الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
جزء صفحة
الجامع الصغير للسيوطي 191 - " أَجْمِلُوا فِي طَلَبِ الدُّنْيَا؛ فَإِنَّ كُلًّا مُيَسَّرٌ لِمَا كُتِبَ لَهُ مِنْهَا " ؛ (هـ ك طب هق) عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ . فيض القدير (أَجْمِلُوا) ؛ بِهَمْزَةِ قَطْعٍ مَفْتُوحَةٍ؛ فَجِيمٍ سَاكِنَةٍ؛ فَمِيمٍ مَكْسُورَةٍ؛ (فِي طَلَبِ الدُّنْيَا) ؛ أَيْ: اطْلُبُوا الرِّزْقَ طَلَبًا جَمِيلًا؛ بِأَنْ تَرْفُقُوا أَيْ: تُحْسِنُوا السَّعْيَ فِي نَصِيبِكُمْ مِنْهَا بِلَا كَدٍّ وَتَعَبٍ وَلَا تَكَالُبٍ وَإِشْفَاقٍ؛ قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ : " أَجْمَلَ فِي الطَّلَبِ" ؛ إِذَا لَمْ يَحْرِصْ؛ وَ" الدُّنْيَا" : مَا دَنَا مِنَ النَّفْسِ مِنْ مَنَافِعِهَا؛ وَمَلَاذِّهَا؛ وَجَاهِهَا؛ عَاجِلًا؛ فَلَمْ يُحَرِّمِ الطَّلَبَ بِالْكُلِّيَّةِ؛ لِمَوْضِعِ الْحَاجَةِ؛ بَلْ أَمَرَ بِالْإِجْمَالِ فِيهِ؛ وَهُوَ مَا كَانَ جَمِيلًا فِي الشَّرْعِ مَحْمُودًا فِي الْعُرْفِ؛ فَيُطْلَبُ مِنْ جِهَةِ حِلِّهِ؛ مَا أَمْكَنَ؛ وَمِنْ إِجْمَالِهِ اعْتِمَادُ الْجِهَةِ الَّتِي هَيَّأَهَا اللَّهُ وَيَسَّرَهَا لَهُ؛ وَيَسَّرَهُ لَهَا؛ فَيَقْنَعُ بِهَا؛ وَلَا يَتَعَدَّاهَا؛ وَمِنْهُ أَلَّا يَطْلُبَ بِحِرْصٍ وَقَلَقٍ وَشَرَهٍ وَوَلَهٍ؛ حَتَّى لَا يَنْسَى ذِكْرَ رَبِّهِ؛ وَلَا يَتَوَرَّطَ فِي شُبْهَةٍ؛ فَيَدْخُلَ فِيمَنْ أَثْنَى اللَّهُ (تَعَالَى) عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ (تَعَالَى): رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ ؛ الْآيَةَ؛ ثُمَّ بَيَّنَ وَجْهَ الْأَمْرِ بِذَلِكَ؛ بِقَوْلِهِ: (فَإِنَّ كُلًّا) ؛ أَيْ: كُلَّ أَحَدٍ مِنَ الْخَلْقِ؛ (مُيَسَّرٌ) ؛ كَـ " مُعَظَّمٌ" ؛ أَيْ: مُهَيَّأٌ مَصْرُوفٌ؛ (لِمَا كُتِبَ) ؛ قُدِّرَ؛ (لَهُ مِنْهَا) ؛ يَعْنِي: الرِّزْقُ الْمُقَدَّرُ لَهُ سَيَأْتِيهِ؛ وَلَا بُدَّ؛ فَإِنَّ اللَّهَ (تَعَالَى) قَسَّمَ الرِّزْقَ؛ وَقَدَّرَهُ لِكُلِّ أَحَدٍ؛ بِحَسَبِ إِرَادَتِهِ؛ لَا يَتَقَدَّمُ؛ وَلَا يَتَأَخَّرُ؛ وَلَا يَزِيدُ؛ وَلَا يَنْقُصُ؛ بِحَسَبِ عِلْمِهِ الْأَزَلِيِّ؛ وَإِنْ كَانَ يَقَعُ ذَلِكَ بِتَبْدِيلٍ فِي اللَّوْحِ؛ أَوِ الصُّحُفِ؛ بِحَسَبِ تَعْلِيقٍ بِشَرْطٍ؛ وَقَالَ: أَجْمِلُوا؛ وَمَا قَالَ: " اتْرُكُوا" ؛ إِشَارَةً إِلَى أَنَّ الْإِنْسَانَ - وَإِنْ عَلِمَ أَنَّ رِزْقَهُ الْمُقَدَّرَ لَهُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ - لَكِنْ لَا يَتْرُكُ السَّعْيَ رَأْسًا؛ فَإِنَّ مِنْ عَوَائِدِ اللَّهِ (تَعَالَى) فِي خَلْقِهِ تَعَلُّقَ الْأَحْكَامِ بِالْأَسْبَابِ؛ وَتَرْتِيبَ الْحَوَادِثِ عَلَى الْعِلَلِ؛ وَهَذِهِ سُنَّتُهُ فِي خَلْقِهِ؛ مُطَّرِدَةٌ؛ وَحِكْمَتُهُ فِي مُلْكِهِ مُسْتَمِرَّةٌ؛ وَهُوَ - وَإِنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى إِيجَادِ الْأَشْيَاءِ اخْتِرَاعًا وَابْتِدَاعًا؛ لَا بِتَقْدِيمِ سَبَبٍ؛ وَسَبْقِ عِلَّةٍ؛ بِأَنْ يُشْبِعَ الْإِنْسَانَ بِلَا أَكْلٍ؛ وَيَرْوِيَهُ بِغَيْرِ شُرْبٍ؛ وَيُنْشِئَ الْخَلْقَ بِدُونِ جِمَاعٍ - لَكِنَّهُ أَجْرَى حِكْمَتَهُ بِأَنَّ الشِّبَعَ وَالرِّيَّ وَالْوَلَدَ يَحْصُلُ عَقِبَ الطَّعْمِ وَالشُّرْبِ وَالْجِمَاعِ؛ فَلِذَا قَالَ: " أَجْمِلُوا" ؛ إِيذَانًا بِأَنَّهُ؛ وَإِنْ كَانَ هُوَ الرَّزَّاقَ؛ لَكِنَّهُ قَدَّرَ حُصُولَهُ بِنَحْوِ سَعْيِ رَفِيقٍ؛ وَحَالَةِ كَسْبٍ مِنَ الطَّلَبِ جَمِيلَةٍ؛ فَجَمَعَ هَذَا الْخَبَرُ - بِالنَّظَرِ إِلَى السَّبَبِ وَالْمُسَبَّبِ وَالْمُسَبَّبِ لَهُ؛ وَذَلِكَ هُوَ اللَّهُ؛ وَالرِّزْقُ؛ وَالْعَبْدُ؛ وَالسَّعْيُ؛ وَجَمَعَ بَيْنَ الْمُسَبَّبِ وَالسَّبَبِ لِئَلَّا يَتَّكِلَ مَنْ تَلَبَّسَ بِأَهْلِ التَّوَكُّلِ؛ وَلَيْسَ مِنْهُمْ فَيَهْلَكَ؛ بِتَأَخُّرِ الرِّزْقِ؛ فَرُبَّمَا أَوْقَعَهُ فِي الْكُفْرِ؛ وَلِئَلَّا يُنْسَبَ الرِّزْقُ لِسَعْيِهِ؛ فَيَقَعَ فِي الشِّرْكِ؛ فَقَرَنَ فِي الْخِطَابِ بَيْنَ تَعْرِيفِ اعْتِلَاقِ الْأَشْيَاءِ بِالْمُسَبَّبِ؛ اعْتِلَاقًا أَصْلِيًّا؛ وَاعْتِلَاقِهَا بِالسَّبَبِ اعْتِلَاقًا شَرْعِيًّا؛ لِيَسْتَكْمِلَ الْعَبْدُ حَالَةَ الصَّلَاحِ مُسْتَمِرَّةً؛ وَتَثْبُتَ لَهُ قَضِيَّةُ الْفَلَاحِ؛ مُسْتَقِرَّةً؛ وَقَدْ عُرِفَ مِمَّا سَبَقَ أَنَّ مَنِ اجْتَهَدَ فِي طَلَبِ الدُّنْيَا وَتَهَافَتَ عَلَيْهَا شَغَلَ نَفْسَهُ بِمَا لَا يُجْدِي؛ وَأَتْعَبَهَا فِيمَا لَا يُغْنِي؛ وَلَا يَأْتِيهِ إِلَّا الْمَقْدُورُ؛ فَهُوَ فَقِيرٌ؛ وَإِنْ مَلَكَ الدُّنْيَا بِأَسْرِهَا؛ فَالْوَاجِبُ عَلَى الْمُتَأَدِّبِ بِآدَابِ اللَّهِ (تَعَالَى) أَنْ يَكِلَ أَمْرَهُ إِلَى اللَّهِ (تَعَالَى)؛ وَيُسَلِّمَ لَهُ؛ وَلَا يَتَعَدَّى طَوْرَهُ؛ وَلَا يَتَجَرَّأَ عَلَى رَبِّهِ؛ وَيَتْرُكَ التَّكَلُّفَ؛ فَإِنَّهُ رُبَّمَا كَانَ خِذْلَانًا؛ وَيَتْرُكَ التَّدْبِيرَ؛ فَإِنَّهُ قَدْ يَكُونُ هَوَانًا: وَالْمَرْءُ يُرْزَقُ لَا مِنْ حَيْثُ حِيلَتُهُ ... وَيُصْرَفُ الرِّزْقُ عَنْ ذِي الْحِيلَةِ الدَّاهِي وَقَالَ بُزْرُجَمِهْرُ: وَكَلَ اللَّهُ (تَعَالَى) الْحِرْمَانَ بِالْعَقْلِ؛ وَالرِّزْقَ بِالْجَهْلِ؛ لِيُعْلَمَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ الرِّزْقُ بِالْحِيَلِ؛ لَكَانَ الْعَاقِلُ أَعْلَمَ بِوُجُوهِ مَطْلَبِهِ؛ وَالِاحْتِيَالِ لِكَسْبِهِ؛ الْتَقَى مَلَكَانِ؛ فَتَسَاءَلَا؛ فَقَالَ أَحَدُهُمَا: أُمِرْتُ بِسَوْقِ حُوتٍ اشْتَهَاهُ فُلَانٌ الْيَهُودِيُّ؛ وَقَالَ الْآخَرُ: أُمِرْتُ بِإِهْرَاقِ زَيْتٍ اشْتَهَاهُ فُلَانٌ الْعَابِدُ. (هـ ك طب هق؛ عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ) ؛ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْمُنْذِرِ؛ (السَّاعِدِيِّ) ؛ بِكَسْرِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ؛ قَالَ ك: عَلَى شَرْطِهِمَا؛ وَأَقَرَّهُ الذَّهَبِيُّ ؛ لَكِنَّ فِيهِ هِشَامَ بْنَ عَمَّارٍ ؛ أَوْرَدَهُ هُنَا - أَعْنِي الذَّهَبِيَّ - فِي ذَيْلِ الضُّعَفَاءِ؛ وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ : صَدُوقٌ؛ تَغَيَّرَ؛ فَكَانَ كُلَّمَا لُقِّنَ تَلَقَّنَ؛ وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ : حَدَّثَ بِأَرْجَحِ مِنْ أَرْبَعِمِائَةِ حَدِيثٍ لَا أَصْلَ لَهَا؛ وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ أَوْرَدَهُ فِي الضُّعَفَاءِ؛ وَقَالَ: مُخْتَلَفٌ فِيهِ؛ وَلَيْسَ بِقَوِيٍّ؛ وَعِمَارَةُ بْنُ غذية؛ أَوْرَدَهُ فِي الذَّيْلِ أَيْضًا؛ وَقَالَ: ثِقَةٌ؛ ضَعَّفَهُ ابْنُ حَزْمٍ.

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية