الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                  صحيح البخاري 504 6 - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: الْوَلِيدُ بْنُ الْعَيْزَارِ أَخْبَرَنِي قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَمْرٍو الشَّيْبَانِيَّ يَقُولُ: حَدَّثَنَا صَاحِبُ هَذِهِ الدَّارِ، وَأَشَارَ إِلَى دَارِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ؟ قَالَ: الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا. قَالَ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: ثُمَّ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ، قَالَ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. قَالَ: حَدَّثَنِي بِهِنَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَوِ اسْتَزَدْتُهُ لَزَادَنِي. عمدة القاري مُطَابَقَةُ هَذَا الْحَدِيثِ لِلتَّرْجَمَةِ ظَاهِرَةٌ، وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي عَلَى وَاللَّامِ. (ذِكْرُ رِجَالِهِ) وَهُمْ خَمْسَةٌ: الْأَوَّلُ أَبُو الْوَلِيدِ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الطَّيَالِسِيُّ الْبَصْرِيُّ . الثَّانِي شُعْبَةُ بْنُ الْحَجَّاجِ . الثَّالِثُ الْوَلِيدُ بْنُ الْعَيْزَارِ - بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْيَاءِ آخِرِ الْحُرُوفِ وَبِالزَّايِ قَبْلَ الْأَلِفِ وَبِالرَّاءِ بَعْدَهَا - بْنِ حُرَيْثٍ بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ الْكُوفِيُّ. الرَّابِعُ أَبُو عَمْرٍو الشَّيْبَانِيُّ،وَهُوَ سَعِيدُ بْنُ إِيَاسٍ - بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَتَخْفِيفِ الْيَاءِ آخِرِ الْحُرُوفِ - الْمُخَضْرَمُ، أَدْرَكَ الْجَاهِلِيَّةَ وَالْإِسْلَامَ، عَاشَ مِائَةً وَعِشْرِينَ سَنَةً. قَالَ: أَذْكُرُ أَنِّي سَمِعْتُ بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَنَا أَرْعَى إِبِلًا لِأَهْلِي بِكَاظِمَةَ - بِالظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ، وَتَكَامَلَ شَبَابِي يَوْمَ الْقَادِسِيَّةِ فَكُنْتُ ابْنَ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَوْمَئِذٍ، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ . الْخَامِسُ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ. (ذِكْرُ لَطَائِفِ إِسْنَادِهِ) فِيهِ التَّحْدِيثُ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ، وَفِيهِ السَّمَاعُ، وَفِيهِ الْإِخْبَارُ بِلَفْظِ الْإِفْرَادِ فِي الْمَاضِي، وَفِيهِ الْقَوْلُ وَالسَّمَاعُ وَالسُّؤَالُ، وَفِيهِ أَنَّ رُوَاتَهُ مَا بَيْنَ بَصْرِيٍّ وَكُوفِيٍّ، وَفِيهِ قَوْلُهُ: قَالَ الْوَلِيدُ بْنُ الْعَيْزَارِ : أَخْبَرَنِي تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ، تَقْدِيرُهُ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي الْوَلِيدُ بْنُ الْعَيْزَارِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَمْرٍو. (ذِكْرُ تَعَدُّدِ مَوْضِعِهِ وَمَنْ أَخْرَجَهُ غَيْرُهُ) أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا فِي الْأَدَبِ، عَنْ أَبِي الْوَلِيدِ، وَفِي التَّوْحِيدِ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ حَرْبٍ، وَفِي الْجِهَادِ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ الصَّبَّاحِ، وَفِي التَّوْحِيدِ أَيْضًا: عَنْ عَبَّادِ بْنِ الْعَوَّامِ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي الْإِيمَانِ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُعَاذٍ، وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، وَعَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي الصَّلَاةِ، عَنْ قُتَيْبَةَ، وَفِي الْبِرِّ وَالصِّلَةِ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمَرْوَزِيِّ، وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ فِي الصَّلَاةِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عَلِيٍّ، وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ. (ذِكْرُ مَعْنَاهُ) قَوْلُهُ: " حَدَّثَنَا صَاحِبُ هَذِهِ الدَّارِ " لَمْ يُصَرِّحْ فِيهِ شُعْبَةُ بَاسِمِ عَبْدِ اللَّهِ بَلْ رَوَاهُ مُبْهَمًا. وَرَوَاهُ مَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ، عَنِ الْبُخَارِيِّ فِي الْجِهَادِ، وَأَبُو إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيِّ فِي التَّوْحِيدِ، عَنِ الْوَلِيدِ وَصَرَّحَا بَاسِمِ عَبْدِ اللَّهِ، وَكَذَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مُعَاوِيَةَ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ وَأَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ أَبِيهِ، وَمَعَ هَذَا فِي قَوْلِهِ: (وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى دَارِ عَبْدِ اللَّهِ اكْتِفَاءٌ)، عَنِ التَّصْرِيحِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ . قَوْلُهُ: (أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ)، وَفِي رِوَايَةِ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ، أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ، وَكَذَا الْأَكْثَرُ الرُّوَاةُ. قَوْلُهُ: (عَلَى وَقْتِهَا) اسْتِعْمَالُ لَفْظَةِ عَلَى هَاهُنَا بِالنَّظَرِ إِلَى إِرَادَةِ الِاسْتِعْلَاءِ عَلَى الْوَقْتِ وَالتَّمَكُّنِ عَلَى أَدَائِهَا فِي أَيِّ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَائِهَا، وَاتَّفَقَ أَصْحَابُ شُعْبَةَ عَلَى اللَّفْظِ الْمَذْكُورِ، وَخَالَفَهُمْ عَلِيُّ بْنُ حَفْصٍ، فَقَالَ: " الصَّلَاةُ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا ". وَقَالَ الْحَاكِمُ: رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ جَمَاعَةٌ، عَنْ شُعْبَةَ وَلَمْ يَذْكُرْ هَذِهِ اللَّفْظَةَ غَيْرُ حَجَّاجٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حَفْصٍ، وَحَجَّاجٌ حَافِظٌ ثِقَةٌ، وَقَدِ احْتَجَّ مُسْلِمٌ بِعَلِيِّ بْنِ حَفْصٍ . قَوْلُهُ: (قَالَ ثُمَّ أَيُّ) قَالَ الْفَاكِهَانِيُّ: إِنَّهُ غَيْرُ مُنَوَّنٍ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَوْقُوفٍ عَلَيْهِ فِي الْكَلَامِ، وَالسَّائِلُ يَنْتَظِرُ الْجَوَابَ، وَالتَّنْوِينُ لَا يُوقَفُ عَلَيْهِ، فَتَنْوِينُهُ وَوَصْلُهُ بِمَا بَعْدَهُ خَطَأٌ، فَيُوقَفُ عَلَيْهِ وَقْفَةً لَطِيفَةً، ثُمَّ يُؤْتَى بِمَا بَعْدَهُ. وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: فِي هَذَا الْحَدِيثِ، أَيُّ: مُشَدَّدٌ مُنَوَّنٌ، كَذَلِكَ سَمِعْتُ مِنَ ابْنِ الْخَشَّابِ. وَقَالَ: لَا يَجُوزُ إِلَّا تَنْوِينُهُ؛ لِأَنَّهُ مُعْرَبٌ غَيْرُ مُضَافٍ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ مُضَافٌ تَقْدِيرًا، وَالْمُضَافُ إِلَيْهِ مَحْذُوفٌ، وَالتَّقْدِيرُ: ثُمَّ أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ فَيُوقِفُ عَلَيْهِ بِلَا تَنْوِينٍ، (قُلْتُ): قَالَ النُّحَاةُ: إِنَّ أَيًّا الْمَوْصُولَةَ وَالشَّرْطِيَّةَ وَالِاسْتِفْهَامِيَّةَ مُعْرَبَةٌ دَائِمًا، فَإِذَا كَانَتْ أَيٌّ هَذِهِ مُعْرَبَةٌ عِنْدَ الْإِفْرَادِ فَكَيْفَ يُقَالُ إِنَّهَا مَبْنِيَّةٌ عِنْدَ الْإِضَافَةِ، وَلَمَّا نَقَلَ عَنْ سِيبَوَيْهِ هَذَا هَكَذَا أَنْكَرَ عَلَيْهِ الزَّجَّاجُ، فَقَالَ: مَا تَبَيَّنَ لِي أَنَّ سِيبَوَيْهِ غَلِطَ إِلَّا فِي مَوْضِعَيْنِ هَذَا أَحَدُهُمَا، فَإِنَّهُ يُسَلِّمُ أَنَّهَا تُعْرَبُ إِذَا أُفْرِدَتْ فَكَيْفَ يَقُولُ بِبِنَائِهَا إِذَا أُضِيفَتْ؟ قَوْلُهُ: (قَالَ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ) هَكَذَا هُوَ عِنْدَ أَكْثَرِ الرُّوَاةِ، وَفِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي قَالَ: ثُمَّ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ بِزِيَادَةِ كَلِمَةِ ثُمَّ وَالْبِرُّ بِكَسْرِ الْبَاءِ الْإِحْسَانُ وَبِرُّ الْوَالِدَيْنِ الْإِحْسَانُ إِلَيْهِمَا وَالْقِيَامُ بِخِدْمَتِهِمَا وَتَرْكُ الْعُقُوقِ وَالْإِسَاءَةِ إِلَيْهِمَا، مَنْ بَرَّ يَبَرُّ فَهُوَ بَارٌّ وَجَمْعُهُ بَرَرَةٌ. قَوْلُهُ: (الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ)، وَهُوَ الْمُحَارَبَةُ مَعَ الْكَفَّارِ لِإِعْلَاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ وَإِظْهَارِ شَعَائِرِ الْإِسْلَامِ بِالنَّفْسِ وَالْمَالِ، فَإِنْ قُلْتَ: مَا الْحِكْمَةُ فِي تَخْصِيصِ الذِّكْرِ بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ الثَّلَاثَةِ؟ (قُلْتُ): هَذِهِ الثَّلَاثَةُ أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ بَعْدَ الْإِيمَانِ، مَنْ ضَيَّعَ الصَّلَاةَ الَّتِي هِيَ عِمَادُ الدِّينِ مَعَ الْعِلْمِ بِفَضِيلَتِهَا كَانَ لِغَيْرِهَا مَنْ أَمْرِ الدِّينِ أَشَدَّ تَضْيِيعًا وَأَشَدَّ تَهَاوُنًا وَاسْتِخْفَافًا، وَكَذَا مَنْ تَرَكَ بِرَّ وَالِدَيْهِ فَهُوَ لِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ أَشَدُّ تَرْكًا، وَكَذَا الْجِهَادُ، مَنْ تَرَكَهُ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ عِنْدَ تَعَيُّنِهِ فَهُوَ لِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَعْمَالِ الَّتِي يُتَقَرَّبُ بِهَا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى أَشَدُّ تَرْكًا، فَالْمُحَافِظُ عَلَى هَذِهِ الثَّلَاثَةِ حَافَظَ عَلَى مَا سِوَاهَا وَالْمُضَيِّعُ لَهَا كَانَ لِمَا سِوَاهَا أَضْيَعُ. قَوْلُهُ: (حَدَّثَنِي بِهِنَّ) مَقُولُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ؛ أَيْ: بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ الثَّلَاثَةِ وَأَنَّهُ تَأْكِيدٌ وَتَقْرِيرٌ لِمَا تَقَدَّمَ؛ إِذْ لَا رَيْبَ أَنَّ اللَّفْظَ صَرِيحٌ فِي ذَلِكَ، وَهُوَ أَرْفَعُ دَرَجَاتِ التَّحَمُّلِ. قَوْلُهُ: (وَلَوِ اسْتَزَدْتُهُ)؛ أَيْ: وَلَوْ طَلَبْتُ مِنْهُ الزِّيَادَةَ فِي السُّؤَالِ لَزَادَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْجَوَابِ، ثُمَّ طَلَبُهُ الزِّيَادَةَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَهَا مِنْ هَذَا النَّوْعِ، وَهِيَ مَرَاتِبُ. أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَهَا مِنْ مُطْلَقِ الْمَسَائِلِ الْمُحْتَاجِ إِلَيْهَا، وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ مِنْ طَرِيقِ الْمَسْعُودِيِّ، عَنِ الْوَلِيدِ " فَسَكَتَ عَنِّي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَوِ اسْتَزَدْتُهُ لَزَادَنِي " فَكَأَنَّهُ فَهِمَ مِنْهُ السَّآمَةَ فَلِذَلِكَ قَالَ مَا قَالَهُ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ : " فَمَا تَرَكْتُ أَنْ أَسْتَزِيدَهُ إِلَّا إِرْعَاءً عَلَيْهِ " أَيْ: شَفَقَةً عَلَيْهِ لِئَلَّا يَسْأَمَ. (ذِكْرُ مَا يُسْتَفَادُ مِنْهُ) فِيهِ أَنَّ أَعْمَالَ الْبِرِّ تَفْضُلُ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ عِنْدِ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنْ قُلْتَ: وَرَدَ أَنَّ إِطْعَامَ الطَّعَامِ خَيْرُ أَعْمَالِ الْإِسْلَامِ، وَوَرَدَ: إِنْ أَحَبَّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ أَدْوَمُهُ، وَغَيْرُ ذَلِكَ، فَمَا وَجْهُ التَّوْفِيقِ بَيْنَهُمَا؟ قُلْتُ: أَجَابَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِكُلِّ مَنْ سَأَلَ بِمَا يُوَافِقُ غَرَضَهُ أَوْ بِمَا يَلِيقُ بِهِ أَوْ بِحَسَبَ الْوَقْتِ، فَإِنَّ الْجِهَادَ كَانَ فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ أَفْضَلَ الْأَعْمَالِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ كَالْوَسِيلَةِ إِلَى الْقِيَامِ بِهَا وَالتَّمَكُّنِ مِنْ أَدَائِهَا أَوْ بِحَسَبِ الْحَالِ، فَإِنَّ النُّصُوصَ تَعَاضَدَتْ عَلَى فَضْلِ الصَّلَاةِ عَلَى الصَّدَقَةِ، وَرُبَّمَا تَجَدَّدَ حَالٌ يَقْتَضِي مُوَاسَاةَ مُضْطَرٍّ فَتَكُونُ الصَّدَقَةُ حِينَئِذٍ أَفْضَلَ، وَيُقَالُ: إِنَّ أَفْعَلَ فِي أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ لَيْسَ عَلَى بَابِهِ، بَلِ الْمُرَادُ بِهِ الْفَضْلُ الْمُطْلَقُ، وَيُقَالُ: التَّقْدِيرُ: إِنَّ مِنْ أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ، فَحُذِفَتْ كَلِمَةً مِنْ وَهِيَ مُرَادَّةٌ، (قُلْتُ): وَفِيهِ نَظَرٌ، وَفِيهِ مَا قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: إِنَّ الْبِدَارَ إِلَى الصَّلَاةِ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا أَفْضَلُ مِنَ التَّرَاخِي فِيهَا؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا شَرَطَ فِيهَا أَنْ تَكُونَ أَحَبَّ مِنَ الْأَعْمَالِ إِذَا أُقِيمَتْ لِوَقْتِهَا الْمُسْتَحَبِّ، (قُلْتُ): لَفْظُ الْحَدِيثِ لَا يَدُلُّ عَلَى مَا ذَكَرَهُ عَلَى مَا لَا يَخْفَى. وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: لَيْسَ فِي هَذَا اللَّفْظِ مَا يَقْتَضِي أَوَّلًا وَلَا آخِرًا، فَكَانَ الْمَقْصُودُ بِهِ الِاحْتِرَازُ عَمَّا إِذَا وَقَعَتْ قَضَاءً. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ إِخْرَاجَهَا عَنْ وَقْتِهَا مُحَرَّمٌ، وَلَفْظُ أَحَبَّ يَقْتَضِي الْمُشَارَكَةَ فِي الِاسْتِحْبَابِ فَيَكُونُ الْمُرَادُ الِاحْتِرَازُ عَنْ إِيقَاعِهَا آخِرَ الْوَقْتِ، (قُلْتُ): الَّذِي يَدُلُّ ظَاهِرُ اللَّفْظِ أَنَّ الصَّلَاةَ مُشَارِكَةٌ لِغَيْرِهَا مِنَ الْأَعْمَالِ فِي الْمَحَبَّةِ، فَإِذَا وَقَعَتِ الصَّلَاةُ فِي وَقْتِهَا كَانَتْ أَحَبَّ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنْ غَيْرِهَا، فَيَكُونُ الِاحْتِرَازُ عَنْ وُقُوعِهَا خَارِجَ الْوَقْتِ، فَإِنْ قُلْتَ: رَوَى التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْوَقْتُ الْأَوَّلُ مِنَ الصَّلَاةِ رِضْوَانُ اللَّهِ، وَالْوَقْتُ الْآخَرُ عَفْوُ اللَّهِ، وَالْعَفْوُ لَا يَكُونُ إِلَّا عِنْدَ التَّقْصِيرِ ، (قُلْتُ): قَالَ ابْنُ حِبَّانَ : لِمَا رَوَاهُ فِي (كِتَابِ الضُّعَفَاءِ) وَتَفَرَّدَ بِهِ يَعْقُوبُ بْنُ الْوَلِيدِ، وَكَانَ يَضَعُ الْحَدِيثَ. وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ : هُوَ مَوْضُوعٌ. وَقَالَ الْمَيْمُونِيُّ : سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: لَا أَعْرِفُ شَيْئًا يَثْبُتُ فِي أَوْقَاتِ الصَّلَاةِ أَوَّلُهَا كَذَا وَآخِرُهَا كَذَا؛ يَعْنِي: مَغْفِرَةً وَرِضْوَانًا، وَفِيهِ تَعْظِيمُ الْوَالِدَيْنِ وَبَيَانُ فَضْلِهِ، وَيَجِبُ الْإِحْسَانُ إِلَيْهِمَا وَلَوْ كَانَا كَافِرَيْنِ، وَفِيهِ السُّؤَالُ عَنْ مَسَائِلَ شَتَّى فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ وَجَوَازُ تَكْرِيرِ السُّؤَالِ، وَفِيهِ الرِّفْقُ بِالْعَالَمِ وَالتَّوَقُّفُ، عَنِ الْإِكْثَارِ عَلَيْهِ خَشْيَةَ مِلَالِهِ، وَفِيهِ أَنَّ الْإِشَارَةَ تُنْزِلُ مَنْزِلَةَ التَّصْرِيحِ إِذَا كَانَتْ مُعَيِّنَةً لِلْمُشَارِ إِلَيْهِ مُمَيِّزَةً عَنْ غَيْرِهِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْأَخْرَسَ إِذَا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ بِالْإِشَارَةِ الْمُفْهِمَةِ يَقَعُ طَلَاقُهُ بِحَسَبِ الْإِشَارَةِ، وَكَذَا سَائِرُ تَصَرُّفَاتِهِ.

                                                                                                                                                                                  ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                  الخدمات العلمية