الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                  صحيح البخاري 5606 161 - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ مُسْلِمٍ قَالَ: كُنَّا مَعَ مَسْرُوقٍ فِي دَارِ يَسَارِ بْنِ نُمَيْرٍ، فَرَأَى فِي صُفَّتِهِ تَمَاثِيلَ، فَقَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: إِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَذَابًا عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْمُصَوِّرُونَ. عمدة القاري مُطَابَقَتُهُ لِلتَّرْجَمَةِ ظَاهِرَةٌ. وَالْحُمَيْدِيُّ مَرَّ عَنْ قَرِيبٍ، وَسُفْيَانُ هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ، وَالْأَعْمَشُ هُوَ سُلَيْمَانُ، وَمُسْلِمٌ هُوَ ابْنُ الصُّبَيْحِ أَبُو الضُّحَى، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: وَجَوَّزَ الْكِرْمَانِيُّ أَنْ يَكُونَ مُسْلِمٌ ابْنَ عِمْرَانَ الْبُطَيْنَ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّهُ الظَّاهِرُ، وَهُوَ مَرْدُودٌ، فَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، قُلْتُ: لَمْ يَقُلِ الْكِرْمَانِيُّ هَذَا; بَلْ قَالَ مُسْلِمٌ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَبَا الضُّحَى، وَأَنْ يَكُونَ الْبُطَيْنِ؛ لِأَنَّهُمَا يَرْوِيَانِ عَنْ مَسْرُوقٍ، وَالْأَعْمَشُ يَرْوِي عَنْهُمَا، وَالظَّاهِرُ هُوَ الثَّانِي، وَلَا قَدْحَ بِهَذَا الِاشْتِبَاهِ; لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا بِشَرْطِ الْبُخَارِيِّ، وَالْعَجَبُ مِنْ هَذَا الْقَائِلِ أَنَّهُ يَنْقُلُ غَيْرَ صَحِيحٍ ثُمَّ يَسْتَدِلُّ عَلَى صِحَّةِ قَوْلِهِ بِمَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ، وَهُوَ اسْتِدْلَالٌ مَرْدُودٌ؛ لِأَنَّ رِوَايَةَ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي الضُّحَى لَا تَسْتَلْزِمُ رِوَايَةَ الْبُخَارِيِّ عَنْهُ؛ لِوُجُودِ الِاحْتِمَالِ الْمَذْكُورِ، وَمَسْرُوقٌ هُوَ ابْنُ الْأَجْدَعِ، وَيَسَارٌ، ضِدُّ الْيَمِينِ، ابْنُ نُمَيْرٍ بِالنُّونِ، الَّذِي سَكَنَ الْكُوفَةَ، وَكَانَ مَوْلَى عُمَرَ وَخَازِنَهُ، وَلَهُ رِوَايَةٌ عَنْ عُمَرَ وَغَيْرِهِ، وَرَوَى عَنْهُ أَبُو وَائِلٍ وَهُوَ مِنْ أَقْرَانِهِ، وَأَبُو إِسْحَاقَ السَّبِيعِيُّ، وَهُوَ ثِقَةٌ، وَلَا يَظْهَرُ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ غَيْرُ هَذَا الْمَوْضِعِ. وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي اللِّبَاسِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَآخَرِينَ، وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ فِي الزِّينَةِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَرْبٍ، وَغَيْرِهِ. قَوْلُهُ: " فِي صُفَّتِهِ" صُفَّةُ الدَّارِ مَشْهُورَةٌ. قَوْلُهُ: " تَمَاثِيلَ" جَمْعُ تِمْثَالٍ، بِكَسْرِ التَّاءِ، وَهُوَ اسْمٌ مِنَ الْمِثَالِ، يُقَالُ: مَثَّلْتُ، بِالتَّخْفِيفِ وَالتَّثْقِيلِ؛ إِذَا صَوَّرْتَ مِثَالًا، وَقِيلَ: لَا فَرْقَ بَيْنَ الصُّورَةِ وَالتِّمْثَالِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ بَيْنَهُمَا فَرْقًا، وَهُوَ أَنَّ الصُّورَةَ تَكُونُ فِي الْحَيَوَانِ، وَالتِّمْثَالَ يَكُونُ فِيهِ وَفِي غَيْرِهِ، وَقِيلَ: التِّمْثَالُ مَا لَهُ جِرْمٌ وَشَخْصٌ، وَالصُّورَةُ مَا كَانَ رَقْمًا أَوْ تَزْوِيقًا فِي ثَوْبٍ أَوْ حَائِطٍ. قَوْلُهُ: " إِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْمُصَوِّرُونَ" هَكَذَا وَقَعَ فِي مُسْنَدِ الْحُمَيْدِيِّ، عَنْ سُفْيَانَ " يَوْمَ الْقِيَامَةِ"، وَرُوِيَ: " إِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَذَابًا عِنْدَ اللَّهِ"، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْحُمَيْدِيَّ حَدَّثَ بِهِ عَلَى الْوَجْهَيْنِ، وَالَّذِي حَدَّثَ بِهِ الْحُمَيْدِيُّ فِي مُسْنَدِهِ هُوَ الْمُطَابِقُ لِلتَّرْجَمَةِ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ: " عِنْدَ اللَّهِ"؛ أَيْ: فِي حُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى، وَوَقَعَ لِمُسْلِمٍ فِي رِوَايَةٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ: " إِنَّ مِنْ أَشَدِّ أَهْلِ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابًا الْمُصَوِّرُونَ" كَذَا وَقَعَ عِنْدَ بَعْضِ الرُّوَاةِ، وَعِنْدَ الْأَكْثَرِينَ: "الْمُصَوِّرِينَ"، وَوُجِّهَ بِأَنَّ "مِنْ" زَائِدَةٌ، وَاسْمُ إِنَّ "أَشَدَّ"، وَوَجَّهَهَا ابْنُ مَالِكٍ عَلَى حَذْفِ ضَمِيرِ الشَّأْنِ، وَالتَّقْدِيرُ: أَنَّهُ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ.. إِلَخْ. فَإِنْ قُلْتَ: هُنَا إِشْكَالٌ، وَهُوَ كَوْنُ الْمُصَوِّرِ أَشَدَّ النَّاسِ عَذَابًا، مَعَ قَوْلِهِ تَعَالَى: أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الْمُصَوِّرُ أَشَدَّ عَذَابًا مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ! قُلْتُ: أَجَابَ الطَّبَرِيُّ بِأَنَّ الْمُرَادَ هُنَا مَنْ يُصَوِّرُ مَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ عَارِفٌ بِذَلِكَ قَاصِدٌ لَهُ؛ فَإِنَّهُ يَكْفُرُ بِذَلِكَ، فَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَدْخُلَ مَدْخَلَ آلِ فِرْعَوْنَ، وَأَمَّا مَنْ لَا يَقْصِدُ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ يَكُونُ عَاصِيًا بِتَصْوِيرِهِ فَقَطْ، وَفِيهِ نَظَرٌ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: إِنَّ النَّاسَ الَّذِينَ أُضِيفَ إِلَيْهِمْ "أَشَدَّ" لَا يُرَادُ بِهِمْ كُلُّ النَّاسِ، بَلْ بَعْضُهُمْ، وَهُمُ الَّذِينَ شَارَكُوا فِي الْمَعْنَى الْمُتَوَعَّدِ عَلَيْهِ بِالْعَذَابِ، فَفِرْعَوْنُ أَشَدُّ النَّاسِ الَّذِينَ ادَّعَوُا الْإِلِهِيَّةَ عَذَابًا، وَمَنْ يَقْتَدِي بِهِ فِي ضَلَالَةِ كُفْرِهِ أَشَدُّ عَذَابًا مِمَّنْ يَقْتَدِي بِهِ فِي ضَلَالَةِ فِسْقِهِ، وَمِنْ صَوَّرَ صُورَةً ذَاتَ رُوحٍ لِلْعِبَادَةِ أَشَدُّ عَذَابًا مِمَّنْ يُصَوِّرُهَا لَا لِلْعِبَادَةِ، وَقِيلَ: الرِّوَايَةُ ثَابِتَةٌ بِإِثْبَاتِ "مِنْ" وَبِحَذْفِهَا مَحْمُولَةٌ عَلَيْهَا، وَإِذَا كَانَ مَنْ يَفْعَلُ التَّصْوِيرَ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ عَذَابًا كَانَ مُشْتَرِكًا مَعَ غَيْرِهِ، وَلَيْسَ فِي الْآيَةِ مَا يَقْتَضِي اخْتِصَاصَ آلِ فِرْعَوْنَ بِأَشَدِّ الْعَذَابِ، بَلْ هُمْ فِي الْعَذَابِ الْأَشَدِّ، فَكَذَلِكَ غَيْرُهُمْ، يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي الْعَذَابِ الْأَشَدِّ، وَقِيلَ: الْوَعِيدُ بِهَذِهِ الصِّيغَةِ إِنْ وَرَدَ فِي حَقِّ كَافِرٍ فَلَا إِشْكَالَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ مُشْتَرِكًا فِي ذَلِكَ مَعَ آلِ فِرْعَوْنَ، وَيَكُونُ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى عِظَمِ كُفْرِ الْمَذْكُورِ، وَإِنْ كَانَ وَرَدَ فِي حَقِّ عَاصٍ فَيَكُونُ أَشَدَّ عَذَابًا مِنْ غَيْرِهِ مِنَ الْعُصَاةِ، وَيَكُونُ ذَلِكَ دَالًّا عَلَى عِظَمِ الْمَعْصِيَةِ الْمَذْكُورَةِ. وَفِي (التَّوْضِيحِ): قَالَ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ: تَصْوِيرُ صُورَةِ الْحَيَوَانِ حَرَامٌ أَشَدَّ التَّحْرِيمِ وَهُوَ مِنَ الْكَبَائِرِ، وَسَوَاءٌ صَنَعَهُ لِمَا يُمْتَهَنُ أَوْ لِغَيْرِهِ فَحَرَامٌ بِكُلِّ حَالٍ; لِأَنَّ فِيهِ مُضَاهَاةً لِخَلْقِ اللَّهِ، وَسَوَاءٌ كَانَ فِي ثَوْبٍ، أَوْ بِسَاطٍ، أَوْ دِينَارٍ، أَوْ دِرْهَمٍ، أَوْ فَلْسٍ، أَوْ إِنَاءٍ، أَوْ حَائِطٍ، وَأَمَّا مَا لَيْسَ فِيهِ صُورَةُ حَيَوَانٍ؛ كَالشَّجَرِ وَنَحْوِهِ، فَلَيْسَ بِحَرَامٍ، وَسَوَاءٌ كَانَ فِي هَذَا كُلِّهِ مَا لَهُ ظِلٌّ، وَمَا لَا ظِلَّ لَهُ، وَبِمَعْنَاهُ قَالَ جَمَاعَةُ الْعُلَمَاءِ: مَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَغَيْرُهُمْ، وَقَالَ الْقَاضِي: إِلَّا مَا وَرَدَ فِي لَعِبِ الْبَنَاتِ، وَكَانَ مَالِكٌ يَكْرَهُ شِرَاءَ ذَلِكَ.

                                                                                                                                                                                  ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                  الخدمات العلمية