الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                  صحيح البخاري 912 7 - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا جَرِيرٌ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : خَطَبَنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْأَضْحَى بَعْدَ الصَّلَاةِ فَقَالَ : مَنْ صَلَّى صَلَاتَنَا أَوْ نَسَكَ نُسُكَنَا فَقَدْ أَصَابَ النُّسُكَ ، وَمَنْ نَسَكَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ قَبْلَ الصَّلَاةِ ، وَلَا نَسَكَ لَهُ ، فَقَالَ أَبُو بُرْدَةَ بْنُ نِيَارٍ خَالُ الْبَرَاءِ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَإِنِّي نَسَكْتُ شَاتِي قَبْلَ الصَّلَاةِ ، وَعَرَفْتُ أَنَّ الْيَوْمَ يَوْمُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَأَحْبَبْتُ أَنْ تَكُونَ شَاتِي أَوَّلَ مَا يُذْبَحُ فِي بَيْتِي ، فَذَبَحْتُ شَاتِي وَتَغَدَّيْتُ قَبْلَ أَنْ آتِيَ الصَّلَاةَ ، قَالَ : شَاتُكَ شَاةُ لَحْمٍ ، قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَإِنَّ عِنْدَنَا عَنَاقًا لَنَا جَذَعَةً هِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ شَاتَيْنِ أَفَتَجْزِي عَنِّي ؟ قَالَ : نَعَمْ وَلَنْ تَجْزِيَ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ . عمدة القاري مُطَابَقَتُهُ لِلتَّرْجَمَةِ فِي قَوْلِهِ : "وَعَرَفْتُ أَنَّ الْيَوْمَ يَوْمُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ" وَلِهَذَا إِنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُعَنِّفْ أَبَا بُرْدَةَ لَمَّا قَالَ لَهُ : "تَغَدَّيْتُ قَبْلَ أَنْ آتِيَ الصَّلَاةَ" . ( ذِكْرُ رِجَالِهِ ) وَهُمْ خَمْسَةٌ : الْأَوَّلُ عُثْمَانُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ اسْمُهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عُثْمَانَ أَبُو الْحَسَنِ الْعَبْسِيُّ الْكُوفِيُّ أَخُو أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ ، وَهُوَ أَكْبَرُ مِنْ أَبِي بَكْرٍ بِثَلَاثِ سِنِينَ مَاتَ فِي الْمُحَرَّمِ سَنَةَ تِسْعٍ وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ ، الثَّانِي جَرِيرٌ بِفَتْحِ الْجِيمِ ابْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ الضَّبِّيُّ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الرَّازِيُّ وَقَدْ تَقَدَّمَ ، الثَّالِثُ مَنْصُورُ بْنُ الْمُعْتَمِرِ الْكُوفِيُّ ، الرَّابِعُ الشَّعْبِيُّ عَامِرُ بْنُ شَرَاحِيلَ ، الْخَامِسُ الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ . ( ذِكْرُ لَطَائِفِ إِسْنَادِهِ ) فِيهِ التَّحْدِيثُ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ فِي مَوْضِعَيْنِ ، وَفِيهِ الْعَنْعَنَةُ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ ، وَفِيهِ الْقَوْلُ فِي مَوْضِعَيْنِ ، وَفِيهِ أَنَّ رُوَاتَهُ كُلَّهُمْ كُوفِيُّونَ ، وَجَرِيرٌ أَصْلُهُ مِنَ الْكُوفَةِ ، وَفِيهِ أَنَّهُ ذَكَرَ شَيْخَهُ بِلَا نِسْبَةٍ لِشُهْرَتِهِ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا تَعَدُّدَ مَوْضِعِهِ ، وَمَنْ أَخْرَجَهُ غَيْرُهُ . ( ذِكْرُ مَعْنَاهُ ) قَوْلُهُ : "وَنَسَكَ نُسُكَنَا" يُقَالُ : نَسَكَ يَنْسُكُ مِنْ بَابِ نَصَرَ يَنْصُرُ نَسْكًا بِفَتْحِ النُّونِ إِذَا ذَبَحَ ، وَالنَّسِيكَةُ الذَّبِيحَةُ وَجَمْعُهَا نُسُكٌ ، وَمَعْنَى "مَنْ نَسَكَ نُسُكَنَا" أَنَّ مَنْ ضَحَّى مِثْلَ ضَحِيَّتِنَا ، وَفِي الْمُحْكَمِ : نُسُكٌ بِضَمِّ السِّينِ عَنِ اللِّحْيَانِيِّ وَالنُّسُكُ الْعِبَادَةُ ، وَقِيلَ لِثَعْلَبٍ : هَلْ يُسَمَّى الصَّوْمُ نُسُكًا ؟ فَقَالَ : كُلُّ حَقٍّ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ يُسَمَّى نُسُكًا ، وَالْمَنْسَكُ وَالْمَنْسِكُ شِرْعَةُ النُّسُكِ ، وَرَجُلٌ نَاسِكٌ أَيْ عَابِدٌ ، وَتَنَسَّكَ إِذَا تَعَبَّدَ ، قَوْلُهُ : "فَإِنَّهُ" أَيِ النُّسُكَ ، حَاصِلُ الْمَعْنَى أَنَّ مَنْ نَسَكَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَلَا اعْتِدَادَ بِنُسُكِهِ ، وَلَفْظُ : "وَلَا نَسُكَ لَهُ" كَالتَّوْضِيحِ وَالْبَيَانِ لَهُ ، قَوْلُهُ : "أَبُو بُرْدَةَ" بِضَمِّ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ وَاسْمُهُ هَانِئٌ بِالنُّونِ ثُمَّ بِالْهَمْزِ ابْنُ عَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ الْبَلَوِيُّ الْمَدَنِيُّ ، وَقِيلَ : اسْمُهُ الْحَارِثُ بْنُ عَمْرٍو ، وَيُقَالُ : مَالِكُ بْنُ هُبَيْرَةَ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ، وَنِيَارٌ بِكَسْرِ النُّونِ وَتَخْفِيفِ الْيَاءِ آخِرِ الْحُرُوفِ وَبَعْدَ الْأَلِفِ رَاءٌ ، قَوْلُهُ : "أَوَّلُ شَاةٍ" بِالْإِضَافَةِ وَيُرْوَى بِدُونِ الْإِضَافَةِ مَفْتُوحًا وَمَضْمُومًا أَمَّا الضَّمُّ فَلِأَنَّهُ مِنَ الظُّرُوفِ الْمَقْطُوعَةِ عَنِ الْإِضَافَةِ نَحْوَ قَبْلُ وَبَعْدُ ، وَأَمَّا الْفَتْحُ فَلِأَنَّهُ مِنَ الْمُضَافِ إِلَى الْجُمْلَةِ ، فَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ : إِنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ أَوْ إِنَّهُ مَنْصُوبٌ ، وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ هُوَ خَبَرُ الْكَوْنِ ، قَوْلُهُ : "شَاتُكَ شَاةُ لَحْمٍ" أَيْ لَيْسَتْ أُضْحِيَّةً وَلَا ثَوَابَ فِيهَا بَلْ هِيَ لَحْمٌ لَكَ تَنْتَفِعُ بِهِ ، قِيلَ : هُوَ كَقَوْلِهِمْ خَاتَمُ فِضَّةٍ ، كَأَنَّ الشَّاةَ شَاتَانِ شَاةٌ تُذْبَحُ لِأَجْلِ اللَّحْمِ ، وَشَاةٌ تُذْبَحُ لِأَجْلِ التَّقَرُّبِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى ، قَوْلُهُ : "لَنَا جَذَعَةٌ" هُمَا صِفَتَانِ لِلْعَنَاقِ ، وَلَا يُقَالُ : عَنَاقَةٌ لِأَنَّهُ مَوْضُوعٌ لِلْأُنْثَى مِنْ وَلَدِ الْمَعْزِ ، فَلَا حَاجَةَ إِلَى التَّاءِ الْفَارِقَةِ بَيْنَ الْمُذَكَّرِ وَالْمُؤَنَّثِ ، وَقَالَ ابْنُ سِيدَهْ : الْجَمْعُ عُنُوقٌ وَأَعْنُقٌ ، وَعَنِ ابْنِ دُرَيْدٍ : وَعُنُقٌ ، قَوْلُهُ : "أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ شَاتَيْنِ" يَعْنِي مِنْ جِهَةِ طِيبِ لَحْمِهَا وَسِمَنِهَا وَكَثْرَةِ قِيمَتِهَا ، قَوْلُهُ : "أَفَتَجْزِي" الْهَمْزَةُ فِيهِ لِلِاسْتِفْهَامِ ، قَوْلُهُ : "وَلَنْ تَجْزِيَ" قَالَ النَّوَوِيُّ هُوَ بِفَتْحِ التَّاءِ هَكَذَا الرِّوَايَةُ فِيهِ فِي جَمِيعِ الْكُتُبِ ، وَمَعْنَاهُ : لَنْ تَكْفِيَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَ لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَفِي التَّوْضِيحِ : هُوَ مِنْ جَزَى يَجْزِي بِمَعْنَى قَضَى ، وَأَجْزَى يُجْزِي بِمَعْنَى كَفَى ، قَوْلُهُ : "بَعْدَكَ” أَيْ غَيْرِكَ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ فِي تَضْحِيَةِ الْمَعْزِ مِنَ الثَّنِيِّ . وَهَذَا مِنْ خَصَائِصِ أَبِي بُرْدَةَ كَمَا أَنَّ قِيَامَ شَهَادَةِ خُزَيْمَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ مَقَامَ شَهَادَتَيْنِ مِنْ خَصَائِصِ خُزَيْمَةَ ، وَمِثْلُهُ كَثِيرٌ . ( ذِكْرُ مَا يُسْتَفَادُ مِنْهُ ) فِيهِ أَنَّ الْخُطْبَةَ يَوْمَ الْعِيدِ بَعْدَ الصَّلَاةِ ، وَفِيهِ أَنَّ يَوْمَ النَّحْرِ يَوْمُ أَكْلٍ إِلَّا أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ فِيهِ الْأَكْلُ قَبْلَ الْمُضِيِّ إِلَى الصَّلَاةِ ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : وَلَا يُنْهَى عَنْهُ ، وَأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ لَمْ يُحَسِّنْ أَكْلَ الْبَرَاءِ ، وَلَا عَنَّفَهُ عَلَيْهِ ، وَإِنَّمَا أَجَابَهُ عَمَّا بِهِ الْحَاجَةُ إِلَيْهِ مِنْ سُنَّةِ الذَّبْحِ وَعُذْرِهِ فِي الذَّبْحِ لِمَا قَصَدَهُ مِنْ إِطْعَامِ جِيرَانِهِ لِحَاجَتِهِمْ وَفَقْرِهِمْ ، وَلَمْ يَرَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُخَيِّبَ فِعْلَتَهُ الْكَرِيمَةَ فَأَجَازَ لَهُ أَنْ يُضَحِّيَ بِالْجَذَعَةِ مِنَ الْمَعْزِ ، وَقَدْ مَرَّتْ بَقِيَّةُ الْكَلَامِ فِيمَا مَضَى عَنْ قَرِيبٍ .

                                                                                                                                                                                  ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                  الخدمات العلمية