الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                  صحيح البخاري 6579 وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: إِنِ اشْتَرَى دَارًا بِعِشْرِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَحْتَالَ حَتَّى يَشْتَرِيَ الدَّارَ بِعِشْرِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ ، وَيَنْقُدَهُ تِسْعَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ وَتِسْعَمِائَةِ دِرْهَمٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ ، وَيَنْقُدَهُ دِينَارًا بِمَا بَقِيَ مِنَ الْعِشْرِينَ الْأَلْفَ ، فَإِنْ طَلَبَ الشَّفِيعُ أَخَذَهَا بِعِشْرِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ ، وَإِلَّا فَلَا سَبِيلَ لَهُ عَلَى الدَّارِ ، فَإِنِ اسْتُحِقَّتِ الدَّارُ رَجَعَ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ بِمَا دَفَعَ إِلَيْهِ ، وَهُوَ تِسْعَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ وَتِسْعُمِائَةٍ وَتِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ دِرْهَمًا وَدِينَارٌ ; لِأَنَّ الْبَيْعَ حِينَ اسْتُحِقَّ انْتَقَضَ الصَّرْفُ فِي الدِّينَارِ ، فَإِنْ وَجَدَ بِهَذِهِ الدَّارِ عَيْبًا وَلَمْ تُسْتَحَقَّ فَإِنَّهُ يَرُدُّهَا عَلَيْهِ بِعِشْرِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ ، قَالَ: فَأَجَازَ هَذَا الْخِدَاعَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ ، وَقَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا دَاءَ وَلَا خِبْثَةَ وَلَا غَائِلَةَ . عمدة القاري هَذَا أَيْضًا تَشْنِيعٌ بَعْدَ تَشْنِيعٍ بِلَا وَجْهٍ. قَوْلُهُ: " إِنِ اشْتَرَى دَارًا " أَيْ أَرَادَ اشْتِرَاءَ دَارٍ بِعِشْرِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ. قَوْلُهُ: " فَلَا بَأْسَ أَنْ يَحْتَالَ " أَيْ عَلَى إِسْقَاطِ الشُّفْعَةِ حَتَّى يَشْتَرِيَ الدَّارَ بِعِشْرِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ. قَوْلُهُ: " وَيَنْقُدَهُ " أَيْ يَنْقُدَ الْبَائِعَ تِسْعَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ وَتِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ ، وَيَنْقُدَهُ دِينَارًا بِمَا بَقِيَ ، أَيْ بِمُقَابَلَةِ مَا بَقِيَ مِنَ الْعِشْرِينَ الْأَلْفَ ، وَيُرْوَى: مِنَ الْعِشْرِينَ أَلْفًا ، يَعْنِي مَصَارِفَهُ عَنْهَا. قَوْلُهُ: " فَإِنْ طَلَبَ الشَّفِيعُ " أَيْ أَخْذَهَا بِالشُّفْعَةِ. قَوْلُهُ: " أَخَذَهَا " بِصِيغَةِ الْمَاضِي ، أَيْ أَخَذَهَا بِعِشْرِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ ، يَعْنِي بِثَمَنِ الَّذِي وَقَعَ عَلَيْهِ الْعَقْدُ. قَوْلُهُ: " وَإِلَّا فَلَا سَبِيلَ لَهُ عَلَى الدَّارِ " يَعْنِي وَإِنْ لَمْ يَرْضَ أَخْذَهَا بِعِشْرِينَ أَلْفًا ، فَلَا سَبِيلَ لَهُ عَلَى الدَّارِ لِسُقُوطِ الشُّفْعَةِ ، لِكَوْنِهِ امْتَنَعَ مِنْ بَدَلِ الثَّمَنِ الَّذِي وَقَّعَ عَلَيْهِ الْعَقْدَ. قَوْلُهُ: "فَإِنِ اسْتُحِقَّتْ" عَلَى صِيغَةِ الْمَجْهُولِ ، يَعْنِي إِذَا ظَهَرَتِ الدَّارُ مُسْتَحَقَّةً لِغَيْرِ الْبَائِعِ. قَوْلُهُ: " لِأَنَّ الْبَيْعَ " أَيْ لِأَنَّ الْمَبِيعَ. قَوْلُهُ: " حِينَ اسْتُحِقَّ " أَيْ لِلْغَيْرِ. قَوْلُهُ: " انْتَقَضَ الصَّرْفُ " أَيِ الَّذِي وَقَعَ بَيْنَ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي فِي الدَّارِ الْمَذْكُورَةِ بِالدِّينَارِ ، وَهِيَ رِوَايَةُ الْكُشْمَيْهَنِيِّ ، أَعْنِي فِي الدِّينَارِ ، وَفِي رِوَايَةِ غَيْرِهِ: فِي الدَّارِ ، وَالْأَوَّلُ أَوْجَهُ. قَوْلُهُ: " فَإِنْ وَجَدَ بِهَذِهِ الدَّارِ " أَيِ الدَّارِ الْمَذْكُورَةِ عَيْبًا. قَوْلُهُ: " وَلَمْ تُسْتَحَقَّ " الْوَاوُ فِيهِ لِلْحَالِ ، أَيْ وَالْحَالُ أَنَّهَا لَمْ تَخْرُجْ مُسْتَحَقَّةً ، فَإِنَّهُ يَرُدُّهَا - أَيِ الدَّارَ - عَلَيْهِ ، أَيْ عَلَى الْبَائِعِ بِعِشْرِينَ أَلْفًا ، قَالَ: وَهَذَا تَنَاقُضٌ بَيِّنٌ ; لِأَنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ - وَأَبُو حَنِيفَةَ مَعَهُمْ - عَلَى أَنَّ الْبَائِعَ لَا يَرُدُّ فِي الِاسْتِحْقَاقِ ، وَالرَّدُّ بِالْعَيْبِ إِلَّا مَا قُبِضَ ، فَكَذَلِكَ الشَّفِيعُ لَا يُشْفَعُ إِلَّا بِمَا نَقَدَ الْمُشْتَرِيَ ، وَمَا قَبَضَهُ مِنَ الْبَائِعِ لَا بِمَا عَقَدَ ، وَأَشَارَ إِلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: قَالَ: فَأَجَازَ هَذَا الْخِدَاعَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ ، أَيْ أَجَازَ الْحِيلَةَ فِي إِيقَاعِ الشَّرِيكِ فِي الْعَيْنِ إِنْ أَخَذَ الشُّفْعَةَ ، وَإِبْطَالِ حَقِّهِ بِسَبَبِ الزِّيَادَةِ فِي الثَّمَنِ بِاعْتِبَارِ الْعَقْدِ لَوْ تَرَكَهَا ، وَالضَّمِيرُ فِي " قَالَ " يَرْجِعُ إِلَى الْبُخَارِيِّ ، وَفِي "أَجَازَ" إِلَى بَعْضِ النَّاسِ ، فَإِنْ كَانَ مُرَادُهُ مِنْ قَوْلِهِ: " فَأَجَازَ " أَيْ أَبُو حَنِيفَةَ فَفِيهِ سُوءُ الْأَدَبِ ، فَحَاشَا أَبُو حَنِيفَةَ مِنْ ذَلِكَ ، فَدِينُهُ الْمَتِينُ وَوَرَعُهُ الْمُحْكَمُ يَمْنَعُهُ عَنْ ذَلِكَ. قَوْلُهُ: وَقَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " ، أَيْ قَالَ الْبُخَارِيُّ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَرَادَ بِهَذَا الْحَدِيثِ الْمُعَلَّقِ الَّذِي مَضَى مَوْصُولًا بِأَتَمَّ مِنْهُ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الْبُيُوعِ الِاسْتِدْلَالَ عَلَى حُرْمَةِ الْخِدَاعِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فِي مُعَاقَدَاتِهِمْ . قَوْلُهُ: " لَا دَاءَ " أَيْ لَا مَرَضَ ، " وَلَا خِبْثَةَ " بِكَسْرِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ ، أَيْ لَا يَكُونُ ، وَحُكِيَ الضَّمُّ أَيْضًا ، وَقَالَ الْهَرَوِيُّ : الْخِبْثَةُ: أَنْ يَكُونَ الْبَيْعُ غَيْرَ طَيِّبٍ ، كَأَنْ يَكُونَ مِنْ قَوْمٍ لَمْ يَحِلَّ سَبْيُهُمْ لِعَهْدٍ تَقَدَّمَ لَهُمْ ، وَقَالَ ابْنُ التِّينِ : وَهَذَا فِي عَهْدِ الرَّقِيقِ ، قِيلَ: إِنَّمَا خَصَّهُ بِذَلِكَ لِأَنَّ الْخَبَرَ إِنَّمَا وَرَدَ فِيهِ. قَوْلُهُ: " وَلَا غَائِلَةَ " ، وَهُوَ أَنْ يَأْتِيَ أَمْرًا سُوءًا كَالتَّدْلِيسِ وَنَحْوِهِ ، وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ : الْغَائِلَةُ: الْهَلَاكُ ، أَيْ لَا يَكُونُ فِيهِ هَلَاكُ مَالِ الْمُشْتَرِي ، وَالْأَصْلُ عِنْدَهُ - مَنْ يَرَى هَذَا الِاحْتِيَالَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ وَغَيْرِهَا - هُوَ أَنَّ إِبْطَالَ الْحُقُوقِ الثَّابِتَةِ بِالتَّرَاضِي جَائِزٌ.

                                                                                                                                                                                  ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                  الخدمات العلمية