الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                  صحيح البخاري 999 85 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ح. وَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَنْبَسَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عُرْوَةُ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ: خَسَفَتِ الشَّمْسُ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَخَرَجَ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَصَفَّ النَّاسُ وَرَاءَهُ، فَكَبَّرَ، فَاقْتَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قِرَاءَةً طَوِيلَةً، ثُمَّ كَبَّرَ فَرَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا، ثُمَّ قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ. فَقَامَ وَلَمْ يَسْجُدْ، وَقَرَأَ قِرَاءَةً طَوِيلَةً، هِيَ أَدْنَى مِنَ الْقِرَاءَةِ الْأُولَى، ثُمَّ كَبَّرَ وَرَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا، وَهُوَ أَدْنَى مِنَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ. ثُمَّ سَجَدَ، ثُمَّ قَالَ فِي الرَّكْعَةِ الْآخِرَةِ مِثْلَ ذَلِكَ، فَاسْتَكْمَلَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِي أَرْبَعِ سَجَدَاتٍ، وَانْجَلَتِ الشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ يَنْصَرِفَ، ثُمَّ قَامَ فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: هُمَا آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا فَافْزَعُوا إِلَى الصَّلَاةِ. ) عمدة القاري مُطَابَقَتُهُ لِلتَّرْجَمَةِ فِي قَوْلِهِ " ثُمَّ قَامَ فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ " ; لِأَنَّ الْقِيَامَ وَالثَّنَاءَ عَلَى اللَّهِ فِيهِ هُوَ الْخُطْبَةُ . ذِكْرُ رِجَالِهِ، وَهُمْ تِسْعَةٌ ; لِأَنَّهُ رَوَاهُ مِنْ طَرِيقَيْنِ: الْأَوَّلُ: يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ هُوَ يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُكَيْرٍ بِضَمِّ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ أَبُو زَكَرِيَّا الْمَخْزُومِيُّ الْمِصْرِيُّ . الثَّانِي: اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ الْمِصْرِيُّ . الثَّالِثُ: عُقَيْلُ، بِضَمِّ الْعَيْنِ ابْنُ خَالِدٍ الْمِصْرِيُّ . الرَّابِعُ: مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ . الْخَامِسُ: أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ أَبُو جَعْفَرٍ الْمِصْرِيُّ . السَّادِسُ: عَنْبَسَةُ ، بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ، وَسُكُونِ النُّونِ، وَفَتْحِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ بَعْدَهَا سِينٌ مُهْمَلَةٌ مَفْتُوحَةٌ، ابْنُ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ الْأَيْلِيُّ ، مَاتَ سَنَةَ سَبْعٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ . السَّابِعُ: يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ مُسْكَانَ أَبُو يَزِيدَ الْأَيْلِيُّ ، مَاتَ سَنَةَ بِضْعٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَةٍ . الثَّامِنُ: عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ . التَّاسِعُ: عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا . ذِكْرُ لَطَائِفِ إِسْنَادِهِ: فِيهِ التَّحْدِيثُ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ، وَبِصِيغَةِ الْإِفْرَادِ كَذَلِكَ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ . وَفِيهِ الْعَنْعَنَةُ فِي أَرْبَعَةِ مَوَاضِعَ . وَفِيهِ الْقَوْلُ فِي خَمْسَةِ مَوَاضِعَ . وَفِيهِ أَنَّ أَحْمَدَ بْنَ صَالِحٍ مِنْ أَفْرَادِ الْبُخَارِيِّ . وَفِيهِ أَنَّ رُوَاتَهُ مِصْرِيُّونَ مَا خَلَا ابْنُ شِهَابٍ وَعُرْوَةُ ، فَإِنَّهُمَا مَدَنِيَّانِ . وَفِيهِ رِوَايَةُ الشَّخْصِ عَنْ عَمِّهِ، وَهُوَ عَنْبَسَةُ عَنْ يُونُسَ . ذِكْرُ تَعَدُّدِ مَوْضِعِهِ، وَمَنْ أَخْرَجَهُ غَيْرُهُ: أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا فِي الصَّلَاةِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُقَاتِلٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ . وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي الْكُسُوفِ، عَنْ حَرْمَلَةَ بْنِ يَحْيَى ، وَأَبِي الطَّاهِرِ بْنِ السَّرْحِ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ ، ثَلَاثَتُهُمْ عَنِ ابْنِ وَهْبٍ ، عَنْ يُونُسَ بِهِ . وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِيهِ، عَنْ أَبِي الطَّاهِرِ ، وَابْنِ سَلَمَةَ بِهِ . وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ فِيهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ . وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ فِيهِ، عَنْ أَبِي الطَّاهِرِ بِهِ . ذِكْرُ مَعْنَاهُ: قَوْلُهُ " فَصَفَّ النَّاسُ " بِرَفْعِ النَّاسِ ; لِأَنَّهُ فَاعِلُ صَفَّ، يُقَالُ صَفَّ الْقَوْمُ إِذَا صَارُوا صَفًّا، وَيَجُوزُ نَصْبُ النَّاسِ، وَالْفَاعِلُ مَحْذُوفٌ، أَيْ فَصَفَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّاسَ وَرَاءَهُ . قَوْلُهُ " ثُمَّ قَالَ: فِي الرَّكْعَةِ الْأَخِيرَةِ " أَيْ فَعَلَ، وَهُوَ إِطْلَاقُ الْقَوْلِ عَلَى الْفِعْلِ، وَالْعَرَبُ تَفْعَلُ هَذَا كَثِيرًا . قَوْلُهُ " ثُمَّ قَامَ فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ تَعَالَى " يَعْنِي قَامَ لِأَجْلِ الْخُطْبَةِ فَخَطَبَ . قَوْلُهُ " فَافْزَعُوا " بِفَتْحِ الزَّايِ أَيِ الْتَجِئُوا، وَتَوَجَّهُوا إِلَيْهَا، أَوِ اسْتَعِينُوا بِهَا عَلَى دَفْعِ الْأَمْرِ الْحَادِثِ، مِنْ بَابِ فَزِعَ بِالْكَسْرِ يَفْزَعُ بِالْفَتْحِ فَزَعًا، وَالْفَزَعُ فِي الْأَصْلِ الْخَوْفُ، فَوُضِعَ مَوْضِعَ الْإِغَاثَةِ وَالنَّصْرِ ; لِأَنَّ مِنْ شَأْنِهِ الْإِغَاثَةَ وَالدَّفْعَ . قَوْلُهُ " إِلَى الصَّلَاةِ " قَالَ بَعْضُهُمْ: أَيِ الْمَعْهُودَةِ الْحَاصِلَةِ، وَهِيَ الَّتِي تَقَدَّمَ فِعْلُهَا مِنْهُ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ الْخُطْبَةِ، وَلَمْ يُصِبْ مَنِ اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى مُطْلَقِ الصَّلَاةِ . قُلْتُ: الَّذِي اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى مُطْلَقِ الصَّلَاةِ هُوَ الْمُسَيِّبُ ; لِأَنَّ الْمَذْكُورَ هُوَ الصَّلَاةُ، فَإِذَا ذُكِرَتْ مُطْلَقَةً يَنْصَرِفُ إِلَى الصَّلَاةِ الْمَعْهُودَةِ فِيمَا بَيْنَهُمُ الَّتِي يُصَلُّونَهَا عَلَى الصِّفَةِ الْمَعْهُودَةِ، وَلَا تَذْهَبْ أَذْهَانُ النَّاسِ إِلَّا إِلَى ذَلِكَ، وَالْعَجَبُ مِنْ غَيْرِ الْمُصِيبِ يَرُدُّ كَلَامَ الْمُصِيبِ . ذِكْرُ مَا يُسْتَنْبَطُ مِنْهُ، وَقَدْ مَرَّ أَكْثَرُ ذَلِكَ: فِيهِ فِعْلُ صَلَاةِ الْكُسُوفِ فِي الْمَسْجِدِ دُونَ الصَّحْرَاءِ ، وَإِنْ كَانَ يَجُوزُ فِعْلُهَا فِي الصَّحْرَاءِ، وَلَعَلَّ كَوْنُهَا فِي الْمَسْجِدِ هَاهُنَا لِخَوْفِ الْفَوْتِ بِالِانْجِلَاءِ، وَقَالَ الْقُدُورِيُّ : كَانَ أَبُو حَنِيفَةَ يَرَى صَلَاةَ الْكُسُوفِ فِي الْمَسْجِدِ، وَالْأَفْضَلُ فِي الْجَامِعِ، وَفِي " شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ ": صَلَاةُ الْكُسُوفِ فِي الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ، أَوْ فِي مُصَلَّى الْعِيدِ . وَعِنْدَ مَالِكٍ تُصَلَّى فِيهِ دُونَ الصَّحْرَاءِ، وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ : هُوَ مُخَيَّرٌ، وَحُكِيَ عَنْ أَصْبَغَ ، وَصَوَّبَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ الْمَسْجِدَ فِي الْمِصْرِ الْكَبِيرِ لِلْمَشَقَّةِ وَخَوْفِ الْفَوْتِ دُونَ الصَّغِيرِ . وَفِيهِ الْخُطْبَةُ، وَقَدْ مَرَّ الْكَلَامُ فِيهَا مُسْتَقْصًى . وَفِيهِ تَقْدِيمُ الْإِمَامِ عَلَى الْمَأْمُومِ ، وَهُوَ مِنْ قَوْلِهِ: فَصَفَّ النَّاسُ وَرَاءَهُ . وَفِيهِ الْمُبَادَرَةُ إِلَى الْمَأْمُورِ بِهِ وَالْمُسَارَعَةُ إِلَى فِعْلِهِ . وَفِيهِ الالْتِجَاءُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى عِنْدَ الْمَخَاوِفِ بِالدُّعَاءِ ، وَالِاسْتِغْفَارِ ; لِأَنَّهُ سَبَبٌ لِمَحْوِ مَا فَرَطَ مِنْهُ مِنَ الْعِصْيَانِ . وَفِيهِ أَنَّ الذُّنُوبَ سَبَبٌ لِوُقُوعِ الْبَلَايَا وَالْعُقُوبَاتِ الْعَاجِلَةِ وَالْآجِلَةِ .

                                                                                                                                                                                  ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                  الخدمات العلمية