الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                              جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                              صحيح البخاري 1118 1167 - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَيْفُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْمَكِّيُّ ، سَمِعْتُ مُجَاهِدًا يَقُولُ : أُتِيَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فِي مَنْزِلِهِ ، فَقِيلَ لَهُ : هَذَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ دَخَلَ الْكَعْبَةَ . قَالَ : فَأَقْبَلْتُ فَأَجِدُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ خَرَجَ ، وَأَجِدُ بِلَالًا عِنْدَ الْبَابِ قَائِمًا ، فَقُلْتُ : يَا بِلَالُ ، صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْكَعْبَةِ ؟ قَالَ : نَعَمْ . قُلْتُ فَأَيْنَ ؟ قَالَ : بَيْنَ هَاتَيْنِ الْأُسْطُوَانَتَيْنِ . ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ فِي وَجْهِ الْكَعْبَةِ . قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ : قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - : أَوْصَانِي النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِرَكْعَتَيِ الضُّحَى . وَقَالَ عِتْبَانُ : غَدَا عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بَعْدَ مَا امْتَدَّ النَّهَارُ ، وَصَفَفْنَا وَرَاءَهُ ، فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ . [انْظُرْ : 397 - مُسْلِمٌ : 1329 - فَتْحَ: 3 \ 49] التوضيح ذَكَرَ فِيهِ أَحَادِيثَ : أَحَدُهَا : حَدِيثُ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ انْصَرَفَ . وَهُوَ ثَابِتٌ فِي بَعْضِ النُّسَخِ ، وَفِي أَصْلِ الدِّمْيَاطِيِّ أَيْضًا . نَعَمْ ذَكَرَهُ بَعْدَ حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ ، وَهُوَ مُخْتَصَرٌ مِنْ حَدِيثٍ تَقَدَّمَ فِي بَابِ الصَّلَاةِ عَلَى الْحَصِيرِ . الْحَدِيثُ الثَّانِي : حَدِيثُ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُعَلِّمُنَا الِاسْتِخَارَةَ . الْحَدِيثُ وَيَأْتِي فِي الدَّعَوَاتِ فِي بَابِ الدُّعَاءِ عِنْدَ الِاسْتِخَارَةِ ، وَالتَّوْحِيدِ فِي بَابِ : قُلْ هُوَ الْقَادِرُ [الْأَنْعَامُ : 65] . وَأَخْرَجَهُ الْأَرْبَعَةُ فِي الصَّلَاةِ خَلَا النَّسَائِيَّ فَفِي النِّكَاحِ ، وَالنُّعُوتِ ، وَالْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ . قَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ أَبِي الْمَوَالِي ، وَهُوَ مَدَنِيٌّ ثِقَةٌ . قَالَ : وَفِي الْبَابِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَأَبِي أَيُّوبَ . ثُمَّ الْكَلَامُ عَلَيْهِ مِنْ أَوْجُهٍ : أَحَدُهَا : قَوْلُهُ : (يُعَلِّمُنَا الِاسْتِخَارَةَ كَمَا يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ مَنِ الْقُرْآنِ ) . فِيهِ مَا كَانَ مِنْ شَفَقَتِهِ بِأُمَّتِهِ ، وَإِرْشَادِهِمْ إِلَى مَصَالِحِهِمْ دِينًا وَدُنْيَا ، فَكَانَ يُعَلِّمُهُمْ هَذَا الدُّعَاءَ كَمَا يُعَلِّمُهُمُ السُّورَةَ مِنَ الْقُرْآنِ ; لِشِدَّتِهِمْ فِي الْحَالَاتِ كُلِّهَا كَشِدَّةِ حَاجَتِهِمْ إِلَى الْقِرَاءَةِ فِي كُلِّ الصَّلَوَاتِ . وَالِاسْتِخَارَةُ مُشْتَقَّةٌ مِنْ سُؤَالِ الْخَيْرِ . وَقَوْلُهُ : ( "فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ الْفَرِيضَةِ " ) فِيهِ اسْتِحْبَابُ ذَلِكَ . وَيُفْعَلُ فِي كُلِّ وَقْتٍ عِنْدَنَا إِلَّا وَقْتَ الْكَرَاهَةِ عَلَى الْأَصَحِّ ; لِأَنَّ سَبَبَهَا مُتَأَخِّرٌ . وَفِيهِ تَسْمِيَةُ مَا يَتَعَيَّنُ فِعْلُهُ مِنَ الْعِبَادَاتِ فَرَائِضَ . وَلَا يُسَمَّى بِهِ الْمَنْدُوبُ وَإِنْ كَانَ فِيهِ مَعْنَى الْفَرْضِ ، وَهُوَ التَّقْدِيرُ ، وَلَكِنَّهُ أَمْرٌ خُصَّ بِهِ الْمَكْتُوبَةُ حَتْمًا فِي لِسَانِ الشَّارِعِ . ثَانِيهَا : مَعْنَى : "أَسْتَخِيرُكَ " اسْتُعْمِلَ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ عَلَى مَعَانٍ مِنْهَا سُؤَالُ الْفِعْلِ ، فَالتَّقْدِيرُ : أَطْلُبُ مِنْكَ الْخَيْرَ فِيمَا هَمَمْتُ بِهِ . وَالْخَيْرُ هُوَ كُلُّ مَعْنًى زَادَ نَفْعُهُ عَلَى ضُرِّهِ . وَمَعْنَى : "وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ " : أَسْأَلُكَ تَهْيِئَةَ الْخَيْرِ وَالْقُدْرَةِ . وَفِيهِ : دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْعَبْدَ لَا يَكُونُ قَادِرًا إِلَّا مَعَ الْفِعْلِ ، لَا قَبْلَهُ ، كَمَا يَقُولُ الْقَدَرِيَّةَ ، فَإِنَّ الْبَارِئَ هُوَ خَالِقُ الْعِلْمِ بِالشَّيْءِ لِلْعَبْدِ ، وَالْهَمِّ بِهِ ، وَالْقُدْرَةِ عَلَيْهِ ، وَالْفِعْلِ مَعَ الْقُدْرَةِ ، وَذَلِكَ كُلُّهُ مَوْجُودٌ بِقُدْرَةِ اللَّهِ . قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : وَالْقَادِرُ وَالْقُدْرَةُ مِنْ صِفَاتِ الذَّاتِ ، وَالْقُدْرَةُ وَالْقُوَّةُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ مُتَرَادِفَاتٌ ، فَالْبَارِئُ تَعَالَى لَمْ يَزَلْ قَادِرًا قَوِيًّا ذَا قُدْرَةٍ وَقُوَّةٍ ، قَالَ : وَذَكَرَ الْأَشْعَرِيُّ أَنَّ الْقُدْرَةَ وَالْقُوَّةَ وَالِاسْتِطَاعَةَ اسْمٌ لَا يَجُوزُ أَنْ يُوصَفَ بِهِ مُسْتَطِيعٌ لِعَدَمِ التَّوَقُّفِ بِذَلِكَ ، وَإِنْ كَانَ قَدْ جَاءَ الْقُرْآنُ بِالِاسْتِطَاعَةِ فَقَالَ : هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ [الْمَائِدَةُ : 112] وَإِنَّمَا هُوَ خَبَرٌ عَنْهُمْ وَلَا يَقْضِي إِثْبَاتُهُ صِفَةً لَهُ تَعَالَى ثَابِتَةً لَهُمْ عَقِبَ هَذَا ، وَقِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ : (هَلْ تَسْتَطِيعُ رَبُّكَ ) بِمَعْنَى : هَلْ تَسْتَطِيعُ سُؤَالَهُ . قَالَ : وَقَدْ أَخْطَئُوا فِي الْأَمْرَيْنِ جَمِيعِهِمْ لِاقْتِرَاحِهِمْ عَلَى نَبِيِّهِمْ وَخَالِقِهِمْ مَا لَمْ يَأْذَنْ فِيهِ رَبُّهُمْ تَعَالَى . وَقَوْلُهُ : ( "وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ الْعَظِيمِ " ) كُلُّ عَطَاءِ الرَّبِّ جَلَّ جَلَالُهُ فَضْلٌ ، فَإِنَّهُ لَيْسَ لِأَحَدٍ عَلَيْهِ حَقٌّ فِي نِعْمَةٍ وَلَا فِي شَيْءٍ ، فَكُلُّ مَا يَهَبُ فَهُوَ زِيَادَةٌ مُبْتَدَأَةٌ مِنْ عِنْدِهِ لَمْ يُقَابِلْهَا مِنَّا عِوَضٌ فِيمَا مَضَى ، وَلَا يُقَابِلُهَا فِيمَا يُسْتَقْبَلُ ، فَإِنْ وُفِّقَ لِلشُّكْرِ وَالْحَمْدِ فَهُوَ نِعْمَةُ سُؤْلٍ وَفَضْلٌ يَفْتَقِرُ أَيْضًا إِلَى حَمْدٍ وَشُكْرٍ هَكَذَا إِلَى غَيْرِ نِهَايَةٍ ، خِلَافَ مَا تَعْتَقِدُهُ الْمُبْتَدَعَةُ الَّتِي تَقُولُ : إِنَّهُ وَاجِبٌ عَلَى اللَّهِ أَنْ يَبْتَدِئَ الْعَبْدَ بِالنِّعْمَةِ ، وَقَدْ خَلَقَ لَهُ الْقُدْرَةَ ، وَهِيَ بَاقِيَةٌ فِيهِ ، دَائِمَةٌ لَهُ أَبَدًا يَعْصِي وَيُطِيعُ . وَقَوْلُهُ : ( "فَإِنَّكَ تَقْدِرُ وَلَا أَقْدِرُ ، وَتَعْلَمُ وَلَا أَعْلَمُ " ) فِيهِ تَصْرِيحٌ بِعَقِيدَةِ أَهْلِ السُّنَّةِ ، فَإِنَّهُ نُفِيَ الْعِلْمُ عَنِ الْعَبْدِ وَالْقُدْرَةُ وَهُمَا مَوْجُودَانِ ، وَذَلِكَ يُنَاقِضُ فِي بَادِئِ الرَّأْيِ ، وَالْحَقُّ وَالْحَقِيقَةُ فِيهِ الِاعْتِرَافُ بِأَنَّ الْعِلْمَ لِلَّهِ وَالْقُدْرَةَ لِلَّهِ ، لَيْسَ لِلْعَبْدِ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ إِلَّا مَا خُلِقَ لَهُ يَقُولُ : فَأَنْتَ يَا رَبِّ تَقْدِرُ قَبْلَ أَنْ تَخْلُقَ فِيَّ الْقُدْرَةَ ، وَتَقْدِرُ مَعَ خَلْقِهَا ، وَتَقْدِرُ بَعْدَهَا . وَأَمَّا عَلَى الْحَقِيقَةِ فِي الْأَقْوَالِ كُلِّهَا مُصْرَفٌ لَكَ وَمَحَلٌّ لِمَقْدُورَاتِكَ وَكَذَلِكَ فِي الْعِلْمِ . وَقَوْلُهُ : ( "وَأَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ " ) الْمَعْنَى : أَنَا أَطْلُبُ مُسْتَأْنَفًا لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا أَنْتَ ، فَهَبْ لِي مِنْهُ مَا تَرَى أَنَّهُ خَيْرٌ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي ، وَعَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ ، وَهِيَ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ : خَيْرٌ يَكُونُ لَهُ فِي دِينِهِ دُونَ دُنْيَاهُ ، وَهَذَا هُوَ الْمَقْصُودُ لِلْإِبْدَالِ ، وَلَا صَبْرَ عَلَى عُمُومِ الْخَلْقِ فِيهِ . ثَانِيهَا : خَيْرٌ لَهُ فِي دُنْيَاهُ خَاصَّةً وَلَا يُعْرَضُ عَلَى دِينِهِ ، فَذَلِكَ حَظٌّ حَقِيرٌ . ثَالِثُهَا : خَيْرٌ فِي الْعَاجِلِ ، وَذَلِكَ يَحْصُلُ فِي الدُّنْيَا وَيُحْتَمَلُ لِلِابْتِدَاءِ ، وَيَكُونُ فِي الْآخِرَةِ أَوْلَى . رَابِعُهَا : خَيْرٌ فِي الِانْتِهَاءِ ، وَذَلِكَ أَوْلَاهُ وَأَفْضَلُهُ ، وَلَكِنْ إِذَا جُمِعَ الْأَرْبَعَةُ فَذَلِكَ الَّذِي يَنْبَغِي لِلْعَبْدِ أَنْ يَسْأَلَ رَبَّهُ ، وَمِنْ دُعَاءِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : "اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لِي دِينِي الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِي ، وَأَصْلِحْ لِي دُنْيَايَ الَّتِي فِيهَا مَعَاشِي ، وَأَصْلِحْ لِي آخِرَتِي الَّتِي إِلَيْهَا مَعَادِي ، وَاجْعَلِ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لِي فِي كُلِّ خَيْرٍ ، وَالْمَوْتَ رَاحَةً لِي مِنْ كُلِّ شَرٍّ ، إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ " . وَقَوْلُهُ : "وَبَارِكْ لِي فِيهِ " أَيْ : أَدِمْهُ وَضَاعِفْهُ . وَقَوْلُهُ : ( "وَعَاقِبَةِ أَمْرِي -أَوْ قَالَ : عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ " ) شَكَّ أَيُّ الْكَلِمَتَيْنِ قَالَ . وَقَوْلُهُ : ( "وَاصْرِفْهُ عَنِّي وَاصْرِفْنِي عَنْهُ " ) أَيْ : لَا تُعَلِّقْ بَالِي بِهِ وَبِطَلَبِهِ . وَمِنْ دُعَاءِ بَعْضِ أَهْلِ الطَّرِيقِ : اللَّهُمَّ لَا تُتْعِبْ بَدَنِي فِي طَلَبِ مَا لَمْ تُقَدِّرْهُ لِي . وَقَوْلُهُ : ( "وَاقْدُرْ لِي الْخَيْرَ " ) أَيِ : اقْضِهِ ، قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ : أَهْلُ الْمَشْرِقِ يَضُمُّونَ الدَّالَ مِنْهُ ، وَأَهْلُ بَلَدِنَا يَكْسِرُونَهَا ، وَلَا أَدْرِي كَيْفَ قَرَأَهُ أَبُو زَيْدٍ . وَقَوْلُهُ : "ثُمَّ أَرْضِنِي " كَذَا فِي الْبُخَارِيِّ ، وَفِي التِّرْمِذِيِّ زِيَادَةُ : "بِهِ " وَلِأَبِي دَاوُدَ : "ثُمَّ رَضِّي بِهِ " أَيِ : اجْعَلْنِي رَاضِيًا بِهِ إِنْ وُجِدَ ، أَوْ بِعَدَمِهِ إِنْ عُدِمَ . وَالرِّضَى : سُكُونُ النَّفْسِ إِلَى الْقَدَرِ وَالْقَضَاءِ . فَفِيهِ : أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْمُؤْمِنِ رَدُّ الْأُمُورِ كُلِّهَا إِلَى اللَّهِ ، وَصَرْفُ أَزْمِنَتِهَا ، وَالتَّبَرُّءُ مِنَ الْحَوْلِ وَالْقُوَّةِ ، وَأَنْ لَا يَرُومُ شَيْئًا مِنْ دَقِيقِ الْأُمُورِ وَلَا جَلِيلِهَا حَتَّى يَسْأَلَ اللَّهَ فِيهِ ، وَيَسْأَلَهُ أَنْ يَحْمِلَهُ فِيهِ عَلَى الْخَيْرِ وَيَصْرِفَ عَنْهُ الشَّرَّ إِذْعَانًا بِالِافْتِقَارِ إِلَيْهِ فِي كُلِّ أَمْرِهِ وَالْتِزَامًا لِذِلَّةِ الْعُبُودِيَّةِ لَهُ ، وَتَبَرُّكًا لِاتِّبَاعِ سُنَّةِ سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ فِي الِاسْتِخَارَةِ ، وَرُبَّمَا قَدَّرَ مَا هُوَ خَيْرٌ وَيَرَاهُ شَرًّا نَحْوَ قَوْلِهِ : وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ [الْبَقَرَةُ : 216] . وَفِي قَوْلِهِ : "وَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ شَرٌّ لِي " حُجَّةٌ عَلَى الْقَدَرِيَّةِ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّ اللَّهَ لَا يَخْلُقُ الشَّرَّ -تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يَفْتَرُونَ- فَقَدْ أَبَانَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَالِكُ لِلشَّرِّ وَالْخَالِقُ لَهُ ، وَهُوَ الْمَدْعُوُّ لِصَرْفِهِ عَنِ الْعَبْدِ ; لِأَنَّ مُحَالًا أَنْ يَسْأَلَهُ الْعَبْدُ صَرْفَ مَا يَمْلِكُهُ الْعَبْدُ مِنْ نَفْسِهِ وَمَا يَقْدِرُ عَلَى اخْتِرَاعِهِ دُونَ تَقَدُّرِ اللَّهِ عَلَيْهِ . وَقَوْلُهُ : ( "وَيُسَمِّي حَاجَتَهُ " ) أَيْ : إِمَّا بِلِسَانِهِ أَوْ بِقَلْبِهِ لِأَنَّهُ مِنَ الدُّعَاءِ وَالْعَمَلِ الَّذِي يُتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى اللَّهِ . "إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى يُصَلَّيَ رَكْعَتَيْنِ " . وَقَدْ سَلَفَ فِي بَابِ : إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ . الْحَدِيثُ الرَّابِعُ : حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ : صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الظُّهْرِ ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا . الْحَدِيثُ . وَقَدْ سَلَفَ فِي بَابِ : الصَّلَاةُ بَعْدَ الْجُمُعَةِ ، وَيَأْتِي فِي : التَّطَوُّعُ بَعْدَ الْمَكْتُوبَةِ ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ مُخْتَصَرًا ، وَالتِّرْمِذِيُّ مُطَوَّلًا . الْحَدِيثُ الْخَامِسُ : حَدِيثُ شُعْبَةَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ يَخْطُبُ : "إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ -أَوْ قَدْ خَرَجَ- فَلْيُصَلِّ رَكْعَتَيْنِ " . وَقَدْ سَلَفَ فِي بَابِ : صَلَاةُ الْجُمُعَةِ ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالْأَرْبَعَةُ . قَالَ الْأَصِيلِيُّ : خَالَفَ شُعْبَةَ فِيهِ أَصْحَابُ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ : ابْنُ جُرَيْجٍ ، وَحَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، وَسُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ فَرَوَوْهُ عَنْ عَمْرٍو عَنْ جَابِرٍ فِي قِصَّةِ سُلَيْكٍ ، وَكَذَلِكَ رَوَى أَبُو الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ ، فَانْفَرَدَ شُعْبَةُ بِمَا لَمْ يُتَابَعْ عَلَيْهِ ، لَمْ تَكُنْ زِيَادَةً زَادَهَا الْحَافِظُ عَلَى غَيْرِهِ ; بَلْ هِيَ قِصَّةٌ مُنْقَلِبَةٌ عَنْ وَجْهِهَا . وَقَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ : أَحَقُّ أَصْحَابِ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ بِحَدِيثِهِ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ . وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ : أُرَاهُ إِنَّمَا رَوَى الْحَدِيثَ عَلَى تَأْوِيلِهِ الَّذِي رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَخْطُبُ -وَبِهِ بَذَاذَةٌ - فَأَمَرَهُ أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ لِيَفْطِنَ لَهُ النَّاسُ وَقَدْ سَلَفَ هَذَا . وَقَوْلُهُ : ( "أَوْ قَدْ خَرَجَ " ) يَعْنِي : دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَخَرَجَ عَلَى الْقَوْمِ . الْحَدِيثُ السَّادِسُ : حَدِيثُ سَيْفِ بْنِ سُلَيْمَانَ : سَمِعْتُ مُجَاهِدًا يَقُولُ : أُتِيَ ابْنُ عُمَرَ فِي مَنْزِلِهِ . الْحَدِيثُ . وَهَذَا سَلَفَ فِي بَابِ : قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى [الْبَقَرَةُ : 125] . قَالَ الْبُخَارِيُّ : وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : أَوْصَانِي النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِرَكْعَتَيِ الضُّحَى . وَهَذَا يَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . وَقَالَ عِتْبَانُ بْنُ مَالِكٍ : غَدَا عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بَعْدَمَا امْتَدَّ النَّهَارُ ، وَصَفَفْنَا وَرَاءَهُ ، فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ . وَهَذَا سَلَفَ ، وَفِي هَذَا دَلَالَةٌ عَلَى صَلَاةِ النَّافِلَةِ جَمَاعَةً . إِذَا عَرَفْتَ ذَلِكَ : فَتَرْجَمَةُ الْبَابِ أَنَّ التَّطَوُّعَ مَثْنَى مَثْنَى ، وَمَا ذَكَرَهُ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمُتَوَاتِرَةِ شَاهِدٌ لَهُ عُمُومًا وَخُصُوصًا ، قَوْلًا وَفِعْلًا ، وَحَدِيثُ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيَّ مَرْفُوعًا : "أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ قَبْلَ الظُّهْرِ لَا تَسْلِيمَ فِيهِنَّ يُفْتَحُ لَهُنَّ أَبْوَابُ السَّمَاءِ " إِنَّمَا أَرَادَ اتِّصَالَهُنَّ ذَلِكَ الْوَقْتَ لَا أَنَّهُ لَا سَلَامَ بَيْنَهُنَّ ; لِمَا صَحَّ مِنْ صَلَاتِهِ قَبْلَ الظُّهْرِ وَغَيْرِهَا رَكْعَتَيْنِ تَوْفِيقًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ ، ثُمَّ إِنَّهُ دَالٌّ عَلَى فَضْلِ الْأَرْبَعِ إِذَا اتَّصَلَتْ وَفُعِلَتْ فِي هَذَا الْوَقْتِ ، وَلَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَكْثَرَ مِنَ الْأَرْبَعِ لَا يَكُونُ أَفْضَلَ مِنْهَا إِذَا كَانَتْ مُنْفَصِلَةً ; لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ يَذْكُرُ فَضْلَ الشَّيْءِ وَيَكُونُ هُنَاكَ مَا لَوْ قَالَهُ أَوْ فَعَلَهُ لَكَانَ أَفْضَلَ ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ قَالَ : "اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشَقِّ تَمْرَةٍ " وَلَا شَكَّ أَنَّ رِطْلَ تَمْرٍ أَفْضَلُ مِنْهَا ، فَنَبَّهَ بِذِكْرِهِ عَلَى أَرْبَعٍ عَلَى أَنَّ الْأَكْثَرَ يَكُونُ أَفْضَلَ ، فَلَوْ صَلَّى عِشْرِينَ بِتَسْلِيمَةٍ بَيْنَ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ كَانَ أَفْضَلَ مِنْ أَرْبَعٍ مُتَّصِلَةٍ . وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي التَّطَوُّعَاتِ لَيْلًا وَنَهَارًا ، وَقَدْ أَسْلَفْنَاهُ فِيمَا مَضَى فِي بَابِ : مَا جَاءَ فِي الْوِتْرِ ، وَمَذْهَبُ ابْنِ أَبِي لَيْلَى وَمَالِكٍ وَاللَّيْثِ وَالشَّافِعِيِّ وَأَبِي ثَوْرٍ : مَثْنَى مَثْنَى . وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : أَمَّا صَلَاةُ اللَّيْلِ فَإِنْ شِئْتَ رَكْعَتَيْنِ وَإِنْ شِئْتَ أَرْبَعًا أَوْ سِتًّا أَوْ ثَمَانِيًا . وَكُرِهَ الزِّيَادَةُ عَلَى ذَلِكَ . قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَتَبِعَهُ صَاحِبَاهُ . فَأَمَّا النَّهَارُ فَإِنْ شِئْتَ رَكْعَتَيْنِ وَإِنْ شِئْتَ أَرْبَعًا . وَكَرِهُوا الزِّيَادَةَ عَلَى ذَلِكَ ، احْتَجَّ أَبُو حَنِيفَةَ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ السَّالِفِ : كَانَ يُصَلِّي أَرْبَعًا ثُمَّ أَرْبَعًا ثُمَّ ثَلَاثًا . وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ أَنَّ الْأَرْبَعَ بِسَلَامٍ وَاحِدٍ ، وَإِنَّمَا أَرَادَتِ الْعَدَدَ فِي قَوْلِهَا : أَرْبَعًا ثُمَّ أَرْبَعًا ثُمَّ ثَلَاثًا . بِدَلِيلِ قَوْلِهِ : "صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى " وَهَذَا يَقْتَضِي رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ بِسَلَامٍ بَيْنَهُمَا عَلَى مَا سَلَفَ فِي بَابِ : كَيْفَ صَلَاةُ اللَّيْلِ . وَرَدَّ الطَّحَاوِيُّ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ بِحَدِيثِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْهَا أَنَّهُ كَانَ يُسَلِّمُ بَيْنَ كُلِّ اثْنَتَيْنِ مِنْهُنَّ . وَقَالَ : هَذَا الْبَابُ إِنَّمَا يُؤْخَذُ مِنْ جِهَةِ التَّوْقِيفِ وَالِاتِّبَاعِ لِمَا فَعَلَهُ الشَّارِعُ وَأَمَرَ بِهِ وَفَعَلَهُ أَصْحَابُهُ مِنْ بَعْدِهِ ، فَلَمْ يَجِدْ عَنْهُ مِنْ فِعْلِهِ وَلَا مِنْ قَوْلِهِ أَنَّهُ أَبَاحَ أَنَّهُ يُصَلِّي بِاللَّيْلِ أَكْثَرَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ ، وَهَذَا أَصَحُّ الْقَوْلَيْنِ عِنْدَنَا . وَأَمَّا صَلَاةُ النَّهَارِ فَالْحُجَّةُ فِيهِ حَدِيثُ أَبِي أَيُّوبَ السَّالِفُ ، وَقَدْ سَلَفَ بَيَانُهُ . وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ : كَانَ عَبْدُ اللَّهِ يُصَلِّي قَبْلَ الْجُمُعَةِ أَرْبَعًا وَبَعْدَهَا أَرْبَعًا لَا يَفْصِلُ بَيْنَهُنَّ بِتَسْلِيمٍ . وَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي بِاللَّيْلِ رَكْعَتَيْنِ وَبِالنَّهَارِ أَرْبَعًا ، وَمَا سَلَفَ أَوْلَى .

                                                                                                                                                                                                                              ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية