الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                  صحيح البخاري 6672 32 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ رَجُلٍ لَمْ يُسَمِّهِ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: خَرَجْتُ بِسِلَاحِي لَيَالِيَ الْفِتْنَةِ فَاسْتَقْبَلَنِي أَبُو بَكْرَةَ، فَقَالَ: أَيْنَ تُرِيدُ؟ قُلْتُ: أُرِيدُ نُصْرَةَ ابْنِ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِذَا تَوَاجَهَ الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَكِلَاهُمَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ. قِيلَ: فَهَذَا الْقَاتِلُ، فَمَا بَالَ الْمَقْتُولِ؟ قَالَ: إِنَّهُ أَرَادَ قَتْلَ صَاحِبِهِ. قَالَ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ: فَذَكَرْتُ هَذَا الْحَدِيثَ لِأَيُّوبَ وَيُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ، وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ يُحَدِّثَانِي بِهِ، فَقَالَا: إِنَّمَا رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ الْحَسَنُ عَنِ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ. عمدة القاري مُطَابَقَتُهُ لِلتَّرْجَمَةِ تُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ: (إِذَا تَوَاجَهَ الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا) ، وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَعْنَاهُ إِذَا الْتَقَيَا. وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَجَبِيُّ الْبَصْرِيُّ مِنْ أَفْرَادِ الْبُخَارِيِّ ، وَحَمَّادٌ هُوَ ابْنُ زَيْدٍ وَقَدْ نَسَبَهُ فِي أَثْنَاءِ الْحَدِيثِ. قَوْلُهُ: (عَنْ رَجُلٍ) قَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ شَيْخُ الْمُعْتَزِلَةِ وَكَانَ سَيِّئَ الضَّبْطِ، قَالَهُ الْحَافِظُ الْمِزِّيُّ فِي التَّهْذِيبِ. وَقَالَ صَاحِبُ التَّلْوِيحِ: هُوَ هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْقُرْدُوسِيُّ وَتَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ صَاحِبُ التَّوْضِيحِ، وَكَذَا قَالَهُ الْكَرْمَانِيُّ نَاقِلًا عَنْ قَوْمٍ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: فِيهِ بُعْدٌ. قُلْتُ: لَيْتَ شِعْرِي مَا وَجْهُ الْبُعْدِ؟ وَوَجْهُ الْبُعْدِ فِيمَا قَالَهُ، وَيُؤَيِّدُ مَا قَالَهُ هَؤُلَاءِ مَا قَالَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ فِي صَحِيحِهِ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ ، عَنِ الْحَسَنِ - فَذَكَرَهُ، وَتُوَضِّحُهُ رِوَايَةُ النَّسَائِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ خَلَفِ بْنِ تَمِيمٍ ، عَنْ زَائِدَةَ ، عَنْ هِشَامٍ ، عَنِ الْحَسَنِ ... الْحَدِيثَ، وَالْحَسَنُ هُوَ الْبَصْرِيُّ . قَوْلُهُ: (لَيَالِيَ الْفِتْنَةِ) أَرَادَ بِهَا الْحَرْبَ الَّتِي وَقَعَتْ بَيْنَ عَلِيٍّ وَمَنْ مَعَهُ وَعَائِشَةَ وَمَنْ مَعَهَا، كَذَا قَالَ بَعْضُهُمْ. قُلْتُ: مَا مَعْنَى إِبْهَامِهِ ذَلِكَ، وَالْمُرَادُ بِهِ وَقْعَةُ الْجَمَلِ وَوَقْعَةُ صِفِّينَ . قَوْلُهُ: (فَاسْتَقْبَلَنِي أَبُو بَكْرَةَ ) هُوَ نُفَيْعُ بْنُ الْحَارِثِ الثَّقَفِيُّ . قَوْلُهُ: (قُلْتُ: أُرِيدُ نُصْرَةَ ابْنِ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وَهُوَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ : أُرِيدُ نَصْرَ ابْنِ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَعْنِي عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، قَالَ: فَقَالَ لِي: يَا أَحْنَفُ ارْجِعْ . قَوْلُهُ: (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) ، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ " قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ". قَوْلُهُ: (إِذَا تَوَاجَهَ الْمُسْلِمَانِ) ، وَيُرْوَى " تَوَجَّهَ ". وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : تَوَاجَهَ، أَيْ ضَرَبَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَجْهَ الْآخَرِ، أَيْ ذَاتَهُ. قَوْلُهُ: (فَكِلَاهُمَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ) ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ : فِي النَّارِ، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ : فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ . قَوْلُهُ: (أَهْلِ النَّارِ) أَيْ: مُسْتَحِقٌّ لَهَا وَقَدْ يَعْفُو اللَّهُ عَنْهُ. وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ وَمُعَاوِيَةُ كِلَاهُمَا كَانَا مُجْتَهِدَيْنِ، غَايَةُ مَا فِي الْبَابِ أَنَّ مُعَاوِيَةَ كَانَ مُخْطِئًا فِي اجْتِهَادِهِ وَلَهُ أَجْرٌ وَاحِدٌ، وَكَانَ لِعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَجْرَانِ، قُلْتُ: الْمُرَادُ بِمَا فِي الْحَدِيثِ الْمُتَوَاجِهَانِ بِلَا دَلِيلٍ مِنَ الِاجْتِهَادِ وَنَحْوِهِ، انْتَهَى. قُلْتُ: كَيْفَ يُقَالُ كَانَ مُعَاوِيَةُ مُخْطِئًا فِي اجْتِهَادِهِ؟ فَمَا كَانَ الدَّلِيلُ فِي اجْتِهَادِهِ وَقَدْ بَلَغَهُ الْحَدِيثُ الَّذِي قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَيْحَ ابْنِ سُمَيَّةَ ؛ تَقْتُلُهُ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ! وَابْنُ سُمَيَّةَ هُوَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ وَقَدْ قَتَلَهُ فِئَةُ مُعَاوِيَةَ ، أَفَلَا يَرْضَى مُعَاوِيَةُ سَوَاءً بِسَوَاءٍ حَتَّى يَكُونَ لَهُ أَجْرٌ وَاحِدٌ؟ وَرَوَى الزُّهْرِيُّ عَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: مَا وَجَدْتُ فِي نَفْسِي مِنْ شَيْءِ مَا وَجَدْتُ أَنِّي لَمْ أُقَاتِلْ هَذِهِ الْفِئَةَ الْبَاغِيَةَ كَمَا أَمَرَنِي اللَّهُ . فَإِنْ قُلْتَ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو مِمَّنْ رَوَى الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ وَأَخْبَرَ مُعَاوِيَةَ بِهَذَا، فَكَيْفَ كَانَ مَعَ فِئَةِ مُعَاوِيَةَ ؟ قُلْتُ: رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: لَمْ أَضْرِبْ بِسَيْفٍ وَلَمْ أَطْعَنْ بِرُمْحٍ، وَلَكِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: أَطِعْ أَبَاكَ - فَأَطَعْتُهُ. وَقِيلَ لِإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ : مَنْ كَانَ أَفْضَلَ؛ عَلْقَمَةُ أَوِ الْأَسْوَدُ ؟ فَقَالَ: عَلْقَمَةُ ؛ لِأَنَّهُ شَهِدَ صِفِّينَ وَخَضَّبَ سَيْفَهُ بِهَا . وَقِيلَ: كَانَ أُوَيْسٌ الْقَرْنِيُّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ مَعَ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ فِي الرَّجَّالَةِ، قَالَهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ . وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : مُسَاعَدَةُ الْإِمَامِ الْحَقِّ وَدَفْعُ الْبُغَاةِ وَاجِبَةٌ، فَلِمَ مَنَعَ أَبُو بَكْرَةَ الْحَسَنَ عَنْ حُضُورِهِ مَعَ فِئَةِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ؟ وَأَجَابَ بِقَوْلِهِ: لَعَلَّ الْأَمْرَ لَمْ يَكُنْ بَعْدُ ظَاهِرًا عَلَيْهِ. قَوْلُهُ: (قِيلَ: فَهَذَا الْقَاتِلُ) الْقَائِلُ هُوَ أَبُو بَكْرَةَ ، فَقَوْلُهُ: (الْقَاتِلُ) مُبْتَدَأٌ وَخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، أَيْ: هَذَا الْقَاتِلُ يَسْتَحِقُّ النَّارَ (فَمَا بَالَ الْمَقْتُولِ؟) ، أَيْ: فَمَا ذَنْبُهُ، (قَالَ: إِنَّهُ) ، أَيْ: إِنَّ الْمَقْتُولَ أَرَادَ قَتْلَ صَاحِبِهِ، وَتَقَدَّمَ فِي الْإِيمَانِ: إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ . فَإِنْ قُلْتَ: مُرِيدُ الْمَعْصِيَةِ إِذَا لَمْ يَعْمَلْهَا كَيْفَ يَكُونُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ؟ قُلْتُ: إِذَا جَزَمَ بِعَمَلِهَا وَأَصَرَّ عَلَيْهِ يَصِيرُ بِهِ عَاصِيًا، وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا. قَوْلُهُ: (قَالَ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ) هُوَ مَوْصُولٌ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ. قَوْلُهُ: (قُلْتُ لِأَيُّوبَ ) هُوَ السِّخْتِيَانِيُّ ، وَيُونُسُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ دِينَارٍ الْقَيْسِيُّ الْبَصْرِيُّ . قَوْلُهُ: (فَقَالَا) أَيْ: أَيُّوبُ وَيُونُسُ (إِنَّمَا رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ الْحَسَنُ عَنِ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ ) ؛ يَعْنِي أَنَّ عَمْرَو بْنَ عُبَيْدٍ أَخْطَأَ فِي حَذْفِ الْأَحْنَفِ بَيْنَ الْحَسَنِ وَأَبِي بَكْرَةَ ، وَالْأَحْنَفُ بْنُ قَيْسٍ السَّعْدِيُّ التَّمِيمِيُّ الْبَصْرِيُّ وَاسْمُهُ الضَّحَّاكُ ، وَالْأَحْنَفُ لَقَبُهُ وَعُرِفَ بِهِ وَدَعَا لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مَاتَ سَنَةَ سَبْعٍ وَسِتِّينَ بِالْكُوفَةِ . وَقَالَ أَبُو عُمَرَ : الْأَحْنَفُ بْنُ قَيْسٍ أَدْرَكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَرَهُ وَدَعَا لَهُ، وَإِنَّمَا ذَكَرْنَاهُ فِي الصَّحَابَةِ لِأَنَّهُ أَسْلَمَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

                                                                                                                                                                                  ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                  الخدمات العلمية