الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                              جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                              صحيح البخاري 3094 3267 - حَدَّثَنَا عَلِيٌّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، قَالَ: قِيلَ لِأُسَامَةَ: لَوْ أَتَيْتَ فُلَانًا فَكَلَّمْتَهُ. قَالَ: إِنَّكُمْ لَتَرَوْنَ أَنِّي لَا أُكَلِّمُهُ إِلَّا أُسْمِعُكُمْ، إِنِّي أُكُلِّمُهُ فِي السِّرِّ دُونَ أَنْ أَفْتَحَ بَابًا لَا أَكُونُ أَوَّلَ مَنْ فَتَحَهُ، وَلَا أَقُولُ لِرَجُلٍ أَنْ كَانَ عَلَيَّ أَمِيرًا إِنَّهُ خَيْرُ النَّاسِ بَعْدَ شَيْءٍ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. قَالُوا: وَمَا سَمِعْتَهُ يَقُولُ؟ قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: " يُجَاءُ بِالرَّجُلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُلْقَى فِي النَّارِ، فَتَنْدَلِقُ أَقْتَابُهُ فِي النَّارِ، فَيَدُورُ كَمَا يَدُورُ الْحِمَارُ بِرَحَاهُ، فَيَجْتَمِعُ أَهْلُ النَّارِ عَلَيْهِ، فَيَقُولُونَ أَيْ فُلَانُ، مَا شَأْنُكَ؟ أَلَيْسَ كُنْتَ تَأْمُرُنَا بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ؟ قَالَ: كُنْتُ آمُرُكُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَلَا آتِيهِ، وَأَنْهَاكُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَآتِيهِ". رَوَاهُ غُنْدَرٌ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ. 7098 - مُسْلِمٍ: 2989 - فَتْحَ: 6 \ 331] التوضيح الشَّرْحُ: رَوَى إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ الشَّامِيُّ فِي "تَفْسِيرِهِ" عَنْ ثَوْرٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، عَنْ مُعَاذٍ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: مِنْ أَيْنَ يُجَاءُ بِجَهَنَّمَ؟ قَالَ: "يُجَاءُ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْأَرْضِ السَّابِعَةِ لَهَا سَبْعُونَ أَلْفَ زِمَامٍ" الْحَدِيثَ. قِيلَ: الْغَسَّاقُ: قَيْحٌ غَلِيظٌ، قَالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: هُوَ صَدِيدُهُمْ تَصْهَرُهُمُ النَّارُ، فَيُجْمَعُ صَدِيدُهُمْ فِي حِيَاضٍ فَيُسْقَوْنَهُ. وَقِيلَ: إِنَّهُ النَّتْنُ. قَالَ ابْنُ فَارِسٍ: مَا يَقْطُرُ مِنْ جُلُودِ أَهْلِ النَّارِ. وَقَالَ ابْنُ عُزَيْرٍ: وَقِيلَ: بَارِدٌ يُحْرِقُ كَمَا تُحْرِقُ النَّارُ، وَقَوْلُهُ: غَسَقَتْ عَيْنُهُ، أَيْ: سَالَتْ، وَقِيلَ: أَظْلَمَتْ وَدَمَعَتْ، وَقَوْلُهُ: إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ [الْحَاقَّةِ: 36] وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ [الْغَاشِيَةِ: 6] وَقِيلَ: الْمَعْنَى: وَلَا طَعَامَ يُنْتَفَعُ بِهِ. وَقِيلَ: الْغِسْلِينُ مِنَ الضَّرِيعِ. وَقَوْلُ عِكْرِمَةَ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْأَشَجِّ، ثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبْجَرَ سَمِعْتُ عِكْرِمَةَ بِهِ. قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: إِنْ كَانَ أَرَادَ بِهَا حَبَشِيَّةَ الْأَصْلِ سَمِعَتْهَا الْعَرَبُ فَتَكَلَّمَتْ بِهَا، فَصَارَتْ حِينَئِذٍ عَرَبِيَّةً، وَإِلَّا فَلَيْسَ فِي الْقُرْآنِ غَيْرُ الْعَرَبِيَّةِ. وَقَالَ ابْنُ عُزَيْرٍ: إِنْ كَانَ أَرَادَ أَنَّ هَذِهِ الْكَلِمَةَ حَبَشِيَّةً وَعَرَبِيَّةً بِلَفْظٍ وَاحِدٍ فَهُوَ وَجْهٌ. قَالَ الْخَلِيلُ: حَصَبٌ مَا هُيِّئَ لِلْوَقُودِ مِنَ الْحَطَبِ، فَإِنْ لَمْ يُهَيَّأْ لِذَلِكَ فَلَيْسَ بِحَصَبٍ. وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ بِإِسْكَانِ الصَّادِ مُعْجَمَةً، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِفَتْحِهَا، وَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ: (حَطَبُ جَهَنَّمَ) وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ قَالُوا: أَلَيْسَ عُبِدَ عُزَيْرٌ وَالْمَسِيحُ وَالْمَلَائِكَةُ، وَأَنْتَ تَقُولُ: هُمْ قَوْمٌ صَالِحُونَ، فَنَزَلَتْ: إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ [الْأَنْبِيَاءِ: 101] الْآيَةَ. وَقَوْلُهُ: فِي ( خَبَتْ : طُفِئَتْ) قَالَ الضَّحَّاكُ: سَكَنَتْ، وَقَالَ جَمَاعَةٌ: سَكَنَ لَهَبُهَا، وَهِيَ حَيَّةٌ لَمْ تَبْطُلْ، وَكَذَلِكَ نَاخَتْ، فَإِنْ سَكَنَ لَهَبُهَا وَعَلَا الْجَمْرَ رَمَادٌ، قِيلَ: كَبَتَ، فَإِنْ طُفِئَ بَعْضُ الْجَمْرِ وَسَكَنَ اللَّهَبُ قِيلَ: خَمَدَتْ، فَإِنْ طُفِئَتْ كُلُّهَا وَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا شَيْءٌ قِيلَ: هَمَدَتْ. وَقَوْلُهُ: (الْقِيُّ: الْقَفْرُ) يُقَالُ: الْقَوَى وَهُوَ الْمَوْضِعُ لَا أَحَدَ فِيهِ، وَقِيلَ: الْمُقْوِي: مَنْ لَا زَادَ مَعَهُ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الْمُقْوِينُ: النَّاسُ أَجْمَعُونَ، وَقِيلَ: الَّذِي مَعَهُ مَالٌ، وَقِيلَ: الْمُقْوِي: الَّذِي أَصْحَابُهُ وَإِبِلُهُ أَقْوِيَاءُ، وَقِيلَ: مَنْ مَعَهُ دَابَّةٌ، وَهَذَا لَيْسَ بِتَفْسِيرٍ. وَقَوْلُهُ فِي تَفْسِيرٍ: لَشَوْبًا وَيُسَاطُ مَعْنَاهُ: يُخْلَطُ، وَالْمَعْنَى هُنَا: شُرْبَ الْحَمِيمِ، وَمَا ذَكَرَهُ فِي زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ [هُودَ: 106] قِيلَ: الزَّفِيرُ: أَوَّلُ نَهِيقِ الْحِمَارِ، وَالشَّهِيقُ: مِنْ آخِرِهِ، فَالزَّفِيرُ مِنَ الصَّدْرِ وَالشَّهِيقُ مِنَ الْحَلْقِ. وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ: الشَّهِيقُ: الَّذِي يَبْقَى بَعْدَ الصَّوْتِ الشَّدِيدِ مِنَ الْحِمَارِ. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ إِذَا بَقِيَ فِي النَّارِ مَنْ خَلَدَ فِيهَا جُعِلُوا فِي تَوَابِيتَ مِنْ حَدِيدٍ فَمَا يَرَى أَحَدُهُمْ أَنَّهُ يُعَذَّبُ فِي النَّارِ أَحَدٌ غَيْرُهُ، ثُمَّ قَرَأَ: لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ [الْأَنْبِيَاءِ: 100] وَمَا ذَكَرَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي تَفْسِيرِ صِرَاطِ الْجَحِيمِ [الصَّافَّاتِ: 23] رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ عَنْهُ سَوَاءِ الْجَحِيمِ [الصَّافَّاتِ: 55] فِي وَسَطِ الْجَحِيمِ، وَعَنْهُ: وَاهْدُوهُمْ: (وَجِّهُوهُمْ). وَقَوْلُهُ: ( وِرْدًا [مَرْيَمَ: 86]) عِطَاشًا، قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: هُوَ مَصْدَرُ وَرَدَتْ، وَالتَّقْدِيرُ عِنْدَهُمْ ذَوِي وِرْدٍ، وَقَدْ حَكَوْا أَنَّهُ يُقَالُ لِلْوَارِدِينَ الْمَاءَ: وَرَدَ، فَلَمَّا كَانُوا يَرِدُونَ عَلَى الْمَاءِ كَمَا يَرِدُ الْعِطَاشُ عَلَى الْمَاءِ قِيلَ لَهُمْ: وِرْدٌ، فَعَلَى هَذَا يُوَافِقُ اللُّغَةَ، وَقِيلَ: وَرْدًا وُرَّادًا كَقَوْلِكَ قَوْمٌ زَوْرٌ أَيْ: زُوَّارٌ. وَقَوْلُهُ: (غَيًّا: خُسْرَانًا) قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: غَيًّا: وَادٍ فِي جَهَنَّمَ، وَالْمَعْنَى فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ حَرَّ الْغَيِّ، وَقِيلَ: يُسَمَّى الْوَادِي: غَيًّا; لِأَنَّ الْغَاوِينَ يَصِيرُونَ إِلَيْهِ. وَتَفْسِيرُ مُجَاهِدٍ فِي: يُسْجَرُونَ رَوَاهُ عَبْدٌ، عَنْ رَوْحٍ، عَنْ شِبْلٍ، عَنْ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ بِهِ، وَمَا ذَكَرَهُ فِي "تَفْسِيرِ النُّحَاسِ" هُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هُوَ الدُّخَانُ، زَادَ ابْنِ عَبَّاسٍ: لَا لَهَبَ فِيهِ، وَقَالَ: النُّحَاسُ: النَّارُ وَالدُّخَانُ أَشْبَهَهَا. وَمَا ذَكَرَهُ فِي مَرَجَ قَالَ ابْنِ عَبَّاسٍ: الْمَارِجُ: اللَّهَبُ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: الْمَارِجُ: الْخِلْطُ. وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ: مِنْ لَهَبٍ أَحْمَرَ وَأَسْوَدَ، وَقَالَ الْفَرَّاءُ: الْمَارِجُ: نَارٌ دُونَ الْحِجَابِ، وَمِنْهَا هَذِهِ الصَّوَاعِقُ وَيُرَى جِلْدُ السَّمَاءِ مِنْهَا. وَقِيلَ: هُوَ اللَّهَبُ الْمُخْتَلِطُ بِسَوَادِ النَّارِ. وَقَوْلُهُ: (مَرِجَ أَمْرُ النَّاسِ) هُوَ بِكَسْرِ الرَّاءِ، وَمِنْهُ: مَرِجَ الْخَاتَمُ فِي يَدِي إِذْ تَلِفَ، وَمِنْهُ: مَرَجَتْ عُهُودُهُمْ، أَيِ: اخْتَلَطَتْ. وَمَعْنَى (مَرِيجٍ): مُلْتَبِسٍ أَيْ: يَقُولُونَ مَرَّةً: شَاعِرٌ، وَمَرَّةً: سَاحِرٌ، وَمَرَّةً: كَاهِنٌ، وَمَرَّةً: مَجْنُونٌ. ثُمَّ ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ فِي الْبَابِ عَشَرَةَ أَحَادِيثَ: أَحَدُهَا: حَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي سَفَرٍ فَقَالَ: "أَبْرِدْ" ثُمَّ قَالَ: "أَبْرِدْ" حَتَّى فَاءَ الْفَيْءُ -يَعْنِي التُّلُولَ- ثُمَّ قَالَ: "أَبْرِدُوا عَنِ الصَّلَاةِ، فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ" وَقَدْ سَلَفَ فِي الصَّلَاةِ. وَالْإِبْرَادُ: أَنْ تَفِيءَ الْأَفْيَاءُ، وَيَنْكَسِرَ وَهَجُ الْحَرِّ، وَسُمِّيَ ذَلِكَ بَرْدًا بِالْإِضَافَةِ إِلَى حَرِّ الظَّهِيرَةِ. وَ"فَيْحِ جَهَنَّمَ": سُطُوعُ حَرِّهَا، قَالَهُ اللَّيْثُ، يُقَالُ: فَاحَتِ الْقِدْرُ تَفِيحُ إِذَا غَلَتْ، وَفَاحَتِ الشَّجَّةُ نَفَحَتْ بِالدَّمِ، قَالَ ابْنُ فَارِسٍ: وَهُوَ مَصْدَرُ فَاحَ وَأَصْلُهُ الْوَاوُ، وَيَحْتَمِلُ -كَمَا قَالَ الْخَطَّابِيُّ- أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِهِ الْمَثَلَ، فَشَبَّهَهُ بِحَرِّ جَهَنَّمَ، يُحَذِّرُهُمْ حَرَّهُ كَمَا يُحَذَّرُونَ فَيْحَ جَهَنَّمَ، فَاحْذَرُوا حَرَّ الظَّهِيرَةِ وَأَذَاهَا. الْحَدِيثُ الثَّانِي: حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "أَبْرِدُوا بِالصَّلَاةِ، فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ" وَسَلَفَ أَيْضًا فِي الصَّلَاةِ. الْحَدِيثُ الثَّالِثُ: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "اشْتَكَتِ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا فَقَالَتْ: رَبِّ أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا.. " الْحَدِيثَ، سَلَفَ فِي الصَّلَاةِ أَيْضًا، وَهُوَ دَالٌّ عَلَى أَنَّهُ يَخْلُقُ فِيهَا إِدْرَاكًا، وَقِيلَ: إِنَّ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ أَسْمَعُ الْمَخْلُوقَاتِ، وَإِنَّ الْجَنَّةَ إِذَا سَأَلَهَا عَبْدٌ أَمَّنَتْ عَلَى دُعَائِهِ، وَالنَّارَ إِذَا اسْتَجَارَ مِنْهَا أَحَدٌ أَمَّنَتْ عَلَى دُعَائِهِ، وَالنَّارُ هَهُنَا هِيَ جَهَنَّمُ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ النَّارَ نَفْسَهَا; لِأَنَّهُ ذَكَرَ أَنَّ فِيهَا الزَّمْهَرِيرَ، وَهُوَ: الْبَرْدُ، وَالضِّدَّانِ لَا يَجْتَمِعَانِ، وَجَهَنَّمُ تَشْتَمِلُ عَلَى النَّارِ وَالزَّمْهَرِيرِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ الْعَذَابِ، أَجَارَنَا اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ بِفَضْلِهِ وَمِنَّتِهِ. الْحَدِيثُ الرَّابِعُ: حَدِيثُ أَبِي جَمْرَةَ الضُّبَعِيِّ -بِالْجِيمِ- قَالَ: كُنْتُ أُجَالِسُ ابْنَ عَبَّاسٍ بِمَكَّةَ، فَأَخَذَتْنِي الْحُمَّى، فَقَالَ: أَبْرِدْهَا عَنْكَ بِمَاءِ زَمْزَمَ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: "الْحُمَّى مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ، فَأَبْرِدُوهَا بِالْمَاءِ" أَوْ قَالَ: "بِمَاءِ زَمْزَمَ" وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ فِي الطِّبِّ. الْحَدِيثُ الْخَامِسُ: حَدِيثُ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ سَمِعَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: "الْحُمَّى مِنْ فَوْرِ جَهَنَّمَ فَأَبْرِدُوهَا عَنْكُمْ بِالْمَاءِ" وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا وَكَذَا مَا بَعْدَهُ. الْحَدِيثُ السَّادِسُ: حَدِيثُ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: "الْحُمَّى مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ، فَابْرِدُوهَا بِالْمَاءِ". الْحَدِيثُ السَّابِعُ: حَدِيثُ ابْنُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - مَرْفُوعًا بِمِثْلِهِ. وَقَدْ سَلَفَ جَمِيعُ ذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ. وَقَوْلُهُ: ("فَأَبْرِدُوهَا بِالْمَاءِ") تُقْرَأُ فَابْرُدُوهَا بِوَصْلِ الْأَلِفِ وَضَمِّ الرَّاءِ; لِأَنَّهُ ثُلَاثِيٌّ مِنْ بَرَدَ الْمَاءُ حَرَارَةَ جَوْفِي مَبْرَدَهَا، بِخِلَافِ قَوْلِهِ: "أَبْرِدُوا بِالصَّلَاةِ" لِأَنَّ مَعْنَى ذَاكَ: ادْخُلُوا فِي وَقْتِ الْإِبْرَادِ، مِثْلُ: أَظْلَمَ دَخَلَ فِي الظَّلَامِ، وَأَمْسَى دَخَلَ فِي الْمَسَاءِ، وَكَذَا ذَكَرَهُ ثَعْلَبٌ فِي "فَصِيحِهِ" أَنَّ هَمْزَتَهُ هَمْزَةُ وَصْلٍ، وَذَكَرَ ابْنُ (التَّيَّانِيِّ) أَنَّ فِي "مُخْتَصَرِ الْجَمْهَرَةِ": بَرَدَتُ الشَّيْءَ بَرَّدْتُهُ بِالتَّشْدِيدِ، وَجَاءَ فِي الشِّعْرِ أَبْرَدْتُهُ: صَيَّرَتْهُ بَارِدًا. وَفِي "الْوَاعِي" زَعَمَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ أَنَّهُ يَقُولُ: بَرَّدْتُ الْمَاءَ مِنَ الْإِبْرَادِ وَبَرَدْتُهُ مِنَ الْإِسْخَانِ، قَالَ: وَهُوَ مِنَ الْأَضْدَادِ، وَزَعَمَ ابْنُ سِيدَهْ فِي "الْمُخَصَّصِ" أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ قَالَهُ قُطْرُبٌ وَرُدَّ عَلَيْهِ. وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: يُقَالُ أَيْضًا بِهَمْزَةِ قَطْعٍ وَرَاءٍ مَكْسُورَةٍ، وَهِيَ لُغَةٌ رَدِيئَةٌ، وَقَوْلُهُ: "فَأَطْفِئُوهَا" هُوَ مَهْمُوزٌ رُبَاعِيٌّ. فَصْلٌ: قَوْلُهُ: "فَابْرِدُوهَا بِالْمَاءِ" أَوْ"بِمَاءِ زَمْزَمَ" شَكَّ هَمَّامٌ. وَرَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ الْأَصْبَهَانِيُّ فِي كِتَابِ "الطِّبِّ" مِنْ حَدِيثِ عَفَّانَ بْنِ مُسْلِمٍ، ثَنَا هَمَّامٌ .. فَذَكَرَهُ مِنْ غَيْرِ شَكٍّ وَلَا تَرَدُّدٍ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي "صَحِيحِهِ" وَرَوَى أَبُو نُعَيْمٍ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ حُذَيْفَةَ، عَنْ عَمَّتِهِ فَاطِمَةَ، قَالَتْ: عُدْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (وَقَدْ حُمَّ) فَأَمَرَ بِسِقَاءٍ يُعَلَّقُ عَلَى شَجَرَةٍ، ثُمَّ اضْطَجَعَ بِجَنْبِهِ فَجَعَلَ يُقَطِّرُ الْمَاءَ عَلَى فُؤَادِهِ، فَقُلْتُ: ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَكْشِفَ عَنْكَ، فَقَالَ: "إِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ بَلَاءً الْأَنْبِيَاءُ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ". وَعَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ، سَمِعْتُ أُسَامَةَ يَقُولُ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "ائْتِنِي فِي وَجْهِ الصُّبْحِ بِمَاءٍ أَصُبُّهُ عَلَيَّ لَعَلِّي أَجِدُ خُفًّا فَأَخْرُجُ إِلَى الصَّلَاةِ" قَالَ نَافِعٌ: وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ يَقُولُ: اكْشِفْ عَنِّي الرِّجْزَ. وَفِي حَدِيثِ أَسْمَاءَ كَانَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - يَأْمُرُنَا أَنْ نَبْرُدَهَا بِالْمَاءِ، وَكَانَتْ إِذَا أُتِيَتْ بِالْمَرْأَةِ قَدْ حُمَّتْ أَخَذَتِ الْمَاءَ فَصَبَّتْهُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ جَنْبِهَا، قَالَ أَبُو عُمَرَ: مَنْ فَعَلَ هَذَا وَكَانَ مَعَهُ يَقِينٌ صَادِقٌ رَجَوْتُ لَهُ الشِّفَاءَ، وَرُوِّينَا فِي (خَبَرِ) الْأَنْصَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ الْحَسَنِ الْمَكِّيِّ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ سَمُرَةَ مَرْفُوعًا: "الْحُمَّى قِطْعَةٌ مِنَ النَّارِ فَأَبْرِدُوهَا عَنْكُمْ بِالْمَاءِ الْبَارِدِ" وَكَانَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - إِذَا حُمَّ دَعَا بِقِرْبَةٍ مِنْ مَاءٍ فَأَفْرَغَهَا عَلَى قَرْنِهِ فَاغْتَسَلَ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ. وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ الْحَسَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مَرْفُوعًا: "الْحُمَّى كِيرٌ مِنْ كِيرِ جَهَنَّمَ، فَنَحُّوهَا عَنْكُمْ بِالْمَاءِ الْبَارِدِ" وَرَوَى الطَّحَاوِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ مَرْفُوعًا: "إِذَا حُمَّ أَحَدُكُمْ فَلْيَشُنَّ عَلَيْهِ الْمَاءَ الْبَارِدَ مِنَ السَّحَرِ ثَلَاثًا" وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ. وَرَوَى قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ خَالِدٍ بِنْتِ سَعْدٍ: كَانَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - يَأْمُرُنَا إِذَا حُمَّ الزُّبَيْرُ أَنْ نُبَرِّدَ الْمَاءَ، ثُمَّ نَصُبَّهُ عَلَيْهِ. فَصْلٌ: اعْتَرَضَ بَعْضُ سُخَفَاءِ الْأَطِبَّاءِ عَلَى الْحَدِيثِ بِقَوْلِهِ: اسْتِعْمَالُ الْمَحْمُومِ الِاغْتِسَالَ بِالْمَاءِ خَطَرٌ يُقَرِّبُ مِنَ الْهَلَاكِ; لِأَنَّهُ يَجْمَعُ الْمَثَامَّ وَيَحْقِنُ الْبُخَارَ وَيَعْكِسُ الْحَرَارَةَ لِدَاخِلِ الْجِسْمِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا لِلتَّلَفِ. وَجَوَابُهُ: أَنَّ هَذَا صَدَرَ عَنْ مُرْتَابٍ فِي صِدْقِ نَبِيِّنَا. فَيُقَالُ لَهُ: تَفَهَّمْ مُرَادَهُ مِنْ هَذَا الْكَلَامِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَنُصَّ عَلَى كَيْفِيَّةِ تَبْرِيدِ الْحُمَّى بِالْمَاءِ، وَإِنَّمَا أَرْشَدَ إِلَى تَبْرِيدِهَا بِهِ مُطْلَقًا، فَإِنْ أَظْهَرَ الْوُجُودُ أَوْ صِنَاعَةُ الطِّبِّ أَنْ غَمَسَ الْمَحْمُومِ فِي الْمَاءِ أَوْ صَبَّهُ إِيَّاهُ عَلَى جَمِيعِ بَدَنِهِ يَضُرُّهُ فَلَيْسَ هُوَ الَّذِي قَصَدَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَإِنَّمَا قَصَدَ اسْتِعْمَالَ الْمَاءِ عَلَى وَجْهٍ يَنْفَعُ، فَيُبْحَثُ عَنْ ذَلِكَ الْوَجْهِ، وَتُجَرَّبُ الْوُجُوهُ الَّتِي لَا ضَرَرَ فِيهَا، فَإِنَّهُ سَيَظْهَرُ نَفْعُهُ قَطْعًا، وَقَدْ ظَهَرَ هَذَا الْمَعْنَى فِي أَمْرِهِ الْعَائِنَ بِالْغَسْلِ، فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ قَدْ أَمَرَهُ أَنْ يَغْتَسِلَ مُطْلَقًا، فَلَمْ يَكُنْ مَقْصُودُهُ أَنْ يَغْسِلَ جَمِيعَ جَسَدِهِ بَلْ بَعْضَهُ. وَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا: فَلَا يَبْعُدُ أَنَّ مَقْصُودَهُ أَنْ يُرَشَّ عَلَى بَعْضِ جَسَدِ الْمَحْمُومِ، أَوْ يُفْعَلَ كَمَا ذَكَرْنَا عَنْ أَسْمَاءَ، فَيَكُونُ مِنْ بَابِ النَّشْرَةِ الْجَائِزَةِ، وَلَئِنْ سَلَّمْنَا أَنَّهُ أَرَادَ جَمِيعَ جَسَدِ الْمَحْمُومِ، فَيُجَابُ بِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ يُرِيدُ بِذَلِكَ (بَعْضَ) قِلَاعِهَا عَنْهُ، وَفِي وَقْتٍ مَخْصُوصٍ وَبِعَدَدٍ مَخْصُوصٍ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مِنْ بَابِ: الْخَوَاصِّ الَّتِي أَطْلَعَ عَلَيْهَا، كَمَا رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا شَكَى إِلَيْهِ الْحُمَّى، فَقَالَ: "اغْتَسِلْ ثَلَاثًا قُبَيْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَقُلْ: بِسْمِ اللَّهِ اذْهَبِي يَا أُمَّ مِلْدَمٍ، فَإِنْ لَمْ تَذْهَبْ فَتَغْتَسِلُ سَبْعًا". وَفِي التِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ ثَوْبَانَ مَرْفُوعًا: "إِذَا أَصَابَ أَحَدَكُمُ الْحُمَّى -وَهِيَ قِطْعَةٌ مِنَ النَّارِ- فَلْيُطْفِئْهَا عَنْهُ بِالْمَاءِ يَسْتَنْقِعُ فِي نَهَرٍ جَارٍ، وَلْيَسْتَقْبِلْ جَرْيَتَهُ وَيَقُولَ: بِسْمِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ اشْفِ عَبْدَكَ وَصَدِّقْ رَسُولَكَ، بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَلْيُغْمَسْ فِيهِ ثَلَاثَ غَمَسَاتٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَإِنْ لَمْ يَبْرَأْ فِي ثَلَاثٍ فَخَمْسٍ وَإِلَّا فَسَبْعٍ، فَإِنَّهَا لَا تَكَادُ تُجَاوِزُ تِسْعًا بِإِذْنِ اللَّهِ". قَالَ: غَرِيبٌ بِسَبَبِ سَعِيدٍ الْمَذْكُورِ فِي إِسْنَادِهِ، وَهَذَا (أَبُو) زُرْعَةَ كَمَا ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ فِي "ثِقَاتِهِ" وَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ مِنْ بَابِ الطِّبِّ، وَمِنَ الْأَطِبَّاءِ سَلَّمُوا أَنَّ الْحُمَّى الصَّفْرَاوِيَّةَ يُدَبَّرُ صَاحِبُهَا بِسَقْيِ الْمَاءِ الشَّدِيدِ الْبُرُودَةِ حَتَّى يُعَالِجُوهُ وَبِسَقْيِ الثَّلْجِ، وَتُغْسَلَ أَطْرَافُهُ بِالْمَاءِ الْبَارِدِ، فَعَلَى هَذَا لَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْمَقْصُودَ بِالْحَدِيثِ; لِأَجْلِ الْحُمَّيَاتِ الْمُتَوَلِّدَةِ مِنَ الْبَلْغَمِ. نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ الْقُرْطُبِيِّ. وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: إِنْ قُلْتَ: فَنَحْنُ نَجِدُ عُلَمَاءَ الطِّبِّ يَمْنَعُونَ مِنِ اغْتِسَالِ الْمَحْمُومِ وَيَقُولُونَ: لَا يَجُوزُ مُقَابَلَةُ الْأَشْيَاءِ إِلَّا بِضِدِّهَا بَغْتَةً، وَالشَّارِعُ لَا يَقُولُ إِلَّا حَقًّا، وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ بَعْضِ مَنْ يُنْسَبُ إِلَى الْعِلْمِ أَنَّهُ حُمَّ فَاغْتَسَلَ فَاحْتَقَنَتِ الْحَرَارَةُ فِي بَدَنِهِ فَزَادَ مَرَضُهُ، وَأَخْرَجَهُ ذَلِكَ إِلَى التَّلَفِ. فَيُجَابُ: أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمَّا خَاطَبَ بِهَذَا قَوْمًا كَانُوا يَعْتَادُونَ مِثْلَ هَذَا فِي تِلْكَ الْأَرْضِ. قُلْتُ: وَفِيهِ تَأْوِيلٌ آخَرُ ذَكَرَ أَبُو سُلَيْمَانَ أَنَّ ابْنَ الْأَنْبَارِيِّ كَانَ يَقُولُ: مَعْنَاهُ: تَصَدَّقُوا بِالْمَاءِ عَنِ الْمَرِيضِ، يَشْفِيهِ اللَّهُ; لِمَا رُوِيَ أَنَّ أَفْضَلَ الصَّدَقَةِ سَقْيُ الْمَاءِ. وَذَهَبَ ابْنُ حِبَّانَ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ خَاصٌّ بِمَاءِ زَمْزَمَ. فَائِدَةٌ: رَوَى أَبُو بَكْرٍ الْوَاسِطِيُّ فِي "فَضَائِلِ الْقُدْسِ" مِنْ حَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ أَنَّهُ رُئِيَ يَبْكِي عِنْدَ سُورِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ الشَّرْقِيِّ، فَقِيلَ: مَا يُبْكِيكَ؟ فَقَالَ: مِنْ هُنَا أَخْبَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ أُتِيَ بِجَهَنَّمَ، وَفِي لَفْظٍ: "هَذَا وَادِي جَهَنَّمَ". وَفِي لَفْظٍ: مِنْ هُنَا خُبِّرْنَا أَنَّهُ رَأَى مَلَكًا يُقَلِّبُ جَمْرًا كَالثَّلْعَةِ. الْحَدِيثُ الثَّامِنُ: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: "نَارُكُمْ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ ". قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنْ كَانَتْ لِكَافِيَةً. قَالَ: "فُضِّلَتْ عَلَيْهِنَّ بِتِسْعَةٍ وَسِتِّينَ جُزْءًا كُلُّهُنَّ مِثْلُ حَرِّهَا". الشَّرْحُ: هَذَا الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ أَيْضًا، وَرُوِيَ مِنْ غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ، رَوَى ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ مَرْفُوعًا: "نَارُكُمْ هَذِهِ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ، وَلَوْلَا أَنَّهَا أُطْفِئَتْ بِالْمَاءِ مَرَّتَيْنِ مَا انْتَفَعْتُمْ بِهَا، وَإِنَّهَا لَتَدْعُو اللَّهَ -عَزَّ وَجَلَّ- أَنْ لَا يُعِيدَهَا فِيهَا". وَذَكَرَهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ فِي "جَامِعِهِ" مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِنَحْوِهِ، وَلِابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: "هَذِهِ النَّارُ قَدْ ضُرِبَ بِهَا الْبَحْرُ سَبْعَ مَرَّاتٍ، وَلَوْلَا ذَلِكَ مَا انْتَفَعَ بِهَا أَحَدٌ" وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "ضُرِبَ بِهَا الْبَحْرُ عَشْرَ مَرَّاتٍ". وَسُئِلَ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - عَنْ نَارِ الدُّنْيَا مِمَّ خُلِقَتْ؟ قَالَ: مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ غَيْرَ أَنَّهَا طُفِّئَتْ بِالْمَاءِ سَبْعِينَ مَرَّةً، وَلَوْلَا ذَلِكَ مَا قُرِبَتْ; لِأَنَّهَا مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ. وَلِلتِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا: "نَارُكُمْ هَذِهِ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ لِكُلِّ جُزْءٍ مِنْهَا حَرُّهَا". فَصْلٌ: الْمَعْنَى أَنَّهُ لَوْ جُمِعَ النَّارُ الَّتِي يُوقِدُهَا الْآدَمِيُّونَ لَكَانَتْ جُزْءًا مِنْ أَجْزَاءِ جَهَنَّمَ الْمَذْكُورَةِ. بَيَانُهُ: أَنَّهُ لَوْ جُمِعَ حَطَبُ الدُّنْيَا، وَأُوقِدَ كُلُّهُ حَتَّى صَارَ نَارًا لَكَانَ الْجُزْءُ الْوَاحِدُ مِنْ أَجْزَاءِ نَارِ جَهَنَّمَ الَّذِي هُوَ سَبْعُونَ جُزْءًا أَشَدَّ مِنْهُ. وَقَوْلُهُمْ: (وَإِنْ كَانَتْ لَكَافِيَةً) هِيَ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ عِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ، وَهَذِهِ اللَّامُ هِيَ الْمُفَرِّقَةُ بَيْنَ (إِنِ) النَّافِيَةِ وَالْمُخَفَّفَةِ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وَهِيَ عِنْدَ الْكُوفِيِّينَ بِمَعْنَى (مَا) وَاللَّامُ بِمَعْنَى (إِلَّا) تَقْدِيرُهُ عِنْدَهُمْ: مَا كَانَتْ إِلَّا كَافِيَةً، وَعِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ: إِنَّهَا كَافِيَةٌ. فَأَجَابَهُمْ بِأَنَّهَا كَمَا فُضِّلَتْ عَلَيْهَا فِي الْمِقْدَارِ وَالْعَدَدِ بِتِسْعَةٍ وَسِتِّينَ جُزْءًا فُضِّلَتْ عَلَيْهَا فِي الْحَرِّ بِتِسْعَةٍ وَسِتِّينَ (...). فَصْلٌ: رَوَى ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ قَالَ: لَمَّا خُلِقَتِ النَّارُ فَزِعَتِ الْمَلَائِكَةُ وَطَارَتْ أَفْئِدَتُهُمْ، فَلَمَّا خُلِقَ آدَمُ سَكَنَ ذَلِكَ عَنْهُمْ وَقَالَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ: لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ جَهَنَّمَ أَمَرَهَا زَفَرَتْ زَفْرَةً فَلَمْ يَبْقَ فِي السَّمَوَاتِ السَّبْعِ مَلَكٌ إِلَّا خَرَّ عَلَى وَجْهِهِ، فَقَالَ لَهُمُ الرَّبُّ: ارْفَعُوا رُءُوسَكُمْ، أَمَا عَلِمْتُمْ أَنِّي خَلَقْتُكُمْ لِلطَّاعَةِ، وَهَذِهِ خَلَقْتُهَا لِأَهْلِ الْمَعْصِيَةِ؟ فَقَالُوا: رَبَّنَا لَا نَأْمَنُكَ حَتَّى نَرَى أَهْلَهَا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ [الْأَنْبِيَاءِ: 28]. وَلِلتِّرْمِذِيِّ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - صَحِيحًا: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ قَوْلِهِ -عَزَّ وَجَلَّ- وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [الزُّمَرِ: 67] قُلْتُ: فَأَيْنَ النَّاسُ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: "عَلَى جِسْرِ جَهَنَّمَ". وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو مَرْفُوعًا: "إِنَّ تَحْتَ الْبَحْرِ نَارًا وَتَحْتَ النَّارِ بَحْرًا" حَتَّى عَدَّ سَبْعَةَ أَبْحُرٍ، وَسَبْعَةَ أَنْيَارٍ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: الْبَحْرُ طَبَقُ جَهَنَّمَ. ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَضَعَّفَهُ. وَفِي "تَفْسِيرِ ابْنِ النَّقِيبِ" فِي قَوْلِهِ تَعَالَى يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ [إِبْرَاهِيمَ: 48] تُجْعَلُ الْأَرْضُ جَهَنَّمَ، وَتُجْعَلُ السَّمَوَاتُ الْجَنَّةَ. وَلِلتِّرْمِذِيِّ: "أُوقِدَ عَلَى النَّارِ أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى اسْوَدَّتْ، فَهِيَ سَوْدَاءُ مُظْلِمَةٌ" زَادَ ابْنُ الْمُبَارَكِ "وَأَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى احْمَرَّتْ" وَعَنْ سُلَيْمَانَ: لَا يَفْنَى لَهِيبُهَا وَلَا جَمْرُهَا، ثُمَّ قَرَأَ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَفِي الْبَيْهَقِيِّ فِي "بَعْثِهِ" بِإِسْنَادٍ فِيهِ جَهَالَةٌ، وَسَمَّاهُ أَبُو عَاصِمٍ فِي رِوَايَتِهِ مُحَمَّدَ بْنَ حُيَيٍّ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَعْلَى، عَنْ يَعْلَى مَرْفُوعًا: "الْبَحْرُ هُوَ جَهَنَّمُ" وَمِنْ حَدِيثِ الْعَرْزَمِيِّ عَنْ أَبِي الزَّعْرَاءِ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: الْجَنَّةُ فِي السَّمَاءِ السَّابِعَةِ، وَالنَّارُ فِي الْأَرْضِ السَّابِعَةِ. الْحَدِيثُ التَّاسِعُ: حَدِيثُ صَفْوَانَ بْنِ يَعْلَى، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقْرَأُ عَلَى الْمِنْبَرِ وَنَادَوْا يَا مَالِكُ [الزُّخْرُفِ: 77] هَذَا الْحَدِيثُ سَلَفَ قَرِيبًا، وَيَأْتِي فِي التَّفْسِيرِ. الْحَدِيثُ الْعَاشِرُ: حَدِيثُ سُفْيَانَ، هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ أُسَامَةَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: "يُجَاءُ بِالرَّجُلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُلْقَى فِي النَّارِ فَتَنْدَلِقُ أَقْتَابُهُ فِي النَّارِ.. " الْحَدِيثَ ثُمَّ قَالَ: رَوَاهُ غُنْدَرٌ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، وَهَذَا يَأْتِي فِي الْفِتَنِ مُسْنَدًا عَنْ بِشْرِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ غُنْدَرٍ، وَرَوَاهُ عَنِ الْأَعْمَشِ أَيْضًا: أَبُو مُعَاوِيَةَ وَجَرِيرٌ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي آخِرِ كِتَابِهِ عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى وَأَبِي بَكْرٍ وَابْنِ نُمَيْرٍ وَإِسْحَاقَ وَأَبِي كُرَيْبٍ جَمِيعِهِمْ عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ وَعَنْ عُثْمَانَ عَنْ جَرِيرٍ كِلَاهُمَا عَنِ الْأَعْمَشِ بِهِ. وَقَوْلُهُ فِي أَوَّلِهِ: (قِيلَ لِأُسَامَةَ: لَوْ أَتَيْتَ فُلَانًا فَكَلَّمْتَهُ) هُوَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ الْمُهَلَّبُ، وَأَرَادَ أَنْ يُكَلِّمَهُ فِي شَأْنِ أَخِيهِ لِأُمِّهِ الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ لَمَّا شَهِدَ عَلَيْهِ مِمَّا شَهِدَ، فَقِيلَ لِأُسَامَةَ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ كَانَ مِنْ خَوَاصِّ عُثْمَانَ، وَفِي نُسْخَةٍ: لَا أُكَلِّمُهُ إِلَّا بِسَمْعِكُمْ. وَفِي أُخْرَى: إِلَّا سَمْعَكُمْ. وَبِخَطِّ الدِّمْيَاطِيِّ: إِلَّا أُسْمِعُكُمْ. وَكُلُّهُ بِمَعْنَى: أَتَظُنُّونَ أَنِّي لَا أُكَلِّمُهُ إِلَّا وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ؟ فَقَالَ: قَدْ كَلَّمْتُهُ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَهُ. وَقَوْلُهُ: (إِنِّ لَأُكَلِّمُهُ فِي السِّرِّ) يَعْنِي: أَأُجَاهِرُ بِالْإِنْكَارِ عَلَى الْأُمَرَاءِ فِي الْمَلَأِ فَيَكُونُ بَابًا مِنَ الْقِيَامِ عَلَى أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، فَتَفْتَرِقُ الْكَلِمَةُ وَتَتَشَتَّتُ الْجَمَاعَةُ -كَمَا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ تَفْرِيقِ الْكَلِمَةِ مِنْ مُوَاجَهَةِ عُثْمَانَ بِالنَّكِيرِ. وَفِيهِ: الْأَدَبُ مَعَ الْأُمَرَاءِ وَاللُّطْفُ بِهِمْ وَوَعْظُهُمْ سِرًّا، وَتَبْلِيغُهُمْ قَوْلَ النَّاسِ فِيهِمْ; لِيَكُفُّوا عَنْهُ، وَهَذَا كُلُّهُ إِذَا أَمْكَنَ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنِ الْوَعْظُ سِرًّا فَلْيَفْعَلْهُ عَلَانِيَةً; لِئَلَّا يَضِيعَ الْحَقُّ كَمَا رَوَى طَارِقُ بْنُ شِهَابٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "أَفْضَلُ الْجِهَادِ كَلِمَةُ حَقٍّ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ" وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ. قَالَ الطَّبَرِيُّ: مَعْنَاهُ: إِذَا أَمِنَ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قِتْلٍ وَشِبْهِهِ، أَوْ أَنْ يَلْحَقَهُ مِنَ الْبَلَاءِ مَا لَا قِبَلَ لَهُ بِهِ. رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَحُذَيْفَةَ، وَهُوَ مَذْهَبُ أُسَامَةَ. وَرُوِيَ عَنْ مُطَرِّفٍ أَنَّهُ قَالَ: وَاللَّهِ لَمْ يَكُنْ لِي دِينٌ حِينَ أَقُومُ إِلَى رَجُلٍ مَعَهُ أَلْفُ سَيْفٍ فَأَنْبِذُ إِلَيْهِ كَلِمَةً فَيَقْتُلُنِي، إِنَّ دِينِي إِذًا لَضَيِّقٌ. وَقَالَ آخَرُونَ: الْوَاجِبُ عَلَى مَنْ رَأَى مُنْكَرًا مِنْ ذِي سُلْطَانٍ أَنْ يُنْكِرَهُ عَلَانِيَةً، وَكَيْفَ أَمْكَنَهُ. رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، احْتَجَّا بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: "مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ.." الْحَدِيثَ، وَبِقَوْلِهِ: "إِذَا هَابَتْ أُمَّتِي أَنْ تَقُولَ لِلظَّالِمِ يَا ظَالِمُ فَقَدْ تُوُدِّعَ مِنْهُمْ" ذَكَرَهُ الْبَزَّارُ مِنْ طَرِيقٍ مُنْقَطِعَةٍ. وَقَالَ آخَرُونَ: الْوَاجِبُ أَنْ يُنْكِرَ بِقَلْبِهِ بِحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ مَرْفُوعًا: "يُسْتَعْمَلُ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ بَعْدِي تَعْرِفُونَ وَتُنْكِرُونَ، فَمَنْ كَرِهَ فَقَدْ بَرِئَ، وَمَنْ أَنْكَرَ فَقَدْ سَلِمَ، وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ" قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَلَا يُقَاتَلُونَ؟ قَالَ: "لَا مَا صَلَّوْا". فَصْلٌ: مَعْنَى (تَنْدَلِقُ أَقْتَابُ بَطْنِهِ) أَيْ: تَنْصَبُّ أَمْعَاؤُهُ مِنْ بَطْنِهِ فَتَخْرُجُ مِنْ دُبُرِهِ، زَادَ الْقَزَّازُ: بِسُرْعَةٍ، وَاحِدُهَا: قِتْبٌ بِالْكَسْرِ، وَهِيَ مُؤَنَّثَةٌ، وَمِنْهُ: دَلَقَ السَّيْفُ وَانْدَلَقَ: إِذَا خَرَجَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُسَلَّ، وَتَصْغِيرُ الْقِتْبِ قُتَيْبَةٌ، وَبِهِ سُمِّيَ الرَّجُلُ قُتَيْبَةَ. وَانْدَلَقَ بِالدَّالِ غَيْرِ الْمُعْجَمَةِ. قَالَ الْهَرَوِيُّ: الْقِتْبُ: مَا يَحْوِي الْبَطْنُ، يَعْنِي: اسْتَدَارَ مِنَ الْحَوَايَا. فَائِدَةٌ: يَنْبَغِي لِمَنْ أَمَرَ بِمَعْرُوفٍ أَنْ يَكُونَ كَامِلَ الْخَيْرِ لَا وَصْمَ فِيهِ، وَقَدْ قَالَ شُعَيْبٌ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ [هُودَ: 88] إِلَّا أَنَّهُ يَجِبُ عِنْدَ الْجَمَاعَةِ أَنْ يَأْمُرَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ مَنْ يَفْعَلُ ذَيْنَكَ، حَتَّى قَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ النَّاسِ: يَجِبُ عَلَى مُتَعَاطِي الْكَأْسِ أَنْ يَنْهَى جَمَاعَةَ الْجُلَّاسِ. وَذُكِرَ عَنْ مُطَرِّفِ بْنِ الشَّخِّيرِ أَنَّهُ قَالَ: لَا يَعِظُ وَلَا يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ إِلَّا كَامِلٌ لَا وَصْمَ فِيهِ، وَهَذَا لَيْسَ بِجَيِّدٍ، وَهُوَ يُؤَدِّي إِلَى تَضْيِيعِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَلَعَلَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ لَا يُنْتَفَعُ بِوَعْظِهِ إِلَّا مَنْ هَذِهِ صِفَتُهُ أَوْ يَتَصَدَّى لِذَلِكَ. فَصْلٌ: رَوَى مُسْلِمٌ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا: "يُؤْتَى بِجَهَنَّمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَهَا سَبْعُونَ أَلْفَ زِمَامٍ، مَعَ كُلِّ زِمَامٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ يَجُرُّونَهَا" وَلِابْنِ وَهْبٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا: "فَبَيْنَمَا هُمْ يَجُرُّونَهَا إِذْ شَرَدَتْ عَلَيْهِمْ شَرْدَةً، فَلَوْلَا أَنَّهُمْ أَدْرَكُوهَا لَأَحْرَقَتْ مَنْ فِي الْجَمْعِ" وَفِي كَلَامِ الْغَزَالِيِّ: يُؤْتَى بِهَا تَمْشِي عَلَى أَرْبَعِ قَوَائِمَ تُقَادُ بِسَبْعِينَ أَلْفَ زِمَامٍ فِي كُلِّ زِمَامٍ سَبْعُونَ أَلْفَ حَلْقَةٍ، لَوْ جُمِعَ حَدِيدُ الدُّنْيَا مَا عَدَلَ مِنْهَا حَلْقَةً وَاحِدَةً، عَلَى كُلِّ حَلْقَةٍ سَبْعُونَ أَلْفَ زَبَانِيٍّ، فَإِذَا انْفَلَتَتْ لَمْ يَقْدِرْ أَحَدٌ عَلَى إِمْسَاكِهَا لِعِظَمِ شَأْنِهَا، فَيَجْثُو النَّاسُ عَلَى الرُّكَبِ، يَقُولُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ: نَفْسِي نَفْسِي، فَيُقِرُّهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأَمْرِ اللَّهِ، فَيَأْخُذُ بِخِطَامِهَا وَيَقُولُ لَهَا: "ارْجِعِي مَدْحُورَةً إِلَى خَلْفَكِ حَتَّى يَأْتِيَكِ أَفْوَاجُكِ" فَتَقُولُ: خَلِّ سَبِيلِي فَإِنَّكَ حَرَامٌ عَلَيَّ، فَيُنَادِي مُنَادٍ: اسْمَعِي وَأَطِيعِي لَهُ، ثُمَّ تُجْذَبُ وَتُجْعَلُ شَمَالَ الْعَرْشِ فَيَنْجَذِبُ أَهْلُ الْمَوْقِفِ بِجَذْبَتِهَا (فَيَخِفُّ وَجَلُهُمْ) فَذَلِكَ قَوْلُهُ: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ [الْأَنْبِيَاءِ: 107] وَهُنَاكَ يُنْصَبُ الْمِيزَانُ. وَفِي حَدِيثِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ هُدْبَةَ، عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا، فَذَكَرَ حَدِيثًا فِيهِ: "يَقُولُ اللَّهُ لَهَا تَكَلَّمِي، فَتَقُولُ: وَعِزَّتِكَ لَأَنْقِمَنَّ الْيَوْمَ مِمَّنْ أَكَلَ رِزْقَكَ وَعَبَدَ غَيْرَكَ". وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ الْغَنِيِّ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: "أَقْبَلَتِ النَّارُ يَرْكَبُ بَعْضُهَا بَعْضًا وَخَزَنَتُهَا يَكُفُّونَهَا، وَهِيَ تَقُولُ: وَعِزَّةِ رَبِّي لَيُخَلَّيَنَّ بَيْنِي وَبَيْنَ أَزْوَاجِي أَوْ لَأَغْشِيَنَّ النَّاسَ، يَقُولُونَ: مَنْ أَزْوَاجُكِ؟ فَتَقُولُ: كُلُّ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ". وَلِلتِّرْمِذِيِّ وَقَالَ: غَرِيبٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - مَرْفُوعًا: "لِجَهَنَّمَ سَبْعَةُ أَبْوَابٍ، بَابٌ مِنْهَا لِمَنْ سَلَّ سَيْفًا عَلَى أُمَّتِي" وَفِي الْقُرْطُبِيِّ: "بَيْنَ الْبَابِ وَالْبَابِ خَمْسُمِائَةِ عَامٍ، الْأَوَّلُ جَهَنَّمُ، وَالثَّانِي لَظَى، وَالثَّالِثُ سَقَرُ، وَالرَّابِعُ الْحُطَمَةُ، وَالْخَامِسُ الْجَحِيمُ، وَالسَّادِسُ السَّعِيرُ، وَالسَّابِعُ الْهَاوِيَةُ، عَلَى كُلِّ بَابٍ سَبْعُونَ أَلْفَ جَبَلٍ، فِي كُلِّ جَبَلٍ سَبْعُونَ أَلْفَ شِعْبٍ، فِي كُلِّ شِعْبٍ سَبْعُونَ أَلْفَ شِقٍّ، فِي كُلِّ شِقٍّ سَبْعُونَ أَلْفَ وَادٍ، فِي كُلِّ وَادٍ سَبْعُونَ أَلْفَ قَصْرٍ، فِي كُلِّ قَصْرٍ سَبْعُونَ أَلْفَ عَقْرَبٍ، فِي كُلِّ عَقْرَبٍ سَبْعُونَ أَلْفَ ذَنَبٍ، لِكُلِّ ذَنَبٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مِنْقَارٍ، لِكُلِّ مِنْقَارٍ سَبْعُونَ أَلْفَ قُلَّةٍ مِنْ سُمٍّ، فَإِذَا كَانَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كُشِفَ عَنْهَا الْغِطَاءُ، فَيَطِيرُ مِنْهَا سُرَادِقٌ مِنْ عَنْ يَمِينِ الثَّقَلَيْنِ وَآخَرُ عَنْ شِمَالِهِمْ، وَأَمَامَهُمْ وَخَلْفَهُمْ، فَإِذَا نَظَرَ الثَّقَلَانِ إِلَى ذَلِكَ جَثَوْا عَلَى رُكَبِهِمْ".

                                                                                                                                                                                                                              ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية