الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                  صحيح البخاري (وَقَوْلِهِ تَعَالَى: فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ عمدة القاري وَقَوْلِهِ، بِالْجَرِّ، عُطِفَ عَلَى قَوْلِهِ: (الْمُحْصَرِ)؛ أَيْ: وَفِي بَيَانِ الْمُرَادِ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا الْكَلَامُ هَاهُنَا عَلَى أَنْوَاعٍ؛ الْأَوَّلُ: فِي مَعْنَى الْحَصْرِ وَالْإِحْصَارِ؛ الْإِحْصَارُ الْمَنْعُ وَالْحَبْسُ عَنِ الْوَجْهِ الَّذِي يَقْصِدُهُ؛ يُقَالُ: أَحْصَرَهُ الْمَرَضُ أَوِ السُّلْطَانُ؛ إِذَا مَنَعَهُ عَنْ مَقْصِدِهِ، فَهُوَ مُحْصَرٌ، وَالْحَصْرُ الْحَبْسُ، يُقَالُ: حَصَرَهُ؛ إِذَا حَبَسَهُ فَهُوَ مَحْصُورٌ، وَقَالَ الْقَاضِي إِسْمَاعِيلُ: الظَّاهِرُ أَنَّ الْإِحْصَارَ بِالْمَرَضِ، وَالْحَصْرَ بِالْعَدُوِّ، وَمِنْهُ: " فَلَمَّا حُصِرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"، وَقَالَ تَعَالَى: فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ وَقَالَ الْكِسَائِيُّ: يُقَالُ مِنَ الْعَدُوِّ: حُصِرَ فَهُوَ مَحْصُورٌ، وَمِنَ الْمَرَضِ: أَحُصِرَ فَهُوَ مُحْصَرٌ، وَحُكِيَ عَنِ الْفَرَّاءِ أَنَّهُ أَجَازَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَكَانَ الْآخَرِ، وَأَنْكَرَ الْمُبَرِّدُ وَالزَّجَّاجُ، وَقَالَا: هُمَا مُخْتَلِفَانِ فِي الْمَعْنَى، وَلَا يُقَالُ فِي الْمَرَضِ: حَصَرَهُ، وَلَا فِي الْعَدُوِّ: أَحْصَرَهُ، وَإِنَّمَا هَذَا كَقَوْلِهِمْ: حَبَسَهُ؛ إِذَا جَعَلَهُ فِي الْحَبْسِ، وَأَحْبَسَهُ؛ أَيْ: عَرَّضَهُ لِلْحَبْسِ، وَقَتَلَهُ أَوْقَعَ بِهِ الْقَتْلَ، وَأَقْتَلَهُ؛ أَيْ: عَرَّضَهُ لِلْقَتْلِ، وَكَذَلِكَ حَصَرَهُ حَبَسَهُ، وَأَحْصَرَهُ عَرَّضَهُ لِلْحَصْرِ. النَّوْعُ الثَّانِي: فِي سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ، ذَكَرُوا أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي سَنَةِ سِتٍّ، أَيْ: عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ، حِينَ حَالَ الْمُشْرِكُونَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَيْنَ الْوُصُولِ إِلَى الْبَيْتِ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي ذَلِكَ سُورَةَ الْفَتْحِ بِكَمَالِهَا، وَأَنْزَلَ لَهُمْ رُخْصَةَ أَنْ يَذْبَحُوا مَا مَعَهُمْ مِنَ الْهَدْيِ، وَكَانَ سَبْعِينَ بَدَنَةً، وَأَنْ يَتَحَلَّلُوا مِنْ إِحْرَامِهِمْ، فَعِنْدَ ذَلِكَ أَمَرَهُمْ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنْ يَذْبَحُوا مَا مَعَهُمْ مِنَ الْهَدْيِ وَأَنْ يَحْلِقُوا رُءُوسَهُمْ وَيَتَحَلَّلُوا، فَلَمْ يَفْعَلُوا؛ انْتِظَارًا لِلنَّسْخِ حَتَّى خَرَجَ فَحَلَقَ رَأْسَهُ فَفَعَلَ النَّاسُ، وَكَانَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَّ رَأْسَهُ وَلَمْ يَحْلِقْهُ؛ فَلِذَلِكَ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " رَحِمَ اللَّهُ الْمُحَلِّقِينَ، قَالُوا: وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ فِي الثَّالِثَةِ: وَالْمُقَصِّرِينَ"، وَقَدْ كَانُوا اشْتَرَكُوا فِي هَدْيِهِمْ ذَلِكَ كُلُّ سَبْعَةٍ فِي بَدَنَةٍ، وَكَانُوا أَلْفًا وَأَرْبَعَمِائَةٍ، وَكَانَ مَنْزِلُهُمْ بِالْحُدَيْبِيَةِ خَارِجَ الْحَرَمِ، وَقِيلَ: بَلْ كَانُوا عَلَى طَرَفِ الْحَرَمِ. النَّوْعُ الثَّالِثُ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ: قَوْلُهُ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ أَيْ: مُنِعْتُمْ عَنْ تَمَامِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فَحَلَلْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ أَيْ: فَعَلَيْكُمْ مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ أَيْ: مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ، يُقَالُ: يَسُرَ الْأَمْرُ وَاسْتَيْسَرَ، كَمَا يُقَالُ: صَعُبَ وَاسْتَصْعَبَ، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الْهَدْيُ جَمْعُ هَدِيَّةٍ كَمَا يُقَالُ فِي جَدِيَّةِ السَّرْجِ: جَدْيٌ، وَقُرِئَ: "مِنَ الْهَدِيِّ" بِالتَّشْدِيدِ جَمْعُ هَدِيَّةً، كَمَطِيَّةٍ وَمَطِيٍّ، وَحَاصِلُ الْمَعْنَى: فَإِنْ مُنِعْتُمْ مِنَ الْمُضِيِّ إِلَى الْبَيْتِ، وَأَنْتُمْ مُحْرِمُونَ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، فَعَلَيْكُمْ إِذَا أَرَدْتُمُ التَّحَلُّلَ مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ مِنْ بَعِيرٍ أَوْ بَقَرَةٍ أَوْ شَاةٍ. قَوْلُهُ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ عُطِفَ عَلَى قَوْلِهِ وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ وَلَيْسَ مَعْطُوفًا عَلَى قَوْلِهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ كَمَا زَعَمَهُ ابْنُ جَرِيرٍ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابَهُ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ لَمَّا حَصَرَهُمْ كُفَّارُ قُرَيْشٍ عَنِ الدُّخُولِ إِلَى الْحَرَمِ حَلَقُوا وَذَبَحُوا هَدْيَهُمْ خَارِجَ الْحَرَمِ، وَأَمَّا فِي حَالِ الْأَمْنِ وَالْوُصُولِ إِلَى الْحَرَمِ فَلَا يَجُوزُ الْحَلْقُ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ، وَيَفْرَغَ النَّاسِكُ مِنْ أَفْعَالِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ إِنْ كَانَ قَارِنًا أَوْ مِنْ فِعْلِ أَحَدِهِمَا إِنْ كَانَ مُفْرِدًا أَوْ مُتَمَتِّعًا. النَّوْعُ الرَّابِعُ: اخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ فِي الْحَصْرِ بِأَيِّ شَيْءٍ يَكُونُ؟ وَبِأَيِّ مَعْنًى يَكُونُ؟ فَقَالَ قَوْمٌ، وَهُمْ: عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ، وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: يَكُونُ الْحَصْرُ بِكُلِّ حَابِسٍ؛ مِنْ مَرَضٍ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ عَدُوٍّ وَكَسْرِ وَذَهَابِ نَفَقَةٍ وَنَحْوِهَا، مِمَّا يَمْنَعُهُ عَنِ الْمُضِيِّ إِلَى الْبَيْتِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَبِي يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٍ، وَزُفَرَ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ. وَقَالَ آخَرُونَ، وَهُمُ: اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ: لَا يَكُونُ الْإِحْصَارُ إِلَّا بِالْعَدُوِّ فَقَطْ، وَلَا يَكُونُ بِالْمَرَضِ، وَهُوَ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ. وَقَالَ الْجَصَّاصُ فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ: وَقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي حُكْمِ الْمُحْصَرِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَنْحَاءٍ؛ رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ: الْعَدُوُّ وَالْمَرَضُ سَوَاءٌ، يَبْعَثُ دَمًا وَيُحِلُّ بِهِ إِذَا أَنَحَرَ فِي الْحَرَمِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ. وَالثَّانِي: قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ: إِنَّ الْمَرِيضَ لَا يُحِلُّ وَلَا يَكُونُ مُحْصَرًا إِلَّا بِالْعَدُوِّ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ. وَالثَّالِثُ: قَوْلُ ابْنِ الزُّبَيْرِ وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ: إِنَّ الْمَرَضَ وَالْعَدُوَّ سَوَاءٌ لَا يُحِلُّ إِلَّا بِالطَّوَافِ، وَلَا نَعْلَمُ لَهُمَا مُوَافِقًا مِنْ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ، وَفِي شَرْحِ الْمُوَطَّأِ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ أَنَّ الْمُحْصَرَ بِالْمَرَضِ لَا يُحِلُّ دُونَ الْبَيْتِ، وَسَوَاءٌ عِنْدَ مَالِكٍ شَرَطَ عِنْدَ إِحْرَامِهِ التَّحَلُّلَ لِلْمَرَضِ أَوْ لَمْ يَشْتَرِطْ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَهُ شَرْطُهُ. وَقَالَ أَبُو عُمَرَ: الْإِحْصَارُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى وُجُوهٍ، مِنْهَا: الْمُحْصَرُ بِالْعَدُوِّ، وَمِنْهَا: بِالسُّلْطَانِ الْجَائِرِ، وَمِنْهَا: الْمَرَضُ وَشِبْهُهُ، فَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُمَا: مَنْ أَحْصَرَهُ الْمَرَضُ فَلَا يُحِلُّهُ إِلَّا الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ، وَمَنْ حُصِرَ بِعَدُوٍّ فَإِنَّهُ يَنْحَرُ هَدْيَهُ حَيْثُ حُصِرَ وَيَتَحَلَّلُ وَيَنْصَرِفُ، وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ ضَرُورَةً فَيَحُجُّ الْفَرِيضَةَ، وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ وَأَصْحَابِهِمَا فِي ذَلِكَ، وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ وَغَيْرُهُ: كُلُّ مَنْ حُبِسَ عَنِ الْحَجِّ بَعْدَمَا يُحْرِمُ بِمَرَضٍ أَوْ حِصَارٍ مِنَ الْعَدُوِّ أَوْ خَافَ عَلَيْهِ الْهَلَاكَ فَهُوَ مُحْصَرٌ، فَعَلَيْهِ مَا عَلَى الْمُحْصَرِ، وَلَا يُحِلُّ دُونَ الْبَيْتِ، وَكَذَلِكَ مَنْ أَصَابَهُ كَسْرٌ وَبَطْنٌ مُتَحَرِّقٌ، وَقَالَ مَالِكٌ: أَهْلُ مَكَّةَ فِي ذَلِكَ كَأَهْلِ الْآفَاقِ؛ لِأَنَّ الْإِحْصَارَ عِنْدَهُ فِي الْمَكِّيِّ الْحَبْسُ عَنْ عَرَفَةَ خَاصَّةً؛ قَالَ: فَإِنِ احْتَاجَ الْمَرِيضُ إِلَى دَوَاءٍ تَدَاوَى بِهِ وَافْتَدَى وَهُوَ عَلَى إِحْرَامِهِ لَا يُحِلُّ مِنْ شَيْءٍ مِنْهُ حَتَّى يَبْرَأَ مِنْ مَرَضِهِ، فَإِذَا بَرِئَ مِنْ مَرَضِهِ مَضَى إِلَى الْبَيْتِ فَطَافَ بِهِ سَبْعًا وَسَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَحَلَّ مِنْ حَجِّهِ أَوْ عُمْرَتِهِ. وَقَالَ أَبُو عُمَرَ: هَذَا كُلُّهُ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ أَيْضًا، وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: إِذَا نَحَرَ الْمُحْصَرُ هَدْيَهُ، هَلْ يَحْلِقُ رَأْسَهُ أَمْ لَا؟ فَقَالَ قَوْمٌ: لَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَحْلِقَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ ذَهَبَ عَنْهُ النُّسُكُ كُلُّهُ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ. وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ يَحْلِقُ، فَإِنْ لَمْ يَحْلِقْ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ. وَقَالَ آخَرُونَ: يَحْلِقُ وَيَجِبُ عَلَيْهِ مَا يَجِبُ عَلَى الْحَاجِّ وَالْمُعْتَمِرِ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ. النَّوْعُ الْخَامِسُ: فِي الِاحْتِجَاجَاتِ فِي هَذَا الْبَابِ: احْتَجَّ الشَّافِعِيُّ وَمَنْ تَابَعَهُ فِي هَذَا الْبَابِ بِمَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " لَا حَصْرَ إِلَّا حَصْرَ الْعَدُوِّ"، وَرَوَاهُ الشَّافِعِيُّ فِي مُسْنَدِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " لَا حَصْرَ إِلَّا حَصْرَ الْعَدُوِّ، فَأَمَّا مَنْ أَصَابَهُ مَرَضٌ أَوْ وَجَعٌ أَوْ ضَلَالٌ فَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ"؛ قَالَ: وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَطَاوُسٍ وَالزُّهْرِيِّ وَزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ نَحْوَ ذَلِكَ. وَاحْتَجَّ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَنْ تَابَعَهُ فِي ذَلِكَ بِمَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ الصَّوَّافُ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ الْحَجَّاجِ بْنِ عَمْرٍو الْأَنْصَارِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " مَنْ كُسِرَ أَوْ عَرَجَ فَقَدْ حَلَّ وَعَلَيْهِ حَجَّةٌ أُخْرَى، قَالَ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ فَقَالَا: صَدَقَ"، فَقَدْ أَخْرَجَهُ الْأَرْبَعَةُ مِنْ حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ بِهِ، وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُدَ وَابْنِ مَاجَهْ: " مَنْ عَرَجَ أَوْ كُسِرَ أَوْ مَرِضَ"، فَذَكَرَ مَعْنَاهُ، وَرَوَاهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ فِي تَفْسِيرِهِ ثُمَّ قَالَ: وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ الزُّبَيْرِ وَعَلْقَمَةَ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَمُجَاهِدٍ، وَالنَّخَعِيِّ، وَعَطَاءٍ، وَمُقَاتِلِ بْنِ حِبَّانَ أَنَّهُمْ قَالُوا: " الْإِحْصَارُ مِنْ عَدُوٍّ أَوْ مَرَضٍ أَوْ كَسْرٍ"، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: الْإِحْصَارُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ أَذَاهُ. قُلْتُ: وَفِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلٌ ثَالِثٌ حَكَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَغَيْرُهُ، وَهُوَ أَنَّهُ لَا حَصْرَ بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. النَّوْعُ السَّادِسُ: فِي حُكْمِ الْهَدْيِ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مِنَ الْأَزْوَاجِ الثَّمَانِيَةِ مِنَ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْمَعِزِ وَالضَّأْنِ. وَقَالَ الثَّوْرِيُّ عَنْ حَبِيبٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ قَالَ: شَاةٌ، وَكَذَا قَالَ عَطَاءٌ، وَمُجَاهِدٌ، وَطَاوُسٌ، وَأَبُو الْعَالِيَةِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ، وَالشَّعْبِيُّ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ، وَمُقَاتِلُ بْنُ حِبَّانَ مِثْلَ ذَلِكَ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنِ الْقَاسِمِ عَنْ عَائِشَةَ وَابْنِ عُمَرَ أَنَّهُمَا كَانَا لَا يَرَيَانِ مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ إِلَّا مِنَ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ سَالِمٍ وَالْقَاسِمِ، وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ نَحْوُ ذَلِكَ. وَقِيلَ: الظَّاهِرُ أَنَّ مُسْتَنَدِ هَؤُلَاءِ فِيمَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ قِصَّةُ الْحُدَيْبِيَةِ، فَإِنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ أَنَّهُ ذَبْحٌ فِي تَحَلُّلِهِ ذَاكَ شَاةً، وَإِنَّمَا ذَبَحُوا الْإِبِلَ وَالْبَقَرَ، فَفِي الصَّحِيحَيْنِ: عَنْ جَابِرٍ قَالَ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نَشْتَرِكَ فِي الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ كُلُّ سَبْعَةٍ مِنَّا فِي بَقَرَةٍ". وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ قَالَ: بِقَدْرِ يَسَارَتِهِ، وَقَالَ الْعَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِنْ كَانَ مُوسِرًا، فَمِنَ الْإِبِلِ، وَإِلَّا فَمِنَ الْبَقَرِ، وَإِلَّا فَمِنَ الْغَنَمِ.

                                                                                                                                                                                  ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                  الخدمات العلمية