ؟ قُلْتُ : الْأَوَّلُ لَفْظٌ عَامٌّ أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوصُ ، وَهُوَ أَنَّ الْمُرَادَ أَهْلُ السَّعَادَةِ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ ، وَالثَّانِي عَلَى عُمُومِهِ بِمَعْنَى خَلَقَهُمْ مُعَدِّينَ لِذَلِكَ ، لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ أَطَاعَ وَمِنْهُمْ مَنْ عَصَى ، وَمَعْنَى الْآيَةِ فِي الْجُمْلَةِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَخْلُقْهُمْ لِلْعِبَادَةِ خَلْقَ جِبِلَّةٍ وَاخْتِيَارٍ ، وَإِنَّمَا خَلَقَهُمْ لَهَا خَلْقَ تَكْلِيفٍ وَاخْتِبَارٍ ، فَمَنْ وَفَّقَهُ وَسَدَّدَهُ أَقَامَ الْعِبَادَةَ الَّتِي خُلِقَ لَهَا ، وَمَنْ خَذَلَهُ وَطَرَدَهُ حُرِمَهَا وَعَمِلَ بِمَا خُلِقَ لَهُ ، كَقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ ، وَفِي نَفْسِ الْأَمْرِ هَذَا سِرٌّ لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ غَيْرُ اللَّهِ تَعَالَى ، وَقَالَ لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ قَوْلُهُ : " وَلَيْسَ فِيهِ حُجَّةٌ لِأَهْلِ الْقَدَرِ " أَيِ الْمُعْتَزِلَةِ ، وَهُمُ احْتَجُّوا بِهَا عَلَى أَنَّ إِرَادَةَ اللَّهِ تَعَالَى لَا تَتَعَلَّقُ إِلَّا بِالْخَيْرِ ، وَأَمَّا الشَّرُّ فَلَيْسَ مُرَادًا لَهُ ، وَأَجَابَ أَهْلُ السُّنَّةِ : بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ الشَّيْءِ مُعَلَّلًا بِشَيْءٍ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الشَّيْءُ أَيِ الْعِلَّةُ مُرَادًا وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ غَيْرُهُ مُرَادًا ، قَالُوا : أَفْعَالُ اللَّهِ لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ مُعَلَّلَةً ، أُجِيبُ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ وُقُوعِ التَّعْلِيلِ وُجُوبُهُ ، وَنَحْنُ نَقُولُ بِجَوَازِ التَّعْلِيلِ ، قَالُوا : أَفْعَالُ الْعِبَادِ مَخْلُوقَةٌ لَهُمْ لِإِسْنَادِ الْعِبَادَةِ إِلَيْهِمْ ، أُجِيبُ بِأَنَّهُ لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ ; لِأَنَّ الْإِسْنَادَ مِنْ جِهَةِ الْكَسْبِ وَكَوْنِ الْعَبْدِ مُحِلًّا لَهَا .

                                                                                                                                                                                  ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                  الخدمات العلمية