الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                              جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                              صحيح البخاري 2375 3 - بَابٌ: رَهْنُ السِّلَاحِ 2510 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ عَمْرٌو: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " مَنْ لِكَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ؟ فَإِنَّهُ آذَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ". فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ: أَنَا. فَأَتَاهُ فَقَالَ: أَرَدْنَا أَنْ تُسْلِفَنَا وَسْقًا أَوْ وَسْقَيْنِ. فَقَالَ: ارْهَنُونِي نِسَاءَكُمْ. قَالُوا: كَيْفَ نَرْهَنُكَ نِسَاءَنَا، وَأَنْتَ أَجْمَلُ الْعَرَبِ؟ قَالَ: فَارْهَنُونِي أَبْنَاءَكُمْ. قَالُوا: كَيْفَ نَرْهَنُ أَبْنَاءَنَا فَيُسَبُّ أَحَدُهُمْ، فَيُقَالُ: رُهِنَ بِوَسْقٍ أَوْ وَسْقَيْنِ؟ هَذَا عَارٌ عَلَيْنَا وَلَكِنَّا نَرْهَنُكَ اللَّأْمَةَ -قَالَ سُفْيَانُ يَعْنِي: السِّلَاحَ- فَوَعَدَهُ أَنْ يَأْتِيَهُ، فَقَتَلُوهُ، ثُمَّ أَتَوُا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرُوهُ. التوضيح ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ لِكَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ؟ فَإِنَّهُ قَدْ آذَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ". إِلَى أَنْ قَالَ: وَلَكِنَّا نَرْهَنُكَ اللَّأْمَةَ -يَعْنِي: السِّلَاحَ- وَفِيهِ: فَقَتَلُوهُ. وَلَيْسَ فِيهِ مَا بَوَّبَ لَهُ; لِأَنَّهُمْ لَمْ يَقْصِدُوا إِلَّا الْخَدِيعَةَ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَكَعْبٌ كَانَ مِنْ طَيِّئٍ، وَكَانَتْ أُمُّهُ مِنْ بَنِي النَّضِيرِ، وَكَانَ يُعَادِي رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيُحَرِّضُ الْمُشْرِكِينَ عَلَيْهِ، فَلَمَّا أُصِيبَ الْمُشْرِكُونَ بِبَدْرٍ خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ يُحَرِّضُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ يُشَبِّبُ بِنِسَاءِ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى آذَاهُمْ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ لَهُ؟ فَإِنَّهُ قَدْ آذَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ". وَلَمْ يَكُنْ بَنُو النَّضِيرِ ذِمَّةً لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَمْ يَكُنْ كَعْبٌ فِي عَهْدٍ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يُوَضِّحُهُ إِعْلَانُهُ بِأَنَّهُ آذَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ عَلَى رُءُوسِ النَّاسِ، وَكَيْفَ يَكُونُ فِي عَهْدٍ مَنْ شَكَوْا مِنْهُ الْأَذَى، بَلْ كَانَ مُمْتَنِعًا بِقَوْمِهِ فِي حِصْنِهِ، وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ يَقْنَعُونَ مِنْهُ بِالْقُعُودِ عَنْ حَرْبِهِمْ، وَإِنَّمَا كَانَتْ بَيْنَهُمْ مُسَالَمَةٌ وَمُوَافَقَةٌ لِلْجِيرَةِ، وَكَانَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - يُمْسِكُ عَنْهُمْ لِإِمْسَاكِهِمْ عَنْهُ مِنْ غَيْرِ عَهْدٍ وَلَا عَقْدٍ، وَلَوْ كَانَ لِكَعْبٍ عَهْدٌ انْتُقِضَ بِالْأَذَى وَوَجَبَ عَلَيْهِ، وَلَكَانَ بِقَوْلِ: "مَنْ لَكَعْبٍ؛ فَإِنَّهُ قَدْ آذَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ" نَابِذًا إِلَيْهِ عَهْدَهُ، وَمُسْقِطًا بِذَلِكَ ذِمَّتَهُ، وَلَوْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْعَهْدِ وَالذِّمَّةِ لَوَجَبَ حَرْبُهُ وَاغْتِيَالُهُ بِكُلِّ وَجْهٍ، فَمَنْ لَامَ الشَّارِعَ عَلَى ذَلِكَ فَقَدْ كَذَّبَ اللَّهَ فِي قَوْلِهِ: فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ [الذَّارِيَاتِ: 54] وَوَصَفَ رَسُولَهُ بِمَا لَا يَحِلُّ لَهُ بِمَا نَزَّهَهُ اللَّهُ عَنْهُ، وَاللَّهُ وَلِيُّ الِانْتِقَامِ مِنْهُ وَسَيَكُونُ لَنَا عَوْدَةٌ إِلَيْهِ -إِنْ شَاءَ اللَّهُ- فِي الْجِهَادِ، وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُرْهَنَ عِنْدَ ابْنِ الْأَشْرَفِ سِلَاحٌ وَلَا شَيْءٌ مِمَّا يُتَقَوَّى بِهِ عَلَى أَذَى الْمُسْلِمِينَ، وَلَيْسَ قَوْلُهُمْ لَهُ: نَرْهَنُكَ اللَّأْمَةَ بِمَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ رَهْنِ السِّلَاحِ عِنْدَ الْحَرْبِيِّ، وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ مِنْ مَعَارِيضِ الْكَلَامِ الْمُبَاحَةِ فِي الْحَرْبِ وَغَيْرِهِ. قَالَ السُّهَيْلِيُّ فِي قَوْلِهِ: "مَنْ لِكَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ .. " إِلَى آخِرِهِ، جَوَازُ قَتْلِ مَنْ سَبَّهُ وَإِنْ كَانَ ذَا عَهْدٍ، خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ؛ فَإِنَّهُ لَا يَرَى قَتْلَ الذِّمِّيِّ فِي مِثْلِ هَذَا. وَزَعَمَ الْمَازِرِيُّ أَنَّهُ إِنَّمَا قَتَلَهُ; لِأَنَّهُ نَقَضَ الْعَهْدَ وَكَانَ عَاهَدَهُ أَنَّهُ لَا يُعِينُ عَلَيْهِ، ثُمَّ جَاءَهُ مَعَ أَهْلِ الْحَرْبِ وَأَغْرَى قُرَيْشًا وَغَيْرَهُمْ حَتَّى اجْتَمَعُوا بِأُحُدٍ. وَكَذَا ذَكَرَهُ الْخَطَّابِيُّ، زَادَ: وَقَالَ شِعْرًا؛ يَعْنِي: قَبِيحًا مُفْظِعًا. وَكَذَا قَالَ ابْنُ التِّينِ: قَتْلُهُ كَعْبًا; لِأَنَّهُ نَكَثَ مَا عَاهَدَ عَلَيْهِ وَأَخْفَرَ الذِّمَّةَ. وَقَوْلُهُ: (آذَى اللَّهَ) يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّ مَنْ آذَى رَسُولَهُ فَقَدْ آذَى مُرْسِلَهُ، أَوْ يُرِيدُ تَكْذِيبَهُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَهُوَ مَجَازٌ; لِأَنَّ الرَّبَّ - جَلَّ جَلَالُهُ- لَا يُدْرِكُهُ أَذًى، وَفِيهِ جَوَازُ الْكَذِبِ لِمَصْلَحَةٍ، وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ مُحَمَّدًا عَنَانَا وَسَأَلَنَا الصَّدَقَةَ. وَاللَّأْمَةُ: السِّلَاحُ. قَالَ ابْنُ التِّينِ: قَالَ اللُّغَوِيُّونَ: اللَّأْمَةُ مَهْمُوزَةً: الدِّرْعُ، وَجَمْعُهَا لُؤَمٌ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ، كَأَنَّهُ جَمْعُ لُؤْمَةٍ، وَهِيَ الْحَدِيدَةُ الَّتِي يُحْرَثُ بِهَا.

                                                                                                                                                                                                                              ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية