الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                              جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                              صحيح البخاري 6547 6946 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو -هُوَ ذَكْوَانُ - عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قَالَتْ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، يُسْتَأْمَرُ النِّسَاءُ فِي أَبْضَاعِهِنَّ ؟ قَالَ : " نَعَمْ " . قُلْتُ : فَإِنَّ الْبِكْرَ تُسْتَأْمَرُ فَتَسْتَحِي فَتَسْكُتُ . قَالَ : "سُكَاتُهَا إِذْنُهَا " . [انْظُرْ :5137 - مُسْلِمٍ : 1420 - فَتْحَ: 12 \ 319 ] التوضيح ثُمَّ سَاقَ حَدِيثَ خَنْسَاءَ بِنْتِ خِذَامٍ الْأَنْصَارِّيَةِ أَنَّ أَبَاهَا زَوَّجَهَا وَهِيَ ثَيِّبٌ ، فَكَرِهَتْ ذَلِكَ ، فَأَتَتِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَرَدَّ نِكَاحَهَا . وَقَدْ سَلَفَ . وَحَدِيثَ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قَالَتْ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، يُسْتَأْمَرُ النِّسَاءُ فِي أَبْضَاعِهِنَّ ؟ قَالَ : "نَعَمْ " . قُلْتُ : إِنَّ الْبِكْرَ تُسْتَأْمَرُ فَتَسْتَحِي فَتَسْكُتُ . فَقَالَ : "سُكَاتُهَا إِذْنُهَا" وَسَلَفَ أَيْضًا . وَإِدْخَالُ الْبُخَارِيِّ الْآيَةَ فِي هَذَا الْبَابِ لَا أَدْرِي مَا وَجْهُهُ إِلَّا أَنْ يُقَالَ : قَدْ نُهِيَ عَنِ الْإِكْرَاهِ عَلَى الْبِغَاءِ الَّذِي لَمْ يَحِلَّ أَصْلًا ، فَكَذَا الْإِكْرَاهُ عَلَى النِّكَاحِ . وَفِي حَدِيثِ خَنْسَاءَ دَلِيلُ أَنَّ نِكَاحَ الْمُكْرَهِ لَا يَصِحُّ ، وَهُوَ مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ مَالِكٍ ، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَحْنُونٍ : أَجْمَعَ أَصْحَابُنَا عَلَى إِبْطَالِ نِكَاحِ الْمُكْرَهِ وَالْمُكْرَهَةِ ، قَالُوا : وَلَا يَجُوزُ الْمُقَامُ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْعَقِدْ . وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : لَا يَلْزَمُ الْمُكْرَهُ مَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ مِنْ نِكَاحٍ أَوْ طَلَاقٍ أَوْ عِتْقٍ أَوْ غَيْرِهِ . قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَحْنُونٍ : وَأَجَازَ أَهْلُ الْعِرَاقِ نِكَاحَ الْمُكْرَهِ ، قَالُوا : وَلَوْ أُكْرِهَ عَلَى أَنْ يَنْكِحَ امْرَأَةً بِعَشَرَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ وَصَدَاقُ مِثْلِهَا أَلْفُ دِرْهَمٍ ، أَنَّ النِّكَاحَ جَائِزٌ وَيَلْزَمُهُ الْأَلْفُ وَيَبْطُلُ الْفَضْلُ . قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَحْنُونٍ : فَكَمَا أَبْطَلُوا الزَّائِدَ عَلَى الْأَلْفِ بِالْإِكْرَاهِ ، فَكَذَلِكَ لَزِمَهُمْ إِبْطَالُ النِّكَاحِ بِهِ ، وَقَوْلُهُمْ خِلَافُ السُّنَّةِ الثَّابِتَةِ فِي قِصَّةِ خَنْسَاءَ ، وَفِي أَمْرِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِاسْتِئْمَارِ النِّسَاءِ فِي أَبْضَاعِهِنَّ ، فَلَا مَعْنَى لِقَوْلِهِمْ ، وَأَمَّا مِنْ جِهَةِ النَّظَرِ فَإِنَّهُ نِكَاحٌ عَلَى خِيَارٍ وَلَا يَجُوزُ النِّكَاحُ بِهِ . قَالَ سَحْنُونٌ : وَإِنَّمَا شُبِّهَ بِنِكَاحِ الْخِيَارِ ؛ لِأَنَّهُ إِذَا أَجَازَهُ وَرَضِيَ بِهِ فَإِنَّمَا رَضِيَ بِمَا كَانَ لَهُ رَدُّهُ فَأَشْبَهَ مَا عُقِدَ عَلَى الْخِيَارِ ، وَمَا عُقِدَ بِهِ لَوْ مَاتَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ انْقِضَاءِ مُدَّتِهِ لَمْ يَتَوَارَثَا عِنْدَ جَمِيعِ أَصْحَابِ مَالِكٍ . قَالَ سَحْنُونٌ : فَإِنْ وَطِئَهَا الْمُكْرَهُ عَلَى النِّكَاحِ غَيْرَ مُكْرَهٍ عَلَى الْوَطْءِ وَالرِّضَا بِالنِّكَاحِ لَزِمَهُ النِّكَاحُ عَلَى الْمُسَمَّى مِنَ الصَّدَاقِ وَدُرِئَ عَنْهُ الْحَدُّ ، وَإِنْ قَالَ : وَطِئْتُهَا عَلَى غَيْرِ رِضًى مِنِّي بِالنِّكَاحِ فَعَلَيْهِ الْحَدُّ وَالصَّدَاقُ الْمُسَمَّى ؛ لِأَنَّهُ مُدَّعٍ لِإِبْطَالِ الْمُسَمَّى بِهَذَا ، وَتُحَدُّ الْمَرْأَةُ إِنْ أَقْدَمَتْ وَهِيَ عَالِمَةٌ أَنَّهُ مُكْرَهٌ عَلَى النِّكَاحِ ، وَأَمَّا الْمُكْرَهَةُ عَلَيْهِ وَعَلَى الْوَطْءِ فَلَا حَدَّ عَلَيْهَا ، وَلَهَا الصَّدَاقُ ، وَيُحَدُّ الْوَاطِئُ . فَصْلٌ : وَفِي خَبَرِ خَنْسَاءَ قَبُولُ خَبَرِ الْوَاحِدِ وَقَبُولُ خَبَرِ الْمَرْأَةِ . فَصْلٌ : وَقَوْلُهَا : ( الْبِكْرُ تُسْتَأْمَرُ فَتَسْتَحِي ) ، أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ نِكَاحَ ابْنَتِهِ الصَّغِيرَةِ جَائِزٌ ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ [الطَّلَاقُ : 4 ] وَلِإِنْكَاحِ الصِّدِّيقِ الصِّدِّيقَةَ ، وَانْفَرَدَ ابْنُ سِيرِينَ فَقَالَ : لَا يُزَوِّجُهَا إِلَّا بِرِضَاهَا . وَقَالَ أَحْمَدُ : إِذَا بَلَغَتْ تِسْعَ سِنِينَ وَنَحْوَهَا اسْتَأْمَرَهَا ، وَذَكَرَ ابْنُ الْقَصَّارِ أَنَّ الْبِكْرَ الصَّغِيرَةَ لَا خِلَافَ فِيهَا أَنَّهُ يُجْبِرُهَا . وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ : إِنْ كَانَتْ صَغِيرَةً أَجْبَرَهَا وَإِنْ كَانَتْ كَبِيرَةً فَلَا ، وَحَمَلَ أَصْحَابُ مَالِكٍ قَوْلَهُ : ("وَالْبِكْرُ تُسْتَأْمَرُ " ) عَلَى الْيَتِيمَةِ ، وَكَذَا هُوَ مُفَسَّرٌ فِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ ، وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى الْخَطَّابِيِّ فِي قَوْلِهِ : الِاسْتِئْمَارُ لَا يَكُونُ إِلَّا نُطْقًا وَالِاسْتِئْذَانُ يَكُونُ بِدُونِهِ ، وَقَوْلُهُ : (تَسْتَحِي ) هُوَ بِيَاءٍ وَاحِدَةٍ ، وَفِيهِ لُغَةٌ أُخْرَى (تَسْتَحْيِي ) بِيَاءَيْنِ ، قَالَ تَعَالَى : إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي [الْبَقَرَةُ : 26 ] .

                                                                                                                                                                                                                              ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية