الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                              جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                              صحيح البخاري 3432 3631 - حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ عَبَّاسٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرٍ- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: " هَلْ لَكُمْ مِنْ أَنْمَاطٍ؟". قُلْتُ: وَأَنَّى يَكُونُ لَنَا الْأَنْمَاطُ؟ قَالَ: "أَمَا إِنَّهُ سَيَكُونُ لَكُمُ الْأَنْمَاطُ". فَأَنَا أَقُولُ لَهَا-يَعْنِي امْرَأَتَهُ- أَخِّرِي عَنِّي أَنْمَاطَكِ. فَتَقُولُ: أَلَمْ يَقُلِ النَّبِيُّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "إِنَّهَا سَتَكُونُ لَكُمُ الْأَنْمَاطُ". فَأَدَعُهَا. [5161- مُسْلِمٍ: 2083- فَتْحَ: 6 \ 629] التوضيح ذَكَرَ فِيهِ عِدَّةَ أَحَادِيثَ يُخْرِجُ مِنْهَا جُمْلَةً وَذَكَرَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ فِيمَا ذَكَرَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي "الْمَدْخَلِ إِلَى دَلَائِلِهِ" أَنَّهَا تَبْلُغُ أَلْفًا. فَمِنْهَا: أَنَّ الْقُرْآنَ الَّذِي عَجَزَ الْفُقَهَاءُ عَنْ تَحَدِّيهِ، وَأَخَذَ الْعُلَمَاءُ مِنْهُ عَلَى إِيجَازِهِ مِنَ الْعُلُومِ وَالْمَعَانِي يَزِيدُ عَلَى أَلْفِ مُجَلَّدَةٍ. وَمِنْهَا: مَا هُوَ مَكْتُوبٌ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ ذِكْرِهِ وَنَعْتِهِ. وَمِنْهَا: مَا حَدَثَ بَيْنَ يَدَيْ أَيَّامِ مَوْلِدِهِ وَمَبْعَثِهِ إِلَى الْأُمُورِ الْغَرِيبَةِ كَأَمْرِ الْفِيلِ. وَمِنْهَا: خُمُودُ نَارِ فَارِسٍ، وَسُقُوطُ شُرُفَاتِ إِيوَانِ كِسْرَى، وَغِيضَ مَاءُ بُحَيْرَةِ سَاوَهْ، وَرُؤْيَا الْمُوبَذَانِ، وَغَيْرُ ذَلِكَ. وَمِنْهَا: مَا سَمِعُوهُ مِنَ الْهَوَاتِفِ الصَّارِخَةِ بِنُعُوتِهِ وَأَوْصَافِهِ وَالرُّمُوزِ الْمُتَضَمَّنَةِ لِبَيَانِ شَأْنِهِ، وَمَا وَجَدَ مِنَ الْكَهَنَةِ وَالْجِنِّ فِي تَصْدِيقِهِ، وَإِشَارَتِهِمْ عَلَى أَوْلِيَائِهِمْ مِنَ الْإِنْسِ بِالْإِيمَانِ بِهِ. وَمِنْهَا: انْتِكَاسُ الْأَصْنَامِ الْمَعْبُودَةِ وَخُرُورُهَا لِوُجُوهِهَا وَغَيْرُ ذَلِكَ، ثُمَّ إِنَّ لَهُ مِنْ وَرَاءِ هَذِهِ الْآيَاتِ: انْشِقَاقَ الْقَمَرِ، وَحَنِينَ الْجِذْعِ، وَإِجَابَةَ الشَّجَرَةِ إِيَّاهُ حِينَ دَعَاهَا، وَشَهَادَةَ الذِّئْبِ وَالضَّبِّ وَالرَّضِيعِ وَالْمَيِّتِ لَهُ بِالرِّسَالَةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي كُتُبِهِ. وَحَاصِلُ مَا ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْبَابِ زِيَادَةُ عَلَى خَمْسِينَ حَدِيثًا. أَحَدُهَا: حَدِيثُ: سَلْمِ بْنِ زَرِيرٍ، سَمِعْتُ أَبَا رَجَاءٍ، ثَنَا عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ فِي نَوْمِهِ- عَلَيْهِ السَّلَامُ- فِي الْوَادِي. وَقَدْ سَلَفَ فِي التَّيَمُّمِ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا. وَفِيهِ: أَنَّ الَّذِي كَبَّرَ وَرَفَعَ صَوْتَهُ عُمَرُ لَا أَبُو بَكْرٍ، كَمَا وَقَعَ هُنَا، وَكَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي التَّيَمُّمِ، وَمُسْلِمٌ فِي الصَّلَاةِ مِنْ حَدِيثِ عَوْفٍ الْأَعْرَابِيِّ، عَنْ أَبِي رَجَاءٍ عَنْ عِمْرَانَ أَنَّ عُمْرَ كَانَ رَجُلًا جَلِيدًا فَكَبَّرَ وَرَفَعَ صَوْتَهُ بِالتَّكْبِيرِ حَتَّى اسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَارْتَحَلُوا غَيْرَ بَعِيدٍ، ثُمَّ نَزَلَ. وَأَبُو رَجَاءٍ هُوَ الْعُطَارِدِيُّ عِمْرَانُ بْنُ تَمِيمٍ، وَقِيلَ: ابْنُ مِلْحَانَ، أَصْلُهُ مِنَ الْيَمَنِ، أَسْلَمَ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ، وَلَمْ يَرَ رَسُولَ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَقِيلَ: إِنَّهُ عَاشَ مِائَةً وَعِشْرِينَ سَنَةً. وَسَلْمُ بْنُ زَرِيرٍ بِفَتْحِ السِّينِ وَالزَّايِ. وَقَوْلُهُ: (فَأَدْلَجُوا) هُوَ رُبَاعِيٌّ سَاكِنُ الدَّالِ، يُقَالُ: أَدْلَجَ إِذَا قَطَعُوا اللَّيْلَ كُلَّهُ سَيْرًا وَارْتَجُّوا-بِالتَّشْدِيدِ- سَارُوا مِنْ آخِرِهِ. وَقَوْلُهُ: (حَتَّى إِذَا كَانَ وَجْهُ الصُّبْحِ عَرَسُوا) قَالَ ابْنُ فَارِسٍ: التَّعْرِيسُ نُزُولُ الْقَوْمِ فِي السَّفَرِ مِنْ آخَرِ اللَّيْلِ يَقَعُونَ فِيهِ وَقْعَةً ثُمَّ يَرْتَحِلُونَ. وَقِيلَ: أَكْثَرُ مَا يَكُونُ آخِرَ اللَّيْلِ. وَقَوْلُهُ: (وَكَانَ لَا يُوقِظُ مِنْ مَنَامِهِ) إِنَّمَا ذَلِكَ; لَمَّا خَشِيَ أَنْ يَقْطَعَ مَا يَأْتِيهِ مِنَ الْوَحْيِ. وَفِي رِوَايَةٍ: لِأَنَّ رُؤْيَاهُمْ وَحْيٌّ. وَقَوْلُهُ: (فَجَعَلَ يُكَبِّرُ وَيَرْفَعُ صَوْتَهُ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ مِنْ فِعْلِ أَبِي بَكْرٍ. قَالَ الدَّاوُدِيُّ: فِيهِ مَا كَانَ عُمْرُ عَلَيْهِ مِنْ صَلَابَةِ الدِّينِ، وَهُوَ مَاشٍ عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي أَسْلَفْنَاهَا عَنْ بَابِ التَّيَمُّمِ. وَقَوْلُهُ: (فَاعْتَزَلَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ لَمْ يُصَلِّ مَعَنَا فَأَمَرَهُ أَنْ يَتَيَمَّمَ بِالصَّعِيدِ ثُمَّ صَلَّى، وَجَعَلَنِي رَسُولُ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي رَكُوبٍ بَيْنَ يَدَيْهِ) فِي حَدِيثِ سَلْمِ بْنِ زَرِيرٍ فِي مُسْلِمٍ: (عَجَّلَنِي فِي رَكْبٍ بَيْنَ يَدَيْهِ نَطْلُبُ الْمَاءَ فَعَطِشْنَا عَطَشًا شَدِيدًا) وَهُوَ بِمَعْنَاهُ، وَرَكُوبٌ: جَمْعُ رَاكِبٍ أَيْ فِي الْإِبِلِ الَّتِي تَحْمِلُ الزَّادَ وَغَيْرَهُ. وَقَوْلُهُ: (سَادِلَةً رِجْلَيْهَا) أَيْ مُرْسِلَتَهُمَا. وَقَوْلُهُ: (بَيْنَ مَزَادَتَيْنِ) هُمَا مَا يُحْمَلُ فِيهِمَا الْمَاءُ. وَقَوْلُهُ: (إِنَّهَا مُؤْتِمَةٌ) أَيْ: ذَاتُ أَيْتَامٍ، ذَكَرَتْ ذَلِكَ لِيُعْطُوهَا وَيُوَاسُوهَا، وَكَذَلِكَ فَعَلَ- عَلَيْهِ السَّلَامُ- وَقِيلَ: أَعْطُوهَا ذَلِكَ عِوَضًا عَنْ مَائِهَا. وَقَوْلُهُ: (فَمَسَحَ فِي الْعَزْلَاوَيْنِ) مُسْتَخْرَجُ مَائِهَا أَوْ عُرْوَةُ الْمَزَادِ. وَالْإِدَاوَةُ: شَيْءٌ يُعْمَلُ مِنْ جُلُودٍ يَسْتَصْحِبُهُ الْمُسَافِرُ. وَقَوْلُهُ: (غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ نَسُقْ بَعِيرًا وَاحِدًا) أَيْ: لِأَنَّهَا تَصْبِرُ عَنِ الْمَاءِ. وَفِيهِ: أَنَّهُ يُسَارُ بِالْمَرْءِ كُرْهًا لِصَلَاحِ الْعَامَّةِ. وَقَوْلُهُ: (وَهِيَ تَكَادُ تَنِضُّ مِنَ الْمَلْءِ) يُقَالُ: نَضَّ الْمَاءُ يَنِضُّ: سَالَ. وَنَصَّ بِالصَّادِّ غَيْرِ مُعْجَمَةٍ أَيْضًا، وَنَضَّ الْمَاءُ أَيْضًا جَرَى قَلِيلًا قَلِيلًا بِالنُّونِ، وَفِي مُسْلِمٍ: يَنْضَرِجُ - وَصُوِّبَ- أَيْ: يَنْشَقُّ، وَالِانْضِرَاجُ: الِانْشِقَاقُ، وَضَرَجَةً: شَقَّةً، وَفَسَّرَ ابْنُ التِّينِ يَنِضُّ: يَنْشَقُّ لِيَخْرُجَ مِنْهُ الْمَاءُ، يُقَالُ نَضَّ الْمَاءُ مِنَ الْعَيْنِ إِذَا نَبَعَ وَكَذَلِكَ نَضَّ الْعَرَقُ، كَذَا فَسَّرَ الْخَطَّابِيُّ قَالَ: وَأَمَّا الْبَضُّ بِالْبَاءِ فَمَعْنَاهُ الْمَطَرُ، وَذَكَرَ ابْنُ فَارِسٍ فِي بَابِ الْبَاءِ وَالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ: بَضَّ الْحَجَرُ إِذَا خَرَجَ مِنْهُ كَالْعَرَقِ، قَالَ: وَرُوِيَ يَبِضُّ بِضَادٍ مُعْجَمَةٍ، وَرُوِيَ: يَبِصُّ، وَحُكِيَ عَنِ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ هُوَ بِمَعْنَى يَنْشَقُّ، قَالَ: وَمِنْهُ: صِيرُ الْبَابُ: الشَّقُّ الَّذِي فِيهِ. وَهُنَا فِيهِ نَظَرٌ; لِأَنَّ صِيرَ عَيْنُهُ حَرْفُ عِلَّةٍ فَكَانَ يَلْزَمُ أَنْ يَقُولَ: يَنْصَرُ أَوْ يَنْصَوِرُ، وَهَذَا لَيْسَ رِوَايَةً. وَقَوْلُهُ: (فَهَدَى اللَّهُ ذَلِكَ الصَّرْمَ بِتِلْكَ الْمَرْأَةِ) الصَّرْمُ النُّزُولُ عَلَى مَاءٍ. وَفِيهِ: أَنَّ الْأَصْلَ فِي إِنَاءِ الْمُشْرِكِ الطَّهَارَةُ حَتَّى تَتَحَقَّقَ نَجَاسَتُهُ. وَفِيهِ: أَنَّ ضَرُورَةَ الْعَطَشِ تُبِيحُ مَا مَلَكَ مِنَ الْمِيَاهِ عَلَى عِوَضٍ، وَقِيلَ: وَبِدُونِهِ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَالطَّعَامُ مِثْلُهُ قِيَاسًا، وَإِنَّمَا لَمْ يُبَيِّنْ أَثَرَ النُّقْصَانِ فِي الْمَاءِ مِنْ نَاحِيَةِ بِرْكَتِهِ- عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-. الْحَدِيثُ الثَّانِي: حَدِيثُ أَنَسٍ وَلَهُ طُرُقٌ أَرْبَعَةٌ. أَحَدُهَا مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ عَنْهُ: أُتِيَ النَّبِيُّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِإِنَاءٍ وَهْوَ بِالزَّوْرَاءِ، فَوَضَعَ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ، فَجَعَلَ الْمَاءُ يَنْبُعُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ، فَتَوَضَّأَ الْقَوْمُ. قَالَ قَتَادَةُ: قُلْتُ لِأَنَسٍ: كَمْ كُنْتُمْ؟ قَالَ: ثَلَاثُمِائَةٍ، أَوْ زُهَاءَ ثَلَاثِمِائَةٍ. ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسٍ نَحْوَهُ. ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ الْحَسَنِ، عَنْ أَنَسٍ أَيْضًا نَحْوَهُ وَفِيهِ: وَكَانُوا سَبْعِينَ أَوْ نَحْوَهُ. ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ نَحْوَهُ، وَفِيهِ: قُلْتُ: كَمْ كَانُوا؟ قَالَ: ثَمَانُونَ رَجُلًا، وَسَلَفَ فِي الطَّهَارَةِ أَيْضًا، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي الْفَضَائِلِ، وَالتِّرْمِذِيُّ فِي الْمَنَاقِبِ وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ وَالنَّسَائِيُّ فِي الطَّهَارَةِ. وَالْحَدِيثُ مِنْ عَلَامَاتِ نُبُوَّتِهِ تَكْثِيرُ الْقَلِيلِ. وَ(زُهَاءَ) بِالضَّمِّ مَمْدُودٌ، وَ(الْوَضُوءُ) بِفَتْحِ الْوَاوِ: الْمَاءُ عَلَى الْأَفْصَحِ، وَادَّعَى ابْنُ التِّينِ أَنَّهُ لَمْ يُخْتَلَفْ فِي هَذَا، وَاخْتُلِفَ فِي الْمَصْدَرِ: فَقَالَ الْخَلِيلُ وَحْدَهُ: هُوَ بِالْفَتْحِ، وَغَيْرُهُ قَالَ: هُوَ بِالضَّمِّ، وَالْمُخَضَّبُ: إِنَاءٌ مِنْ حِجَارَةٍ. الْإِجَّانَةُ يُغْسَلُ فِيهَا الثِّيَابُ. الْحَدِيثُ الثَّالِثُ: حَدِيثُ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ جَابِرٍ: عَطِشَ النَّاسُ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ وَالنَّبِيُّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بَيْنَ يَدَيْهِ رَكْوَةٌ، فَتَوَضَّأَ، فَجَهَشَ النَّاسُ نَحْوَهُ، قَالَ: "مَا لَكُمْ؟ ". قَالُوا: لَيْسَ عِنْدَنَا مَاءٌ نَتَوَضَّأُ وَلَا نَشْرَبُ إِلَّا مَا بَيْنَ يَدَيْكَ. فَوَضَعَ يَدَهُ فِي الرَّكْوَةِ، فَجَعَلَ الْمَاءُ يَفُورُ بَيْنَ أَصَابِعِهِ كَأَمْثَالِ الْعُيُونِ، فَشَرِبْنَا وَتَوَضَّأْنَا. قُلْتُ: كَمْ كُنْتُمْ؟ قَالَ: لَوْ كُنَّا مِائَةَ أَلْفٍ لَكَفَانَا، كُنَّا خَمْسَ عَشْرَةِ مِائَةً. (الْحُدَيْبِيَةُ) -تُثَقَّلُ وَتُخَفَّفُ- بِئْرٌ بِقُرْبِ مَكَّةَ وَكَانَتْ سَنَةَ سِتٍّ، وَاخْتُلِفَ هَلْ هِيَ مِنَ الْحَرَمِ؟ وَقَدْ سَلَفَ، وَالْجَهْشُ: أَنْ يَفْزَعَ الْمَرْءُ إِلَى الْمَرْءِ يُرِيدُ الْبُكَاءَ كَالصَّبِيِّ يَفْزَعُ إِلَى أُمِّهِ. يُقَالُ: جَهَشَتْ وَأَجْهَشَتْ بِفَتْحِ الْهَاءِ لُغَتَانِ بِمَعْنَى. وَقَوْلُهُ: (كُنَّا خَمْسَ عَشْرَةَ) ذُكِرَ هَذَا لِابْنِ الْمُسَيَّبِ فَقَالَ: وَهَمَ رَحِمَهُ اللَّهُ، يَعْنِي أَنَّهُمْ كَانُوا أَرْبَعَ عَشْرَةَ مِائَةً وَعَلَى هَذَا مَالِكٌ وَأَكْثَرُ الرُّوَاةِ، وَقِيلَ: كَانُوا ثَلَاثَ عَشْرَةَ مِائَةً. الْحَدِيثُ الرَّابِعُ: حَدِيثُ الْبَرَاءِ- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: كُنَّا يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ أَرْبَعَ عَشْرَةَ مِائَةً، وَالْحُدَيْبِيَةُ بِئْرٌ فَنَزَحْنَاهَا حَتَّى لَمْ نَتْرُكْ فِيهَا قَطْرَةً، فَجَلَسَ النَّبِيُّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَلَى شَفِيرِ الْبِئْرِ، فَدَعَا بِمَاءٍ، فَمَضْمَضَ وَمَجَّ فِي الْبِئْرِ، فَمَكَثْنَا غَيْرَ بَعِيدٍ، ثُمَّ اسْتَقَيْنَا حَتَّىَ رَوِينَا وَرَوِيَتْ رَكَائِبُنَا. وَقَوْلُهُ: (رَوِينَا) هُوَ بِكَسْرِ الْوَاوِ. وَهُوَ مِنْ أَعْلَامِ نُبُوَّتِهِ. الْحَدِيثُ الْخَامِسُ: حَدِيثُ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: قَالَ أَبُو طَلْحَةَ لِأُمِّ سُلَيْمٍ، لَقَدْ سَمِعْتُ صَوْتَ رَسُولِ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ضَعِيفًا أَعْرِفُ فِيهِ الْجُوعَ، فَهَلْ عِنْدَكِ شَيْءٌ؟ قَالَتْ: نَعَمْ. فَأَخْرَجَتْ أَقْرَاصًا مِنْ شَعِيرٍ، ثُمَّ أَخْرَجَتْ خِمَارًا لَهَا، فَلَفَّتِ الْخُبْزَ بِبَعْضِهِ، ثُمَّ دَسَّتْهُ تَحْتَ يَدِي وَلَاثَتْنِي بِبَعْضِهِ.. الْحَدِيثَ بِطُولِهِ. وَقَدْ سَلَفَ مُخْتَصَرًا فِي الصَّلَاةِ وَيَأْتِي فِي الْأَطْعِمَةِ وَالنُّذُورِ. وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي الْأَطْعِمَةِ، وَالتِّرْمِذِيُّ فِي الْمَنَاقِبِ وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَالنَّسَائِيُّ فِي الْوَلِيمَةِ. وَاللَّوْثُ: الطَّيُّ، يُقَالُ: لَاثَ عِمَامَتَةُ عَلَى رَأْسِهِ يُلُوثُهَا لَوْثًا: عَصَبَهَا، وَلَاثَ الرَّجُلُ يَلُوثُ، أَيْ: دَارَ، وَالِالْتِيَاثُ: الِاخْتِلَاطُ وَالِالْتِفَافُ. وَقَوْلُهُ: (وَلَاثَتْنِي) أَيْ: لَفَّتْ عَلَيَّ بَعْضَهُ، وَأَدَارَتْهُ عَلَيْهِ يَعْنِي: خِمَارَهَا. وَقَوْلُهُ: (هَلُمَّ يَا أَمَّ سُلَيْمٍ مَا عِنْدَكِ) فِي لُغَةِ الْحِجَازِ أَنَّ هَلُمَّ لَا تُؤَنَّثُ وَلَا تُجْمَعُ وَلَا تُثَنَّى، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَإِلَى وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا [الْأَحْزَابِ: 18] وَمَعْنَاهُ هَاهُنَا: هَاتِ مَا عِنْدَكِ. وَقِيلَ: يُثَنَّى وَيُجْمَعُ وَيُؤَنَّثُ، وَعِنْدَ أَبِي ذَرٍّ: (هَلُمِّي مَا عِنْدَكِ). وَقَوْلُهُ: (فَعَصَرَتْ أَمُّ سُلَيْمٍ عَكَّةً فَآدَمَتْهُ) الْعَكَّةُ: وِعَاءُ السَّمْنِ لَطِيفٌ. وَآدَمَتْهُ أَيْ: أَصْلَحَتْهُ بِالْإِدَامِ، يُقَالُ آدَمْتُ الْخُبْزَ آدَمَهُ، وَخُبْزٌ مَأْدُومٌ. وَفِيهِ: مِنْ أَعْلَامِ نُبُوَّتِهِ تَكْثِيرُ الطَّعَامِ. وَفِيهِ: فَأَكَلَ الْقَوْمُ كُلُّهُمْ وَشَبِعُوا، وَالْقَوْمُ سَبْعُونَ أَوْ ثَمَانُونَ رَجُلًا. الْحَدِيثُ السَّادِسُ: حَدِيثُ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كُنَّا نَعُدُّ الْآيَاتِ بَرَكَةً وَأَنْتُمْ تَعُدُّونَهَا تَخْوِيفًا، كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي سَفَرٍ فَقَلَّ الْمَاءُ، فَقَالَ: "اطْلُبُوا فَضْلَةً مِنْ مَاءٍ". فَجَاءُوا بِإِنَاءٍ فِيهِ مَاءٌ، فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ، ثُمَّ قَالَ: "حَيَّ عَلَى الطَّهُورِ الْمُبَارَكِ، وَالْبَرَكَةُ مِنَ اللَّهِ". فَلَقَدْ رَأَيْتُ الْمَاءَ يَنْبُعُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِ رَسُولِ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَلَقَدْ كُنَّا نَسْمَعُ تَسْبِيحَ الطَّعَامِ وَهْوَ يُؤْكَلُ. وَمَعْنَى حَيَّ: هَلُمُّوا، مِثْلَ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، وَالطَّهُورُ-بِفَتْحِ الطَّاءِ- هُوَ الْمَاءُ الطَّاهِرُ; لِأَنَّ فَعُولًا لِلْمُبَالِغَةِ. وَمَعْنَى الْمُبَارَكِ: الَّذِي أَمَدَّهُ اللَّهُ بِبَرَكَتِهِ مِنْهُ. وَفِيهِ: مِنْ أَعْلَامِ نُبُوَّتِهِ: نَبَعُ الْمَاءِ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ، وَتَسْبِيحُ الطَّعَامِ، فَأَنْطَقَ اللَّهُ تَعَإِلَى ذَلِكَ لَهُ; لِيَكُونَ مِنْ أَعْلَامِ بَرَاهِينِهِ. فَائِدَةٌ: فِي إِسْنَادِهِ أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ، وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ بْنِ عُمَرَ بْنِ دِرْهَمٍ الْكُوفِيُّ نِسْبَةً إِلَى جَدِّهِ. الْحَدِيثُ السَّابِعُ: حَدِيثُ جَابِرٍ فِي وَفَاءِ دَيْنِ وَالِدِهِ وَبَقِيَ مِثْلَ مَا أَعْطَاهُمْ، سَلَفَ غَيْرَ مَرَّةٍ. وَقَوْلُهُ: (فَانْطَلِقْ مَعِي كَيْلَا يُفْحِشَ عَلَيَّ الْغُرَمَاءُ) يُقَالُ: أَفْحَشَ الرَّجُلُ: قَالَ الْفُحْشَ. الْحَدِيثُ الثَّامِنُ: حَدِيثُ أَبِي عُثْمَانَ، أَنَّهُ حَدَّثَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ أَنَّ أَصْحَابَ الصُّفَّةِ كَانُوا أُنَاسًا فُقَرَاءَ، وَأَنَّهُ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ مَرَّةً: "مَنْ كَانَ عِنْدَهُ طَعَامُ اثْنَيْنِ فَلْيَذْهَبْ بِثَالِثٍ.. ". الْحَدِيثَ بِطُولِهِ فِي قِصَّةِ أَبِي بَكْرٍ. وَفِيهِ: (كُلُوا، وَاللَّهِ لَا أَطْعَمُهُ أَبَدًا)، قَالَ: (وَايْمُ اللَّهِ مَا كُنَّا نَأْخُذُ مِنْ لُقْمَةٍ إِلَّا رَبَا مِنْ أَسْفَلِهَا أَكْثَرُ) أَيْ: طَلَعَ وَنَمَا، وَقَدْ سَلَفَ الْحَدِيثُ بِفَوَائِدِهِ، وَفِي مُسْلِمٍ: (كُلُوا لَا هَنِيئًا). وَقَوْلُهُ: (حَتَّى تَعَشَّى)، وَفِي مُسْلِمٍ: نَعَسَ. وَقَوْلُهُ: (فَقَالَ لِامْرَأَتِهِ: يَا أُخْتَ بَنِي فِرَاسٍ) فِي مُسْلِمٍ: (مَا هَذَا؟). وَقَوْلُهُ: (وَإِنَّمَا كَانَ الشَّيْطَانُ) يُعْنَى: يَمِينُهُ، فِي مُسْلِمٍ: (إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ مِنَ الشَّيْطَانِ). وَقَوْلُهُ: (فَتَفَرَّقْنَا اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا) كَذَا هُوَ بِالْفَاءِ وَفِي نُسْخَةٍ: (فَتَعَرَّفْنَا) بِالْعَيْنِ بَدَلَهَا، وَفِي مُسْلِمٍ: (فَعَرَّفَنَا). وَفِيهِ: مَنْقَبَةٌ ظَاهِرَةٌ لِلصِّدِّيقِ. وَقَوْلُهُ: (يَا غُنْثَرُ) هُوَ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ الْمَضْمُومَةِ ثُمَّ نُونٍ ثُمَّ مُثَلَّثَةٍ، وَرُوِيَ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ ثُمَّ نُونٍ ثُمَّ تَاءٍ، ثُمَّ إِنَّ كَانَ مَحْفُوظًا كَانَ بِالْفَتْحِ. قَالَ أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى: سُمِّيَ لِغَيْرَتِهِ فَكَانَ حِينَ صِغَرِهِ. شَبَّهَهُ بِالذُّبَابِ، فَأَمَّا بِالْمُهْمِلَةِ فَمَأْخُوذٌ مِنَ الْغُثَارَةِ، وَهِيَ الْجَهْلُ، وَقِيلَ: السَّفِلَةُ. وَقَوْلُهُ: (فَجَدَعَ) أَيْ: خَصَمَ وَسَبَّ. فَائِدَةٌ: أَبُو عُثْمَانَ هَذَا هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَلَّ-بِالْحَرَكَاتِ الثَّلَاثِ- النَّهْدَيُّ، أَسْلَمَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَلَمْ يَرَهُ، وَعَاشَ مِائَةً وَثَلَاثِينَ سَنَةً، وَأَدَّى إِلَى رَسُولِ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الصَّدَقَاتِ، وَحَجَّ فِي الْجَاهِلِيَّةِ حَجَّتَيْنِ، مَاتَ سَنَةَ مِائَةٍ أَوْ بَعْدَهَا، قَالَ سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ: إِنِّي لَأَحْسَبُهُ كَانَ لَا يُصِيبُ دِينًا لَيْلُهُ قَائِمٌ وَنَهَارُهُ صَائِمٌ وَإِنْ كَانَ لَيُصَلِّيَ حَتَّى يُغْشَى عَلَيْهِ. الْحَدِيثُ التَّاسِعُ: حَدِيثُ أَنَسٍ: أَصَابَ أَهْلَ الْمَدِينَةِ قَحْطٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَبَيْنَا هُوَ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِذْ قَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلَكَتِ الْكُرَاعُ.. الْحَدِيثَ. سَلَفَ فِي الِاسْتِسْقَاءِ. وَالْكُرَاعُ: اسْمٌ جَامِعٌ لِلْخَيْلِ. وَقَوْلُهُ: (ثُمَّ أَرْسَلَتِ السَّمَاءُ عَزَالَيْهَا) هُوَ جَمْعُ عَزْلَاءَ، وَهُوَ مُسْتَخْرَجُ مَاءِ الْقِرْبَةِ، فَشَبَّهَ السَّمَاءُ بِالْقِرْبَةِ، إِذْ هِيَ حَامِلَةٌ لِلْمَاءِ. وَقَوْلُهُ: (فَهَاجَتِ السَّمَاءُ): أَنْشَأَتْ سَحَابًا فِيهِ مَطَرٌ، إِنَّمَا يُقَالُ: نَشَأَ السَّحَابُ إِذَا ارْتَفَعَ وَأَنْشَأَهُ اللَّهُ وَمِنْهُ: وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ [الرَّعْدِ: 12] ، أَيْ: يُبْدِئُهَا. وَالْإِكْلِيلُ: شِبْهُ عِصَابَةٍ، مُزَيَّنٌ بِالْجَوْهَرِ، وَهُوَ التَّاجُ. الْحَدِيثُ الْعَاشِرُ: حَدِيثُ ابْنُ عُمَرَ- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا-: كَانَ النَّبِيُّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَخْطُبُ إِلَى جِذْعٍ، فَلَمَّا اتَّخَذَ الْمِنْبَرَ تَحَوَّلَ إِلَيْهِ، فَحَنَّ الْجِذْعُ، فَأَتَاهُ فَمَسَحَ بِيَدِهِ عَلَيْهِ، وَقَدْ سَلَفَ. وَقَالَ عَبْدُ الْحَمِيدِ: أَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، أَنَا مُعَاذُ بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ نَافِعٍ بِهَذَا. وَرَوَاهُ أَبُو عَاصِمٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي رَوَّادٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. عَبْدُ الْحَمِيدِ، قِيلَ: هُوَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَلَيْسَ لَهُ وَلَا لِمُعَاذِ بْنِ الْعَلَاءِ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَاهُ، وَأَخُوهُ أَبُو سُفْيَانَ بْنِ الْعَلَاءِ رَوَى عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ، وَأَخُوهُ عُمَرُ بْنُ الْعَلَاءِ أَخْرَجَ لَهُ الْبُخَارِيُّ، وَالْأَصَحُّ مُعَاذُ بْنُ الْعَلَاءِ أَخُوهُمْ أَبُو عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ الْإِمَامُ الْبَصْرِيُّ ابْنُ عَمَّارِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ حَكِيمِ بْنِ خُزَاعِيِّ بْنِ مَازِنِ بْنِ مَالِكٍ أَخِي الْحَارِثِ، وَهُوَ الْخَيْطُ، وَأَخِي الْعَنْبَرِ أَيْضًا وَالْهُجَيْمِ وَأَسَدٍ بَنِي عَمْرِو بْنِ تَمِيمٍ. وَقَدِ اخْتَلَفَ فِي اسْمِ أَبِي عَمْرٍو فَقِيلَ: اسْمُهُ كُنْيَتُهُ، وَقِيلَ: الزَّيَّانُ، وَقِيلَ: يَحْيَى، وَقِيلَ: الْعُرْيَانُ، وَقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ، مَاتَ بِالْكُوفَةِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَةٍ. فَائِدَةٌ: ابْنُ أَبِي رَوَّادٍ هُوَ عَبْدُ الْعَزِيزِ. الْحَدِيثُ الْحَادِيَ عَشَرَ: حَدِيثُ جَابِرٍ فِي اتِّخَاذِ الْمِنْبَرِ، وَقَدْ سَلَفَ فِي الْجُمُعَةِ، وَسِيَاقَتُهُ هُنَا أَتَمُّ. قَالَ فِيهِ: كَانَ يَقُومُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِلَى-شَجَرَةٍ أَوْ- نَخْلَةٍ، فَقَالَتِ امْرَأَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ-أَوْ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَا نَجْعَلُ لَكَ مِنْبَرًا؟ قَالَ: "إِنْ شِئْتُمْ". فَجَعَلُوا لَهُ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مِنْبَرًا، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ دُفِعَ إِلَى الْمِنْبَرِ، فَصَاحَتِ النَّخْلَةُ صِيَاحَ الصَّبِيِّ، ثُمَّ نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَضَمَّهُ إِلَيْهِ، تَئِنُّ أَنِينَ الصَّبِيِّ الَّذِي يُسَكَّنُ، قَالَ: "كَانَتْ تَبْكِي عَلَى مَا كَانَتْ تَسْمَعُ مِنَ الذِّكْرِ عِنْدَهَا". وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- قَبْلَهُ: (فَحَنَّ الْجِزْعُ فَأَتَاهُ فَمَسَحَ بِيَدِهِ عَلَيْهِ). وَمَعْنَى حَنَّ: نَزَعَ وَاشْتَاقَ. وَالْأَصْلُ فِي الْحَنِينِ تَرْجِيعُ النَّاقَةِ صَوْتَهَا فِي إِثْرِ وَلَدِهَا، قِيلَ: وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إِلَّا بِأَنْ يَخْلُقَ فِيهِ حَيَاةً، وَقِيلَ: لَا. وَقَوْلُهُ: (فَجَاءَتِ امْرَأَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ أَوْ رَجَلٌ) قَدْ سَلَفَ هُنَاكَ مَنْ عَمِلَهُ، قَالَ مَالِكٌ: غُلَامُ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، وَقَالَ غَيْرُهُ: غُلَامٌ لِامْرَأَةٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، أَوْ لِلْعَبَّاسِ، وَكَانَ ذَلِكَ سَنَةَ سَبْعٍ، وَقِيلَ ثَمَانٍ. وَذَكَرَ بَعْدَهُ حَدِيثَ جَابِرٍ فِيهِ أَيْضًا. وَشَيْخُ الْبُخَارِيِّ فِيهِ: إِسْمَاعِيلُ، وَهُوَ ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ. وَفِيهِ: (سَمِعْنَا لِذَلِكَ الْجِزْعِ صَوْتًا كَصَوْتِ الْعِشَارِ حَتَّى جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ فَسَكَتَ). وَالْعِشَارُ: النُّوقُ الْحَوَامِلُ الَّتِي أَتَى عَلَى حَمْلِهَا عَشَرَةُ أَشْهُرٍ مِنْ يَوْمِ أُرْسِلَ عَلَيْهَا الْفَحْلُ. الْحَدِيثُ الثَّانِيَ عَشَرَ: حَدِيثُ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ، قَالَ عُمَرُ: أَيُّكُمْ يَحْفَظُ حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي الْفِتْنَةِ؟ وَفِي لَفْظٍ: عَنْ سُلَيْمَانَ، سَمِعْتُ أَبَا وَائِلٍ يُحَدِّثُ، عَنْ حُذَيْفَةَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ: أَيُّكُمْ يَحْفَظُ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي الْفِتْنَةِ؟ فَقَالَ حُذَيْفَةُ: أَنَا أَحْفَظُ. وَسَاقَ الْحَدِيثَ. وَفِي آخِرِهِ: فَأَمَرَ لِي مَسْرُوقًا فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: مِنَ الْبَابِ؟ قَالَ: عُمَرُ، وَقَدْ سَلَفَ فِي بَابِ: الصَّدَقَةُ تُكَفِّرُ الْخَطِيئَةَ. الْحَدِيثُ الثَّالِثَ عَشَرَ إِلَى السَّابِعَ عَشَرَ: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُقَاتِلُوا قَوْمًا نِعَالُهُمُ الشَّعَرُ، وَحَتَّى تُقَاتِلُوا التُّرْكَ، صِغَارَ الْأَعْيُنِ، حُمْرَ الْوُجُوهِ، ذُلْفَ الْأُنُوفِ، كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ الْمَجَانُّ الْمُطْرَقَةُ وَتَجِدُونَ مِنْ خَيْرِ النَّاسِ أَشَدَّهُمْ كَرَاهِيَةً لِهَذَا الْأَمْرِ حَتَّى يَقَعَ فِيهِ، وَالنَّاسُ مَعَادِنُ.. " الْحَدِيثَ. وَفِي آخِرِهِ: "وَلَيَأْتِيَنَّ عَلَى أَحَدِكُمْ زَمَانٌ، لَأَنْ يَرَانِي أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَهُ مِثْلُ أَهْلِهِ وَمَالِهِ". ثُمَّ سَاقَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَيْضًا "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُقَاتِلُوا خُوزَا وَكَرْمَانَ مِنَ الْأَعَاجِمِ، حُمْرَ الْوُجُوهِ، فُطْسَ الْأُنُوفِ.. " الْحَدِيثَ. وَزَادَ: "نِعَالُهُمُ الشَّعَرُ". تَابَعَهُ غَيْرُهُ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ- يَعْنِي غَيْرَ يَحْيَى شَيْخَ الْبُخَارِيِّ- ثُمَّ سَاقَ مِنْ حَدِيثِهِ أَيْضًا: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: وَقَالَ هَكَذَا بِيَدِهِ: "بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نِعَالُهُمُ الشَّعَرُ وَهُوَ هَذَا الْبَارِزُ". وَقَالَ سُفْيَانُ مَرَّةً: وَهُمْ أَهْلُ الْبَازِرِ، ثُمَّ سَاقَ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ تَغْلِبِ الصِّمَاخِيِّ، وَهُوَ مِنْ أَفْرَادِ الْبُخَارِيِّ. يَعْنِي: إِخْرَاجُهُ لِعَمْرٍو: "بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ تُقَاتِلُونَ قَوْمًا يَنْتَعِلُونَ الشَّعَرَ، وَتُقَاتِلُونَ قَوْمًا وُجُوهَهُمُ الْمَجَّانُ الْمُطْرَقَةُ". الشَّرْحُ: سَلَفَ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَعَمْرِو بْنِ تَغْلِبَ فِي الْجِهَادِ فِي بَابِ: قِتَالِ التُّرْكِ. وَبَعْدَهُ. وَمَعْنَى "ذُلْفَ الْأُنُوفِ": صِغَارَهَا. وَقِيلَ: هُوَ الِاسْتِوَاءُ فِي طَرَفِ الْأَنْفِ، لَيْسَ بِحَدٍّ غَلِيظٍ، وَقِيلَ: هُوَ عَنِ الشَّفَةِ السُّفْلَى الْوَاصِلَةِ، وَالْفَطَسُ فِي الْأَنْفِ: انْفِرَاشُهُ. وَالْمُطْرَقَةُ: الَّتِي أُطْرِقَتْ بِالْعَقِبِ، أَيْ: أُكُسِيَتْ حَتَّى غَلُظَتْ فَكَأَنَّهَا تُرْسٌ عَلَى تُرْسٍ، وَمِنْهُ طَارِقَةُ النَّعْلِ: إِذَا رَكَّبْتَ جِلْدًا عَلَى جِلْدٍ وَحَرَّزَتْهُ عَلَيْهِ. وَقِيلَ: هِيَ مُشْتَقَّةٌ مِنَ الطِّرَاقِ، وَهُوَ الْجِلْدُ الْأَحْمَرُ الَّتِي يَغْشَاهُ. شَبَّهَ وُجُوهَهُمْ فِي عَرْضِهَا وَنُتُوءِ وَجَنَاتِهَا بِالتُّرْسَةِ الْمُطْرَقَةِ. ذَكَرَ مَعْنَاهُ الْخَطَّابِيُّ. وَقَالَ صَاحِبُ "الْمَشَارِقِ" الصَّوَابُ فَتْحُ الطَّاءِ وَتَشْدِيدُ الرَّاءِ. وَقَالَ ابْنُ دَحْيَةَ عَنْ شَيْخِهِ أَبِي إِسْحَاقَ: صَوَابُهُ الْإِسْكَانُ. وَقَوْلُهُ: (خُوزَا وَكَرْمَانَ) كَذَا هُوَ بِالزَّايِ، وَقَالَ ابْنُ دَحْيَةَ: كَذَا قَيَّدْنَاهُ فِي الْبُخَارِيِّ. وَقَيْدَهُ الْجُرْجَانِيُّ (خُوزَكَرْمَانَ): بِالزَّايِ مَعَ الْإِضَافَةِ، وَحَكَاهُ عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ. قَالَ غَيْرُهُ: هُوَ تَصْحِيفٌ، وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: إِذَا أَضَفْتَ فَبِالْمُهْمَلَةِ لَا غَيْرَ، وَإِذَا عَطَفْتَهُ فَبِالزَّايِ لَا غَيْرَ، وَهُمَا جِنْسَانِ مِنَ التُّرْكِ. وَالِاخْتِلَافُ فِي لَفْظِ الْبَارِزِ قَيْدَهُ الْأَصِيلِيُّ بِتَقْدِيمِ الرَّاءِ عَلَى الزَّايِ، وَفَتْحَهَا فِي الْمَوْضِعَيْنِ، وَوَافَقَهُ ابْنُ السَّكَنِ وَغَيْرُهُ، إِلَّا أَنَّهُمْ ضَبَطُوهُ بِكَسْرِ الرَّاءِ. قَالَ الْقَابِسِيُّ: الْبَارِزِينَ لِقِتَالِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ: الظَّاهِرِينَ فِي بَرَازِنَ مِنَ الْأَرْضِ، وَغَيْرُهُ أَبُو ذَرٍّ فِي اللَّفْظِ الْآخَرِ بِتَقْدِيمِ الزَّايِ عَلَى الرَّاءِ وَفَتْحِهَا. وَقَوْلُهُ: (بَيْنَ يَدِيِ السَّاعَةِ) أَيْ: قَبْلَهَا، مِثْلَ: مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ [الصَّفِّ: 6] قِيلَ: وَيَكُونُ لِمَا بَعْدُ، وَفِي كِتَابِ "الْفِتَنِ" لِنَعِيمِ بْنِ حَمَّادٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: "أَعْيُنَهُمْ كَالْوَدَعِ، وَوُجُوهَهُمْ كَالْحَجَفِ، لَهُمْ وَقْعَةٌ بَيْنَ دِجْلَةَ وَالْفُرَاتِ وَوَقْعَةٌ بِمَرْجِ حَمَّادٍ، وَوَقْعَةٌ بِدِجْلَةَ، حَتَّى يَكُونَ الْجَوَازُ بِمِائَةِ دِينَارٍ لِلْعُبُورِ لِلشَّامِ" وَفِي لَفْظٍ: "أَوَّلُ مَنْ مَرُّوا مِنْ أَقْطَارِ الْأَرْضِ الْعَرَبُ لِقَوْمٍ حُمْرِ الْوُجُوهِ كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ الْمَجَانُّ الْمُطْرَقَةُ". وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ (رَسُولُ) اللَّهِ: "لَيَهْبِطَنَّ الدَّجَّالُ خَوْزَ وَكَرَمَانَ فِي ثَمَانِينَ أَلْفٍ كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ الْمَجَانُّ الْمُطْرَقَةُ، يَلْبَسُونَ الطَّيَالِسَةَ، وَيَنْتَعِلُونَ الشَّعَرَ". وَقَالَ مُعَاوِيَةُ: اتْرُكُوا الرَّافِضَةَ مَا تَرَكُوكُمْ-يَعْنِي: التُّرْكَ- فَإِنَّهُمْ سَيَخْرُجُونَ حَتَّى يَنْتَهُوا إِلَى الْفُرَاتِ فَيَشْرَبُ مِنْهُ أَوَائِلُهُمْ، وَيَجِيءُ اَخِرُهُمْ فَيَقُولُونَ: قَدْ كَانَ هَاهُنَا مَاءٌ، وَأَمَرَ غُلَامًا لَهُ اسْتَنْقَذَ مِنْهُمْ شَيْئًا فَإِنِّي سَمِعْتُ: أَخَذُوهُ لَا يَعُودُونَ لِمِثْلِهَا وَلَا يُحَرِّكُهُمْ بِشَيْءٍ وَلَا يَسْتَنْقِذُ مِنْهُمْ شَيْئًا; فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يُسْتَلْحَقُوا بِمَنَابِتِ الشِّيحِ. وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- يَقُولُ: لِلْمُسْلِمِينَ عَدُوٌّ وُجُوهُهُمْ كَالدَّرَقِ وَأَعْيُنُهُمْ كَالْوَدَعِ فَاتْرُكُوهُمْ مَا تَرَكُوكُمْ. وَعَنْ أَبِي قَبِيلٍ قَالَ: حَدَّثَنِي غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ قَالَ: تَخْرُجُ الرُّومُ فِي الْمَلْحَمَةِ الْعُظْمَى وَمَعَهُمُ التُّرْكُ وَرَجَانُ وَالصَّقَالِبَةُ. وَعَنِ ابْنِ سِيرِينَ: كَأَنِّي بِالتُّرْكِ قَدْ أَتَتْكُمْ عَلَى بَرَاذِينَ مُخَذَّمَةِ الْآذَانِ حَتَّى يَرْبُطُوهَا بِشَطِّ الْفُرَاتِ. وَعَنِ الْحَسَنِ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ تُقَاتِلُوا قَوْمًا وُجُوهَهُمُ الْمَجَّانُ الْمُطْرَقَةُ، وَأَنْ تُقَاتِلُوا قَوْمًا نِعَالُهُمُ الشَّعْرُ" قَدْ رَأَيْنَا الْأَوَّلَ وَهُمُ التُّرْكُ، وَرَأَيْنَا هَؤُلَاءِ وَهُمُ الْأَكْرَادُ. قَالَ الْحَسَنُ: فَإِذَا كُنْتَ فِي أَشْرَاطِ السَّاعَةِ فَكَأَنَّكَ قَدْ عَايَنْتَ، كَانَ أَوَّلُ خُرُوجِ هَذَا الْجَيْشِ فِي جُمَادَى الْأُولَى سَنَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ وَسِتِّمِائَةٍ فَعَاثُوا فِي الْبِلَادِ وَأَظْهَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ، وَخَرَّبُوا جَمِيعَ الْمَدَائِنِ حَتَّى مَعْقِلِ الْإِسْلَامِ بَغْدَادَ، وَرَبَطُوا خُيُولَهُمْ إِلَى السَّوَارِي، وَعَبَرُوا الْفُرَاتَ، وَمَلَكُوا الشَّامَ فِي أَيْسَرِ مُدَّةٍ عَلَى التَّوَالِي، وَعَزَمُوا عَلَى دُخُولِ مِصْرَ فَثَارَ إِلَيْهِمْ مَلِكُهَا الْمُظَفَّرُ، فَالْتَقَوْا بِعَيْنِ جَالُوتَ، فَانْجَلُوا عَنِ الشَّامِ مُنْهَزِمِينَ-وَرَأَوْا مَا لَمْ يُشَاهِدُوهُ مُنْذُ زَمَانٍ- وَلَاجِئِينَ خَائِبِينَ خَاسِرِينَ، فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الْأَنْعَامِ: 45]. ثُمَّ فِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَتِسْعِينَ مَلَكَ عَلَيْهِمْ رَجُلٌ يُسَمَّى مَحْمُودٌ غَازَانَ زَعَمَ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ، مَلَكَ جُمْلَةً مِنْ بِلَادِ الشَّامِ وَعَاثَ جَيْشُهُ فِيهَا عَيْثَ عُبَّادِ الْأَصْنَامِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمِ الْمَلِكُ النَّاصِرُ مُحَمَّدُ بْنُ قَلَاوُونَ فَكَسَرَهُمْ كَسْرًا لَيْسَ مَعَهُ انْجِبَارٌ، وَتَغَلَّلَ جَيْشُ التَّتَارِ وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى الْهَاوِيَةِ وَبِئْسَ الْقَرَارُ. الْحَدِيثُ السَّابِعَ عَشَرَ: حَدِيثُ ابْنُ عُمَرَ- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا-: "تُقَاتِلُكُمُ الْيَهُودُ.. " الْحَدِيثُ سَلَفَ فِي الْجِهَادِ فِي بَابِ: قِتَالِ الْيَهُودِ. الْحَدِيثُ الثَّامِنَ عَشَرَ: حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- عَنِ النَّبِيِّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: "يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَغْزُونَ، فَيُقَالُ: هَلْ فِيكُمْ مَنْ صَحِبَ الرَّسُولَ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَيَقُولُونَ: نَعَمْ. فَيُفْتَحُ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ يَغْزُونَ، فَيُقَالُ لَهُمْ: هَلْ فِيكُمْ مَنْ صَحِبَ مَنْ صَحِبَ الرَّسُولَ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ. فَيُفْتَحُ لَهُمْ" هَذَا الْحَدِيثُ سَلَفَ فِي الْجِهَادِ فِي بَابِ: مَنِ اسْتَعَانَ بِالضُّعَفَاءِ وَسَيَأْتِي فِي بَابِ: فَضَائِلِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-كَمَا سَتَعْلَمُهُ هُنَاكَ. الْحَدِيثُ التَّاسِعَ عَشَرَ: حَدِيثُ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: بَيْنَا أَنَا عِنْدَ النَّبِيِّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِذْ أَتَاهُ رَجُلٌ فَشَكَا إِلَيْهِ الْفَاقَةَ، ثُمَّ أَتَاهُ آخَرُ..، الْحَدِيثُ بِطُولِهِ. ذَكَرَهُ مِنْ طَرِيقَيْنِ عَنْهُ. وَ(الظَّعِينَةُ): الْمَرْأَةُ. وَهُوَ مِنْ بَابِ الِاسْتِعَارَةِ، فَأَمَّا الظَّعَائِنُ فَالْهَوَادِجُ كَانَ فِيهَا نِسَاءٌ أَمْ لَا، وَقِيلَ: لَا تُسَمَّى ظَعِينَةٌ إِلَّا إِذَا [كَانَ] فِيهَا امْرَأَةٌ. وَ(الْكَعْبَةُ): الْبَيْتُ الْحَرَامُ، وَكُلُّ شَيْءٍ عَلَا وَارْتَفَعَ هُوَ كَعْبٌ، وَبِهِ سُمِّيَتِ الْكَعْبَةُ، قَالَهُ الْهَرَوِيُّ، وَقَالَ ابْنُ فَارِسٍ، وْالدَّاوُدِيُّ: سُمِّيَ بِذَلِكَ لِتَرْبِيعِهِ. وَ(الدُّعَّارُ) بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ جَمْعُ دَاعِرٍ وَهُوَ الرَّجُلُ الْخَبِيثُ الْمُفْسِدُ، وَهِيَ قَبِيلَةٌ مِنَ الْعَرَبِ يَجْعَلُونَ لُغَتَهُمْ فِي ذُو بِمَعْنَى الَّذِي. وَقَوْلُهُ: (فَأَيْنَ دُعَّارُ طَيِّئٍ الَّذِينَ سَعَّرُوا الْبِلَادَ) يَعْنِي سَعَّرُوا: أَوْقَدُوا نَارَ الشَّرِّ وَالْفِتْنَةِ، وَاسْتَدَلَّ بِهِ مَنْ يُوجِبُ الْحَجَّ عَلَى الْمَرْأَةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ. إِذَا كَانَتْ مَعَ جَمَاعَةِ نِسَاءٍ وَهُوَ مَذْهَبُنَا وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَمَنَعَهُ غَيْرُهُ. وَقَوْلُهُ: (وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ) أَيْ: نِصْفِهَا، وَفِيهِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَعْلَامِ نُبُوَّتِهِ. فَائِدَةٌ: عَدِيُّ بْنُ حَاتِمِ بْنِ سَعْدِ بْنِ الْحَشْرَجِ وَلَدُ حَاتِمٍ الْمَوْصُوفِ بِالْجُودِ، كَانَ نَصْرَانِيًّا فَأَتَى النَّبِيَّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مُسْلِمًا، مَاتَ زَمَنَ الْمُخْتَارِ عَنْ مِائَةٍ وَعِشْرِينَ سَنَةٍ. الْحَدِيثُ الْعِشْرُونَ: حَدِيثُ أَبِي الْخَيْرِ-وَاسْمُهُ مَرْثَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْيَزَنِيُّ الْمِصْرِيُّ مَاتَ سَنَةَ تِسْعِينَ قَاضِي إِسْكَنْدَرِيَّةَ- عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ-وَهُوَ ابْنُ عَبْسِ بْنِ عَمْرٍو الْجُهَنِيُّ- كَانَ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ صَوْتًا بِالْقُرْآنِ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ يَوْمًا فَصَلَّى عَلَى أَهْلِ أُحُدٍ صَلَاتَهُ عَلَى الْمَيِّتِ.. الْحَدِيثَ. وَيَأْتِي فِي غَزْوَةِ أُحُدٍ، وَفِيهِ: (أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ خَزَائِنِ الْأَرْضِ". وَفِي الرِّقَاقِ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي الْفَضَائِلِ. وَفِيهِ: "مَفَاتِيحُ خَزَائِنِ الْأَرْضِ" أَوْ "مَفَاتِيحُ الْأَرْضِ" وَهُوَ الْوَجْهُ. وَاخْتَلَفَ فِي مَعْنَاهُ فَقِيلَ: وَدَّعَ الْأَحْيَاءَ وَالْأَمْوَاتَ، وَقِيلَ: صَلَّى عَلَيْهِمْ; لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ صَلَّى عَلَيْهِمْ حِينَ مَاتُوا وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِهِ: (صَلَاتُهُ عَلَى الْمَيِّتِ)، وَقِيلَ دَعَا لَهُمْ. وَقَوْلُهُ: (إِنِّي فَرَطُكُمْ) أَيْ: سَابَقُكُمْ، وَكَذَلِكَ الْفَارِطُ. وَفِيهِ: الدُّعَاءُ لِلصَّبِيِّ الْمَيِّتِ: "اللَّهُمَّ فَرَطًا لِأَبَوَيْهِ" أَيْ: أَجْرًا مُتَقَدَّمًا. الْحَادِي بَعْدَ الْعِشْرِينَ: حَدِيثُ أُسَامَةَ: أَشْرَفَ النَّبِيُّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَلَى أُطُمٍ مِنَ الْآطَامِ، فَقَالَ: "هَلْ تَرَوْنَ مَا أَرَى إِنِّي لَأَرَى الْفِتَنَ تَقَعُ خِلَالَ بُيُوتِكُمْ مَوَاقِعَ الْقَطْرِ". سَلَفَ فِي الْحَجِّ وَفِي الْمَظَالِمِ وَيَأْتِي فِي الْفِتَنِ. وَالْأُطُمُ: الْحَصِينُ جَمْعُهُ آطَامُ، وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ: الْأُطُمُ: الْقُصُورُ وَالْمَوَاضِعُ الْمُرْتَفِعَةُ. فَكَأَنَّهُ جَعَلَ الْأُطُمُ جَمْعًا. الْحَدِيثُ الثَّانِي وَالثَّالِثُ بَعْدَ الْعِشْرِينَ: حَدِيثُ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: أَنَّهُ- عَلَيْهِ السَّلَامُ- دَخَلَ عَلَيْهَا فَزِعًا يَقُولُ: "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ، فُتِحَ الْيَوْمَ مِنْ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِثْلُ هَذَا". وَحَلَّقَ بِإِصْبَعِهِ وَبِالَّتِي تَلِيهَا. فَقَالَتْ زَيْنَبُ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ؟ قَالَ: "نَعَمْ، إِذَا كَثُرَ الْخَبَثُ". وَعَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ حَدَّثَتْنِي هِنْدُ بِنْتُ الْحَارِثِ، أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ قَالَتْ: اسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ: "سُبْحَانَ اللَّهِ! مَاذَا أُنْزِلَ مِنَ الْخَزَائِنِ؟ وَمَاذَا أُنْزِلَ مِنَ الْفِتَنِ؟ " وَقَدْ سَلَفَ. وَفَزَعُهُ- عَلَيْهِ السَّلَامُ- خَوْفًا مِمَّا أُخْبِرَ بِهِ أَنَّهُ يُصِيبُ أُمَّتَهُ. وَ(وَيْلٌ): كَلِمَةٌ تُقَالُ لِمَنْ وَقَعَ فِي هَلَكَةٍ يُتَرَحَّمُ عَلَيْهِ، وَقَدْ سَلَفَ، وَقَوْلُهُ: "لِلْعَرَبِ" يَعْنِي: لِلْمُسْلِمِينَ; لِأَنَّ أَكْثَرَ الْمُسْلِمِينَ الْعَرَبُ وَمَوَالِيهِمْ. وَفِيهِ: قَوْلُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ عِنْدَ أَمْرٍ يَنْزِلُ، وَقَوْلُهُ: (أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ؟) أَيْ: يَدْعُونَ بِصَرْفِ الْفِتَنِ، قَالَ الدَّاوُدِيُّ: قَالَ ابْنُ التِّينِ: أَرَادَتْ: يَقَعُ الْهَلَاكُ بِقَوْمٍ فِيهِمْ مَنْ لَا يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ. وَقَوْلُهُ: ("نَعَمْ إِذَا كَثُرَ الْخَبَثُ") أَيِ: الزِّنَا، وَقِيلَ: إِذَا عَمَّ الْأَشْرَارُ وَقِيلَ الصَّالِحُونَ. وَقَوْلُهُ: ("مَاذَا أُنْزِلَ مِنَ الْخَزَائِنِ وَالْفِتَنِ؟! ") قَالَ الدَّاوُدِيُّ: الْخَزَائِنُ: الْكُنُوزُ، وَالْفِتَنُ هَاهُنَا: الْقِتَالُ الَّذِي يَكُونُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَقِيلَ: خَزَائِنُ اللَّهِ: عِلْمُ غُيُوبِهِ الَّتِي لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ. الْحَدِيثُ الرَّابِعُ بَعْدَ الْعِشْرِينَ: حَدِيثُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ لِي: إِنِّي أَرَاكَ تُحِبُّ الْغَنَمَ وَتَتَّخِذُهَا، فَأَصْلِحْهَا وَأَصْلِحْ رُعَامَهَا، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: "يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ تَكُونُ الْغَنَمُ (فِيهَا) خَيْرَ مَالِ الْمُسْلِمِ، يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الْجِبَالِ-أَوْ سَعَفَ الْجِبَالِ- فِي مَوَاقِعِ الْقَطْرِ، يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنَ الْفِتَنِ". وَقَدْ سَلَفَ فِي الصَّلَاةِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ وَمُحَمَّدٌ ابْنَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ عَمْرِو بْنِ زَيْدِ بْنِ عَوْفِ بْنِ مَبْذُولِ بْنِ عَمْرِو بْنِ غَنَمِ بْنِ مَازِنِ بْنِ النَّجَّارِ، انْفَرَدَ بِهِمَا الْبُخَارِيُّ. وَالرُّعَامُ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَالرَّاءِ الْمَضْمُومَةِ: الْمُخَاطُ، وَشَاةٌ رَعُومٌ: بِهَا دَاءٌ يَسِيلُ مِنْ أَنْفِهَا، وَالشَّعَفَةُ بِالتَّحْرِيكِ وَالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ: رَأَسُ الْجَبَلِ، وَبِالْمُهْمَلَةِ: غُصْنٌ مِنَ النَّخْلِ، قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ، وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ ثُمَّ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَقَدْ شَكَّ فِي الْحَدِيثِ فِي الْعَيْنِ مِنَ الْغَيْنِ، وَاللُّغَةُ مَا قَدَّمْنَاهُ بِإِعْجَامٍ ثُمَّ إِهْمَالٍ وَهُوَ رُءُوسُ الْجِبَالِ وَأَعَالِيهَا، وَاحِدُهَا: شَعَفَةٌ. الْحَدِيثُ الْخَامِسُ وَالسَّادِسُ بَعْدَ الْعِشْرِينَ: حَدِيثُ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: "سَتَكُونُ فِتَنٌ، الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْقَائِمِ، وَالْقَائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْمَاشِي، وَالْمَاشِي فِيهَا خَيْرٌ مِنَ السَّاعِي، مَنْ تَشَرَّفَ لَهَا (تُشْرِفُهُ) وَمَنْ وَجَدَ مَلْجَأً-أَوْ- مَعَاذًا فَلْيَعُذْ بِهِ". وَعَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُطِيعِ بْنِ الْأَسْوَدِ، عَنْ نَوْفَلِ بْنِ مُعَاوِيَةَ مِثْلَ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ هَذَا، إِلَّا أَنَّ أَبَا بَكْرٍ يَزِيدُ: "مِنَ الصَّلَاةِ صَلَاةٌ مَنْ فَاتَتْهُ فَكَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ". الْمُرَادُ بِالْفِتَنِ: الَّتِي لَا يُعْلَمُ الْمُحِقَّ فِيهَا مِنَ الْمُبْطِلِ، وَيُقَاتَلُ فِيهَا عَلَى الدُّنْيَا. وَقَوْلُهُ: ("مَنْ يُشْرِفُ لَهَا تَسْتَشْرِفُهُ") يُرِيدُ مَنْ طَلَعَ لَهَا شَخْصَهُ طَالَعَتْهُ، يُقَالُ: اسْتَشْرَفْتُ الشَّيْءَ إِذَا رَفَعْتَ رَأْسَكَ فَنَظَرْتَ وَحَقِيقَتُهُ: أَصَابَتْهُ بِعَيْنِهَا. وَقَوْلُهُ: ("مَلْجَأً أَوْ مَعَاذًا") هُمَا وَاحِدٌ، تَقُولُ: هُوَ عِيَاذِي: أَيْ: مَلْجَأِي. وَالصَّلَاةُ الْمُرَادَةُ صَلَاةُ الْعَصْرِ، وَأَتَى بَعْدَهُ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ لِيَأْتِيَ بِالْحَدِيثِ عَلَى وَجْهِهِ. الْحَدِيثُ السَّابِعُ بَعْدَ الْعِشْرِينَ: حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ: "سَتَكُونُ أَثَرَةٌ وَأُمُورٌ تُنْكِرُونَهَا". فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَمَا تَأْمُرُنَا؟ قَالَ: "تُؤَدُّونَ الْحَقَّ الَّذِي عَلَيْكُمْ، وَتَسْأَلُونَ اللَّهَ الَّذِي لَكُمْ". الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَقِّ السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ، وَلَا يَخْرُجُ عَلَيْهِمْ. الْحَدِيثُ الثَّامِنُ بَعْدَ الْعِشْرِينَ: حَدِيثُ أَبِي التَّيَّاحِ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، وَفِي رِوَايَةٍ: سَمِعْتُ أَبَا زُرْعَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "يُهْلِكُ النَّاسَ هَذَا الْحَيُّ مِنْ قُرَيْشٍ". قَالُوا: فَمَا تَأْمُرُنَا؟ قَالَ: "لَوْ أَنَّ النَّاسَ اعْتَزَلُوهُمْ". أَبُو التَّيَّاحِ بِمُثَنَّاةٍ فَوْقُ ثُمَّ مِنْ تَحْتُ; اسْمُهُ: يَزِيدُ بْنُ حُمَيْدٍ الضَّبْعِيُّ مَاتَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ، كُنْيَتُهُ أَبُو حَمَّادٍ وَلَقَبُهُ أَبُو التَّيَّاحِ. وَأَبُو زُرْعَةَ هَرَمُ بْنُ عَمْرِو بْنِ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجْلِيُّ. وَفِيهِ: الْإِخْبَارُ بِالْمُغَيَّبَاتِ وَهُوَ أَحَدُ أَعْلَامِهِ. الْحَدِيثُ التَّاسِعُ بَعْدَ الْعِشْرِينَ: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: "هَلَاكُ أُمَّتِي عَلَى يَدَيْ غِلْمَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ". فَقَالَ مَرْوَانُ: غِلْمَةٌ؟ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: إِنْ شِئْتَ أَنْ أُسَمِّيَهُمْ بَنِي فُلَانٍ وَبَنِي فُلَانٍ. (غِلْمَةٌ) بِكَسْرِ الْغَيْنِ: جَمَعُ غُلَامٍ وَكَذَلِكَ غِلْمَانٌ، وَالْغُلَامُ: الطَّارُّ الشَّارِبُ. وَفِي إِسْنَادِهِ عَمْرُو بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأُمَوِيُّ، عَنْ جَدِّهِ. وَعَمْرُو بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِي بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِي بْنِ أُمَيَّةَ، أَخُو مُحَمَّدٍ وَإِسْمَاعِيلَ وَمُوسَى وَأُمَيَّةَ بَنُو عَمْرٍو، اتَّفَقَا عَلَيْهِ، وَانْفَرَدَ الْبُخَارِيُّ بِابْنِ ابْنِهِ أَبِي أُمَيَّةَ عَمْرٍو، وَانْفِرَادُ مُسْلِمٍ بِعَمِّهِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِي. الْحَدِيثُ الثَّلَاثُونَ: حَدِيثُ حُذَيْفَةَ- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: كَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْخَيْرِ، وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنِ الشَّرِّ مَخَافَةَ أَنْ يُدْرِكَنِي.. الْحَدِيثَ. يُرِيدُ مِمَّا يَكُونُ فِي الدُّنْيَا مِنَ الْفِتَنِ وَمِنْ عُقُوبَاتِ ذَلِكَ فِي الْآخِرَةِ. وَقَوْلُهُ: (فَجَاءَنَا اللَّهُ بِهَذَا الْخَيْرِ) يَعْنِي: صَلَاحَ حَالِهِمْ. وَقَوْلُهُ: ("وَفِيهِ دَخَنٌ") أَيْ: دُخَانٌ. يُرِيدُ أَنَّ الْخَيْرَ الَّذِي يَلِي الشَّرَّ لَا يَكُونُ خَالِصًا لَكِنْ يَكُونُ مَعَهُ شَوْبٌ وَكُدُورَةٌ بِمَنْزِلَةِ الدُّخَانِ فِي النَّارِ.وَقِيلَ: الدَّخَنُ: الْأُمُورُ الْمَكْرُوهَةُ، قَالَهُ ابْنُ فَارِسٍ. وَمِنْهُ حَدِيثُهُ: "عَلَى دَخَنٍ". وَهُوَ بِفَتْحِ الدَّالِ وَالْخَاءِ وَقِيلَ: أَرَادَ أَنَّ النُّفُوسَ لَا تُعَاوِدُ مَا كَانَتْ عَلَيْهِ قَبْلَ مَا دَخَلَهَا بِسَبَبِ الْفِتْنَةِ. وَقَالَ صَاحِبُ "الْعَيْنِ": الدَّخَنُ: الْحِقْدُ، وَيَوْمٌ دَخْنَانُ: شَدِيدُ الْغَيْمِ، وَكَذَا ذَكَرَ ابْنُ سِيدَهْ أَنَّ الدَّخَنَ: الْحِقْدُ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدِ بْنِ سَلَامِ تَفْسِيرُهُ فِي الْآخِرِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: لَا تَرْجِعُ بِقُلُوبِ قَوْمٍ عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ، وَأَصْلُهُ أَنْ يَكُونَ فِي لَوْنِ الدَّابَّةِ كُدُورَةٌ إِلَى سَوَادٍ. فَوْجُهُ الْحَدِيثِ: تَكُونُ الْقُلُوبُ هَكَذَا لَا يَصْفُو بَعْضُهَا لِبَعْضٍ وَلَا يَنْصَعُ حُبُّهَا عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ. وَعِبَارَةُ "الصَّحَاحِ": سُكُونٌ لِعِلَّةٍ لَا لِلصُّلْحِ. وَفِي "الْجَامِعِ": هُوَ فَسَادٌ فِي الْقَلْبِ، وَهُوَ مِثْلُ الدَّغَلِ. وَقَوْلُهُ: ("هُمْ مِنْ جِلْدَتِنَا") يَعْنِي مِنْ أَنْفُسِنَا، أَوْ مِنْ قَوْمِنَا. وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ: مِنْ بَنِي آدَمَ. وَذَكَرَ عَنِ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ أَنَّهُ قَالَ: أَرَادَ أَنَّهُمْ فِي الظَّاهِرِ (مِثْلُنَا) مَعَنَا، وَهُمْ فِي بَاطِنِ الْأُمُورِ هُمْ مُخَالِفُونَ لَنَا، وَجِلْدَةُ الشَّيْءِ ظَاهِرُهُ، قُلْتٌ: وَالْجِلْدُ: غِشَاءُ الْبَدَنِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْقُرْبَ، فَظَنُّ السُّمْرَةِ غَالِبَةٌ عَلَيْهِمْ، وَاللَّوْنُ إِنَّمَا يَظْهَرُ فِي الْجِلْدِ. وَقَوْلُهُ: (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ جَمَاعَةٌ وَلَا إِمَامٌ) أَيْ: لَمْ يَجْمَعْهُمْ إِمَامٌ فَاعْتَزِلْ تِلْكَ الْفِرَقَ كُلَّهَا. وَقَوْلُهُ: ("وَلَوْ أَنَّ تَعَضَّ بِأَصْلِ شَجَرَةٍ حَتَّى يُدْرِكَكَ الْمَوْتُ وَأَنْتَ عَلَى ذَلِكَ") الْعَضُّ بِالْأَسْنَانِ، وَأَصْلُهُ عَضَضَ يَعَضُّ مِثْلَ: مَسَّ يَمَسُّ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ [الْفَرْقَانِ: 27] وَفِيهِ لُغَةٌ أُخْرَى بِضَمِّ الْعَيْنِ مِثْلَ شَدَّ يَشُدُّ، حَكَاهَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْقَزَّازُ، وَسَنَبْسُطُ الْكَلَامَ عَلَيْهِ فِي بَابِ الْفِتَنِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. فَائِدَةٌ: فِي إِسْنَادِهِ ابْنُ جَابِرٍ، وَهُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ. وَفِيهِ: بُسْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَضْرَمِيُّ بِضَمِّ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَإِسْكَانِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ. وَفِيهِ أَبُو إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيُّ وَاسْمُهُ عَابِدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ. الْحَدِيثُ الْحَادِي بَعْدَ الثَّلَاثِينَ: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَقْتَتِلَ (فِئَتَانِ) دَعَوَاهُمَا وَاحِدَةٌ" يَقُولُ: يَكُونُ بَيْنَهُمَا جَمِيعًا قَصْدُ الْحَقِّ وَالْقِتَالِ عَلَيْهِ، وَهُمُ الصَّحَابَةُ. الْحَدِيثُ الثَّانِي بَعْدَ الثَّلَاثِينَ: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ أَيْضًا: "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَقْتَتِلَ (فِئَتَانِ)، فَيَكُونَ بَيْنَهُمَا مَقْتَلَةٌ عَظِيمَةٌ، دَعْوَاهُمَا وَاحِدَةٌ، وَلَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُبْعَثَ دَجَّالُونَ كَذَّابُونَ قَرِيبًا مِنْ ثَلَاثِينَ، كُلُّهُمْ يَزْعُمُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ". قَدْ وَقَعَ كُلُّ ذَلِكَ، وَهُوَ مِنْ أَعْلَامِهِ. الْحَدِيثُ الثَّالِثُ بَعْدَ الثَّلَاثِينَ: حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: بَيْنَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَهْوَ يَقْسِمُ قَسْمًا أَتَاهُ ذُو الْخُوَيْصِرَةِ-وَهْوَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ- فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اعْدِلْ.. الْحَدِيثَ. ذَكَرَهُ فِي الْأَدَبِ وَاسْتِتَابَةِ الْمُرْتَدِّينَ كَمَا سَيَأْتِي، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي الزَّكَاةِ. وَمَعْنَى: "يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ" وَفِي أُخْرَى: "حَنَاجِرَهُمْ": لَا يَرْتَفِعُ إِلَى اللَّهِ مِنْهُ شَيْءٌ يَعْلَمُهُ بِاعْتِقَادِهِمْ. وَالتَّرَاقِي: جَمْعُ تَرْقُوَةٍ، وَهُوَ فَعْلُوَةٌ، وَهُوَ عَظْمٌ وَاصِلٌ بَيْنَ ثُغْرَةِ النَّحْرِ وَالْعُنُقِ، وَالْمُرُوقُ: الْخُرُوجُ، أَيْ: سُرْعَةُ نُفُوذِ السَّهْمِ مِنَ الرَّمْيَةِ حَتَّى يَخْرُجَ مِنَ الطَّرَفِ الْآخَرِ. وَالدِّينُ هُنَا: طَاعَةُ الْأَئِمَّةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ الْإِيمَانَ. وَالرَّمْيَةُ: مَا يُرْمَى مِنَ الصَّيْدِ لَا يَعْلَقُ بِهِ شَيْءٌ مِنْ دَمِهَا، وَهِيَ فَعِيلَةٌ بِمَعْنَى مُفَعُولَةٍ وَبِهَذَا سُمِّيَتِ الْفِرْقَةُ مَارِقَةً، وَبِقَوْلِهِ: ("يَخْرُجُ فِيكُمْ") سُمُّوا خَوَارِجَ. وَالنَّصْلُ: السِّنُّ، وَقَالَ الْقَزَّازُ: عَوَّدَ السَّهْمَ، تَقُولُ: نَصَلْتُ السَّهْمَ: جَعَلْتُ لَهُ نَصْلًا وَأَنْصَلْتُهُ إِذَا نَزَعْتَ نَصْلَهُ، وَلِهَذَا قِيلَ لِرَجَبٍ: مُنْصِلُ الْأَسِنَّةِ; لِأَنَّ الْعَرَبَ كَانَتْ لَا تَرَى فِيهِ الْقِتَالَ، فَكَانَتْ تُقْلَعُ الْأَسِنَّةُ مِنَ الرِّمَاحِ وَالنِّبَالِ. وَالرِّصَافُ بِالصَّادِّ الْمُهْمَلَةِ: الْعَقِبُ الَّذِي يُلْوَى فَوْقَ مَدْخَلِ النَّصْلِ فِي السَّهْمِ، وَاحِدُهَا: رَصَفَةٌ، وَقِيلَ: هِيَ الْعَقِبُ تُشَدُّ فَوْقَ السَّهْمِ، وَهُوَ الرُّصَافُ بِضَمِّ الرَّاءِ أَيْضًا. وَقَوْلُهُ: (ثُمَّ يَنْظُرُ إِلَى نَضِيِّهِ-وَهُوَ قَدْحُهُ- فَلَا يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ). الْقَدَحُ: السَّهْمُ بِلَا قُذَذٍ وَلَا نَصْلٍ، وَنَضِيٌّ بِفَتْحِ النُّونِ عَلَى وَزْنِ فَعِيلٍ، وَرُوِيَ بِضَمِّهَا. قَالَ الْقَزَّازُ: نَضَيَ السَّهْمَ: عَوَّدَهُ قَبْلَ أَنْ يُرَاشَ وَيُنْصَلَ، قَالَ: وَيُسَمَّى بِذَلِكَ بَعْدَ نَصْلِهِ، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: النَّضْيُ مَا بَيْنَ النَّصْلِ وَالرِّيشِ مِنَ الْقَدَحِ، وَقَالَ ابْنُ فَارِسٍ نَحْوَهُ قَالَ: نِضْوُ السَّهْمِ قَدْحُهُ، وَهُوَ مَا جَاوَزَ الرِّيشَ إِلَى النَّصْلِ، قَالَ: وَسُمِّيَ بِذَلِكَ; لِأَنَّهُ بُرِيَ حَتَّى عَادَ نِضْوًا وَعَنْ أَبِي عَمْرٍو: النَّضْيُ: النَّصْلُ، ذَكَرَهُ الْجَوْهَرِيُّ. وَالْقُذَذُ: جَمْعُ قُذَّةٍ، وَهِيَ وَاحِدَةُ الرِّيشِ الَّذِي عَلَى السَّهْمِ، يُقَالُ: هُوَ أَشْبَهُ بِهِ مِنَ الْقُذَّةِ بِالْقُذَّةِ; لِأَنَّهَا تَجْرِي عَلَى مِثَالٍ وَاحِدَةٍ. وَالْفَرْثُ: مَا يَجْتَمِعُ فِي الْكِرْشِ مِمَّا يَأْكُلُهُ ذَوَاتُ الْكِرْشِ، وَقِيلَ إِنَّمَا يُقَالُ لَهُ: فَرْثٌ مَادَامَ فِي الْكِرْشِ. وَالْعَضُدُ : مَا بَيْنَ الْمِرْفَقِ إِلَى الْكَتِفِ، يُقَالُ: عَضُدٌ بِضَمِّ الضَّادِ وَسُكُونِهَا مَعَ ضَمِّ الْعَيْنِ وَفَتْحِهَا وَضَمِّهِمَا، وَقِيلَ: إِنَّ أَهْلَ تِهَامَةَ يَقُولُونَ: عُضُدٌ وَعُجُزٌ وَيُؤَنِّثُونَ، وَتَمِيمٌ يَقُولُونَ: عَضُدٌ وَعَجُزٌ وَيُذَكِّرُونَ فَعَلَى قَوْلِ أَهْلِ الْحِجَازِ يَكُونُ قَوْلُهُ: (إِحْدَى عُضُدَيْهِ) صَحِيحًا. وَ"الْبَضْعَةُ" بِفَتْحِ الْبَاءِ: الْقِطْعَةُ مِنَ اللَّحْمِ، وَ"تَدَرْدَرُ" أَصْلُهُ تَتَدَرْدَرُ، وَمَعْنَاهُ: تَتَحَرَّكُ وَتَجِيءُ وَتَذْهَبُ، وَمِنْهُ دُرْدُورُ الْمَاءِ. قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: فَالدَّرْدَرَةُ صَوْتٌ، إِذَا انْدَفَعَ سَمِعْتَ لَهُ صَوْتًا، وَقِيلَ: يُدِرُّ وَيُفْتَحُ مِثْلَ يَدِرُّ ضَرْعُ الشَّاةِ بِاللَّبَنِ. وَقَوْلُهُ: (عَلَى حِينِ فُرْقَةٍ) هُوَ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَرُوِيَ: (خَيْرٌ) بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَالرَّاءِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَالَهُمَا جَمِيعًا، وَمَا وَقَعَ هُنَا أَنَّ قَائِلَ (الْكَلَامِ) السَّالِفِ ذُو الْخُوَيْصِرَةِ هُوَ الْمَعْرُوفُ وَلَمَّا ذَكَرَهُ السُّهَيْلِيُّ عَقَّبَهُ بِأَنْ قَالَ: وَيُذْكَرُ عَنِ الْوَاقِدِيِّ، فِيمَا حَكَاهُ ابْنُ الطَّلَّاعِ فِي "أَحْكَامِهِ" وَهُوَ فِي "طَبَقَاتِ" ابْنِ سَعْدٍ، وَهُوَ صَاحِبُ الْوَاقِدِيِّ أَنَّهُ حُرْقُوصُ بْنُ زُهَيْرٍ السَّعْدِيُّ مِنْ سَعْدِ تَمِيمٍ، وَكَانَ لِحُرْقُوصٍ هَذَا مُشَاهِدُ كَثِيرَةٌ مَحْمُودَةٌ فِي حَرْبِ الْعِرَاقِ مَعَ الْفُرْسِ أَيَّامَ عُمَرَ ثُمَّ كَانَ خَارِجِيًّا قَالَ: وَلَيْسَ ذُو الْخُوَيْصِرَةِ هَذَا هُوَ ذُو الثِّدْيَةِ الَّذِي قَتَلَهُ عَلِيٌّ بِالنَّهْرَوَانِ، ذَاكَ اسْمُهُ نَافِعٌ ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُدَ. قُلْتُ: الْمَعْرُوفُ أَنَّ ذَا الثِّدْيَةِ اسْمُهُ حُرْقُوصٌ، وَهُوَ الَّذِي حَمَلَ عَلَى عَلِيٍّ لِيَقْتُلَهُ فَقَتَلَهُ. وَفِي "تَفْسِيرِ الثَّعْلَبِيِّ": بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يُقَسِّمُ غَنَائِمَ هَوَازِنَ جَاءَهُ ذُو الْخُوَيْصِرَةِ التَّمِيمِيُّ -أَصْلُ الْخَوَارِجِ- فَقَالَ: اعْدِلْ.. الْحَدِيثَ. قُلْتُ: وَهَذَا هُوَ غَيْرُ ذِي الْخُوَيْصِرَةِ الْيَمَانِيِّ الَّذِي بَالَ فِي الْمَسْجِدِ، وَسَلَفَ فِي الطَّهَارَةِ. فَصْلٌ: هَذِهِ الطَّائِفَةُ حَكَّمَتْ أَهْوَاءَهَا وَخَالَفَتْ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَتَعَلَّقَتْ بِظَاهِرِ الْكِتَابِ بِزَعْمِهَا، وَنَبَذَتِ الْقَوْلَ بِالرَّأْيِ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ بِهِ، وَأَجْمَعَتِ الصَّحَابَةُ عَلَى صِحَّتِهِ، فَقَالَتْ: لَا حُكْمَ إِلَّا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ، فَقَالَ عَلِيٌّ- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: كَلِمَةُ حَقٍّ أُرِيدَ بِهَا بَاطِلٌ، وَنَاظَرَهُمْ فِي ذَلِكَ الْحَبْرِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ: اللَّهُ حَكَمَ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ وَفِي جَزَاءِ الصَّيْدِ، وَلِأَنْ يَحْكُمَ بَيْنَ طَائِفَتَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَوْلَى، وَوَافَقَهُمْ فِي هَذِهِ الْمَقَالَةِ أَهِلُ الظَّاهِرِ فَضَلَّلُوا السَّلَفَ، فِي الرَّأْيِ بِالْقَوْلِ بِالرَّأْيِ وَالْقِيَاسِ وَرَجَعُوا عَنِ الِاسْتِقَامَةِ إِلَى الِانْتِكَاسِ. الْحَدِيثُ الرَّابِعُ بَعْدَ الثَّلَاثِينَ: حَدِيثُ سُوَيْدِ بْنِ غَفَلَةَ قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: إِذَا حَدَّثْتُكُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَلَأَنْ أَخِرَّ مِنَ السَّمَاءِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَكْذِبَ عَلَيْهِ، وَإِذَا حَدَّثْتُكُمْ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ، فَإِنَ الْحَرْبَ خُدْعَةٌ، سَمِعْتُ النَّبِيَّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: "يَأْتِي فِي آخِرِ الزَّمَانِ قَوْمٌ حُدَثَاءُ الْأَسْنَانِ، سُفَهَاءُ الْأَحْلَامِ، يَقُولُونَ مِنْ خَيْرِ قَوْلِ الْبَرِيَّةِ، يَمْرُقُونَ مِنَ الْإِسْلَامِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، لَا يُجَاوِزُ إِيمَانُهُمْ حَنَاجِرَهُمْ، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ، فَإِنَّ قَتْلَهُمْ خَيْرٌ لِمَنْ قَتَلَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ". وَ(خَدْعَةٌ) بِفَتْحِ الْخَاءِ عَلَى أَفْصَحِ اللُّغَاتِ، أَيْ: مَقْضِيٌّ أَمْرُهَا بِخَدْعَةٍ وَاحِدَةٍ. وَمَعْنَى: ("يَقُولُونَ مِنْ خَيْرِ قَوْلِ الْبَرِيَّةِ") أَيْ: يُجِيدُونَ الْقَوْلَ وَيُسِيئُونَ الْعَمَلَ. وَقَوْلُهُ: ("فَإِنْ قَتَلَهُمْ هُوَ لِمَنْ قَتَلَهُمْ خَيْرٌ.. ") إِلَى آخِرِهِ يُرِيدُ; لِأَنَّهُمْ يَشْغَلُونَ عَنِ الْجِهَادِ; وَلِفَسَادِهِمْ، وَسَعْيِهِمْ فِي افْتِرَاقِ كَلِمَةِ الْمُسْلِمِينَ. وَظَاهِرُ قَوْلِهِ: ("لَا يُجَاوِزُ") إِلَى آخِرِهِ أَنَّهُمْ غَيْرُ مُؤْمِنِينَ; لِأَنَّ مَحَلَّ الْإِيمَانِ الْقَلْبُ، وَاحْتَجَّ مَنْ نَفَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ("وَتَتَمَارَى فِي الْفَوْقِ") يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ لَمْ يُخْرِجْهُمْ مِنَ الْإِيمَانِ جُمْلَةً. الْحَدِيثُ الْخَامِسُ بَعْدَ الثَّلَاثِينَ: حَدِيثُ خَبَّابِ بْنِ الْأَرَتِّ قَالَ: شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَهْوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً لَهُ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ، فَقُلْنَا: أَلَا تَسْتَنْصِرُ لَنَا؟ أَلَا تَدْعُو اللَّهَ لَنَا؟ قَالَ: "كَانَ الرَّجُلُ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ يُحْفَرُ لَهُ فِي الْأَرْضِ فَيُجْعَلُ فِيهَا، فَيُجَاءُ (بِالْمِيشَارِ) فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ فَيُشَقُّ بِاثْنَتَيْنِ، وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَاللَّهِ لَيُتِمَّنَّ هَذَا الْأَمْرَ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ، لَا يَخَافُ إِلَّا اللَّهَ أَوِ الذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ، وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ". أَخْبَرَهُمُ الشَّارِعُ بِذَلِكَ; لِيَقْوَى صَبْرُهُمْ عَلَى الْأَذَى. وَالْمِنْشَارُ: رُوِيَ بِالنُّونِ، مَنْ نَشَرْتُ الْخَشَبَةِ وَبِالْيَاءِ مَهْمُوزٌ تَقُولُ: أَنْشَرْتُ الْخَشَبَةَ بِالْمِيشَارِ وَمِفْعَالٌ مِنْ ذَلِكَ، وَيَصِحُّ أَنْ يُقْرَأَ بِغَيْرِ هَمْزٍ ذَكَرَهُ كُلَّهُ ابْنُ التِّينِ: وَصَنْعَاءُ وَحَضْرَمَوْتُ بَلَدَانِ بِالشَّامِ وَصَنْعَاءَ بِالْيَمَنِ. الْحَدِيثُ السَّادِسُ بَعْدَ الثَّلَاثِينَ: حَدِيثُ مُوسَى بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَنَسٍ: أَنَّهُ- عَلَيْهِ السَّلَامُ- افْتَقَدَ ثَابِتَ بْنَ قَيْسٍ، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَا أَعْلَمُ لَكَ عِلْمَهُ. فَأَتَاهُ فَوَجَدَهُ جَالِسًا فِي بَيْتِهِ مُنَكِّسًا رَأْسَهُ، فَقَالَ: مَا شَأْنُكَ؟ فَقَالَ: شَرٌّ، كَانَ يَرْفَعُ صَوْتَهُ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ، وَهْوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ. فَأَتَى الرَّجُلُ فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ قَالَ كَذَا وَكَذَا. فَقَالَ مُوسَى بْنُ أَنَسٍ: رَجَعَ الْمَرَّةَ بِبِشَارَةٍ عَظِيمَةٍ، فَقَالَ: "اذْهَبْ إِلَيْهِ فَقُلْ لَهُ: إِنَّكَ لَسْتَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَلَكِنْ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ". وَالْبِشَارَةُ بِكَسْرِ الْبَاءِ وَضَمِّهَا، وَفِي كِتَابِ ابْنِ فَارِسٍ وَالْهَرَوِيِّ الضَّبْطُ بِالْكَسْرِ، تَقُولُ: بَشَّرْتُ فُلَانًا أُبَشِّرُهُ تَبْشِيرًا وَهِيَ بِالْخَيْرِ وَالشَّرِّ، قَالَ تَعَالَى: بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا [النِّسَاءِ: 138] فَإِذَا أُطْلِقَتْ فَلِلْخَيْرِ خَاصَّةً، النِّذَارَةُ لِغَيْرِهِ، وَفِي غَيْرِ هَؤُلَاءِ قَالَ ثَابِتٌ: أَخْشَى أَنْ أَكُونَ قَدْ هَلَكْتُ. فَقَالَ النَّبِيُّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ("وَمَا ذَاكَ؟ ") فَقَالَ: نَهَانَا اللَّهُ أَنْ نَرْفَعَ صَوْتَنَا فَوْقَ صَوْتِكَ وَأَنَا جَهِيرٌ، وَنُهِيتُ عَنِ الْخُيَلَاءِ وَأَنَا رَجُلٌ أُحِبُّ الْجَمَّالَ، وَنُهِيتُ عَنِ الْحَسَدِ وَمَا أُحِبُّ أَنْ يَفُوقَنِي رَجُلٌ بِشِسْعِ نَعْلِي، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "أَمَا تَرْضَى أَنْ تَعِيشَ سَعِيدًا وَتَمُوتَ شَهِيدًا وَتَدْخُلَ الْجَنَّةَ" وَلَعَلَّهُ كَانَ يَرْفَعُ صَوْتَهُ طَبْعًا لَا يُرِيدُ الْجَهْرَ عَلَيْهِ وَلَا التَّكَبُّرَ، وَيُحِبُّ الْجَمَالَ; لِيَتَأَهَّبَ لِلْوُقُوفِ بَيْنَ يَدَيِ الرَّبِّ لَيْسَ يُحَقِّرُ مِنْ دُونِهِ وَمَا يُحِبُّ أَنْ يَفُوقَهُ أَحَدٌ، وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ: يَذْهَبُ إِلَى مَا فِي الذِّهْنِ "لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ.. " الْحَدِيثَ، وَقَالَ تَعَإِلَى وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ [الْمُطَفِّفِينَ: 26]. الْحَدِيثُ السَّابِعُ بَعْدَ الثَّلَاثِينَ: حَدِيثُ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا-: قَرَأَ رَجُلٌ الْكَهْفَ وَفِي الدَّارِ الدَّابَّةُ، فَجَعَلَتْ تَنْفِرُ، فَسَلَّمَ، فَإِذَا ضَبَابَةٌ-أَوْ سَحَابَةٌ- غَشِيَتْهُ، فَذَكَرَهُ لِرَسُولِ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ: "اقْرَأْ فُلَانُ، فَإِنَّهَا السَّكِينَةُ نَزَلَتْ لِلْقُرْآنِ". هَذَا الرَّجُلُ هُوَ أُسِيدُ بْنُ الْحُضَيْرِ بْنِ سَمَّاكِ بْنِ عَتِيكِ بْنِ امْرِئِ الْقَيْسِ بْنِ عَبْدِ الْأَشْهَلِ الْأَشْهَلِيُّ أَحَدُ النُّقَبَاءِ لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ. الضَّبَابَةُ: قَالَ ابْنُ فَارِسٍ: كُلُّ شَيْءٍ كَالْغُبَارِ، وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ: قَرِيبٌ مِنَ السَّحَابِ، وَهُوَ الْغَمَامُ الَّذِي لَا يَكُونُ فِيهِ نَظَرٌ، وَإِنَّمَا شَكَّ الْمُحَدِّثُ أَيَّ اللَّفْظَيْنِ قَالَ. وَفِيهِ: أَنَّ مَنْ سِوَى بَنِي آدَمَ يَسْمَعُونَ الْقُرْآنَ. وَقَوْلُهُ: ("فَإِنَّهَا السَّكِّينَةُ نَزَلَتْ") قِيلَ: هِيَ رِيحٌ لَفَّافَةٌ وَلَهَا وَجْهٌ، وَقَدْ يُرِيدُ الْمَلَائِكَةَ نَزَلَتْ وَعَلَيْهِمُ السِّكِّينَةُ، وَيَأْتِي فِي التَّفْسِيرِ أَيْضًا. الْحَدِيثُ الثَّامِنُ بَعْدَ الثَّلَاثِينَ: حَدِيثُهُ أَيْضًا قَالَ: جَاءَ أَبُو بَكْرٍ- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- إِلَى أَبِي فِي مَنْزِلِهِ، فَاشْتَرَى مِنْهُ رَحْلًا، فَقَالَ لِعَازِبٍ: ابْعَثِ ابْنَكَ.. الْحَدِيثَ. وَمَعَنَا: (أَسْرَيْنَا لَيْلَتَنَا): سِرْنَا لَيْلًا، يُقَالُ: سَرَى وَأَسْرَى بِمَعْنَى، قَالَ: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ [الْإِسْرَاءِ: 1] وَقَالَ: (وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِي) [الْفَجْرِ: 4]. وَقَوْلُهُ: (مِنَ الْغَدِ) أَيْ: سِرْنَا مِنَ الْغَدِ وَقَوْلُهُ: (حَتَّى قَامَ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ) يَعْنِي: نِصْفَ النَّهَارِ. وَقَوْلُهُ: (وَخَلَا الطَّرِيقُ) يَدُلُّ أَنَّهُ كَانَ فِي زَمَنِ الْحَرِّ، وَقَدْ قِيلَ فِي قَوْلِهِ: عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا [الْقَصَصِ: 15] أَيْ نِصْفُ النَّهَارِ، وَقَوْلُهُ: (فَرُفِعَتْ لَنَا صَخْرَةٌ طَوِيلَةٌ) أَيْ: ظَهَرَ لَنَا أَعْلَاهَا، ثُمَّ ظَهَرَ جَمِيعُهَا، وَالْفَرْوَةُ: الَّتِي تُلْبَسُ مِنْ جُلُودٍ. وَقَوْلُهُ: (وَأَنَا أَنْفُضُ لَكَ مَا حَوْلَكَ) أَيْ: أَحْرُسُكَ وَأَطُوفُ هَلْ أَرَى أَحَدًا مِنَ الطَّلَبِ يُقَالُ: نَفَضْتُ الْمَكَانَ وَاسْتَنْفَضْتُهُ وَنَفَضْتُهُ: نَظَرْتُ جَمِيعَ مَا فِيهِ، وَيُقَالُ: إِذَا تَكَلَّمْتَ لَيْلًا فَاخْفِضْ وَإِذَا تَكَلَّمْتَ نَهَارًا فَانْفُضْ، أَيِ: الْتَفِتْ هَلْ تَرَى مَنْ تَكْرَهُ، وَاسْتَنْفَضَ الْقَوْمُ: بَعَثُوا النَّفِيضَةَ وَهِيَ الطَّلِيعَةُ، وَالنُّفْضَةُ بِالتَّحْرِيكِ: الْجَمَاعَةُ يُبْعَثُونَ فِي الْأَرْضِ لِيَنْظُرُوا هَلْ فِيهَا عَدُوٌّ أَوْ خَوْفٌ؟ وَقَوْلُهُ: (فَقَالَ لِرَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَوْ مَكَّةَ) فِي غَيْرِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ: لِرَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ. وَقَوْلُهُ: (انْفُضِ الضَّرْعَ مِنَ التُّرَابِ وَالشَّعْرِ وَالْقَذَى) الْقَذَى: فِي الْعَيْنِ، يُقَالُ: قُذِيَتْ عَيْنُهُ إِذَا صَارَ فِيهَا الْقَذَى، كَأَنَّهُ شَبَّهَ مَا يَصِيرُ فِي الضَّرْعِ مِنَ الْأَوْسَاخِ بِالْقَذَى فِي الْعَيْنِ. وَقَوْلُهُ: (فَحَلَبَ فِي قَعْبِ كُثْبَةٍ مِنْ لَبَنٍ) الْقَعْبُ: الْقَدَحُ الضَّخْمُ، وَالْكُثْبَةُ: الْقَلِيلُ مِنَ اللَّبَنِ، وَقَالَ ابْنُ فَارِسٍ: هِيَ الْقِطْعَةُ مِنَ اللَّبَنِ وَمِنَ التَّمْرِ. قَالَ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ; لِاجْتِمَاعِهَا. وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ (...) كَالْقَدَحِ وَنَحْوِهِ. وَقَالَ أَبُو زَيْدٍ فِي "الصَّحَاحِ": مِثْلَ الْقَدَحِ. وَقِيلَ وَهِيَ قِدْرُ الْحَلْبَةِ. وَقَالَ الْهَرَوِيُّ وَالْقَزَّازُ: كُلُّ مَا جَمَعْتُهُ مِنْ طَعَامٍ أَوْ لَبَنٍ أَوْ غَيْرِهِمَا فَهِيَ كُثْبَةٌ. قَالَ الْهَرَوِيُّ بَعْدَ أَنْ يَكُونَ قَلِيلًا. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي بَابِ الْهِجْرَةِ: قَوْلُهُ: كِنْفَةٌ مِنْ لَبَنٍ هَكَذَا قَالَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، وَهُوَ غَلَطٌ إِنَّمَا هُوَ: كُثْبَةٌ مِنْ لَبَنٍ. يُرِيدُ الْقَلِيلَ مِنْهُ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ قَبْلُ. وَالْإِدَاوَةُ: تَعْمَلُ مِنْ جُلُودٍ يَسْتَعْمِلُهَا الْمُسَافِرُ. وَقَوْلُهُ: (فَشَرِبَ حَتَّى رَضِيتُ) أَيْ: طَابَتْ نَفْسِي لِكَثْرَةِ مَا شَرِبَ. وَقَوْلُهُ: (أَلَمْ يَأْنِ لِلرَّحِيلِ) أَيْ: أَلَمْ يَحِنْ وَقْتُهُ. وَقَوْلُهُ: (فَارْتَطَمَتْ بِهِ فَرَسُهُ إِلَى بَطْنِهَا) أَيْ سَاخَتْ قَوَائِمُهَا كَمَا تَسُوخُ فِي الْوَحْلِ، وَرَطَمْتُ الشَّيْءَ إِذَا أَدْخَلْتُهُ فَارْتَطَمَ بِالطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ. وَفِي رِوَايَةٍ: كَانَ لَهَا فِي ذَلِكَ كَالدُّخَانِ، وَأَنَّهُ- عَلَيْهِ السَّلَامُ- أَمَرَ الصِّدِّيقَ فَكَتَبَ لَهُ فِي أَدِيمٍ أَحْمَرَ. وَفِي الْبُخَارِيِّ بَعْدَ هَذَا: كَتَبَهُ لَهُ عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ. قَالَ غَيْرُهُ بَعْثَهُ بِهَا يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ بِالْجُعْرَانَةِ، فَكَانَ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ يَطْلُبُهَا وَفِي آخِرِهِ يَكْتَنِفُ النَّاسُ عَنْهَا. وَذَكَرَ فِي آخِرِهِ هُنَا نَحْوَهُ. وَقَوْلُهُ: (أَرَى فِي جِلْدٍ مِنَ الْأَرْضِ) الْجِلْدُ: الْأَرْضُ الصُّلْبَةُ الْمُسْتَوِيَةُ الْمَتْنَ الْغَلِيظَةُ وَهِيَ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَاللَّامِ. الْحَدِيثُ التَّاسِعُ بَعْدَ الثَّلَاثِينَ: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- أَنَّ النَّبِيَّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- دَخَلَ عَلَى أَعْرَابِيٍّ يَعُودُهُ-قَالَ: وَكَانَ النَّبِيُّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِذَا دَخَلَ عَلَى مَرِيضٍ يَعُودُهُ قَالَ لَهُ: "لَا بَأْسَ، طَهُورٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ"-. قَالَ: قُلْتُ: طَهُورٌ! كَلَّا بَلْ هِيَ حُمَّى تَفُورُ-أَوْ تَثُورُ- عَلَى شَيْخٍ كَبِيرٍ، تُزِيرُهُ الْقُبُورَ. فَقَالَ النَّبِيُّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "فَنَعَمْ إِذًا". قَوْلُهُ: ("لَا بَأْسَ طَهُورٌ") فِيهِ "دَلَالَةٌ أَنَّ الطَّهُورَ هُوَ الْمُطَهَّرُ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ فِي قَوْلِهِ: الطَّهُورُ هُوَ الطَّاهِرُ. وَقَوْلُهُ: ("إِنْ شَاءَ اللَّهُ") بِمَعْنَى الدُّعَاءِ فَأَبَى الْأَعْرَابِيُّ وَسَخَطَهُ، فَصَدَّقَهُ الشَّارِعُ أَنَّهُ يَمُوتُ مِنْ ذَلِكَ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الشَّارِعُ عَلِمَ أَنَّهُ سَيَمُوتُ مِنْ مَرَضِهِ قَبْلَ قَوْلِهِ لَهُ: "طَهُورٌ" فَدَعَا لَهُ بِتَغْفِيرِ ذُنُوبِهِ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أُخْبِرَ بِذَلِكَ قَبْلَ مَوْتِهِ وَبَعْدَ قَوْلِهِ. الْحَدِيثُ الْأَرْبَعُونَ: حَدِيثُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ أَنَسٍ- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: كَانَ رَجُلٌ نَصْرَانِيًّا فَأَسْلَمَ وَقَرَأَ الْبَقَرَةَ وَآلَ عِمْرَانَ، فَكَانَ يَكْتُبُ لِرَسُولِ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَعَادَ نَصْرَانِيًّا، فَكَانَ يَقُولُ: مَا يَدْرِي مُحَمَّدٌ إِلَّا مَا كَتَبْتُ لَهُ. فَأَمَاتَهُ اللَّهُ، فَدَفَنُوهُ، فَأَصْبَحَ وَقَدْ لَفَظَتْهُ الْأَرْضُ، ثُمَّ عَادُوا فَلَفَظَتْهُ الْأَرْضُ، ثُمَّ عَادُوا وَأَعْمَقُوا فَلَفَظَتْهُ فَعَلِمُوا أَنَّهُ لَيْسَ مِنَ النَّاسِ فَأَلْقَوْهُ. هَذَا الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: كَانَ مِنَّا رَجُلٌ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ قَدْ قَرَأَ الْبَقَرَةَ وَآلَ عِمْرَانَ، وَكَانَ يَكْتُبُ لِرَسُولِ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-. نُقِلُّ نَحْوُهُ فِي كِتَابِ الْمُنَافِقِينَ. (لَفِظَتْهُ الْأَرْضُ)-بِكَسْرِ الْفَاءِ وَفَتْحِهَا-أَيْ طَرَحَتْهُ وَرَمَتْهُ. وَقَالَ الْقَزَّازُ فِي "جَامِعِهِ": كُلُّ مَا طَرَحْتَهُ مِنْ يَدِكَ فَقَدْ لَفَظْتَهُ. لَا تُقَالُ بِكَسْرِ الْفَاءِ إِنَّمَا تُقَالُ بِالْفَتْحِ. وَإِنَّمَا فُعِلَ بِذَلِكَ لِتَقُومَ الْحُجَّةُ عَلَى مَنْ قَرَأَهُ وَيَدُلُّ عَلَى صِدْقِ الشَّارِعِ. الْحَدِيثُ الْحَادِي بَعْدَ الْأَرْبَعِينَ: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: "إِذَا هَلَكَ كِسْرَى فَلَا كِسْرَى بَعْدَهُ، وَإِذَا هَلَكَ قَيْصَرُ فَلَا قَيْصَرَ بَعْدَهُ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَتُنْفِقُنَّ كُنُوزَهُمَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ". وَقَدْ سَلَفَ. وَالْمُرَادُ أَنَّهُ لَا يُجْمَعُ مِلْكُ قَوْمِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِرَجُلٍ وَاحِدٍ، وَذَلِكَ أَوْهَنُ لِمَلِكِهِمْ لِغَلَبَةِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى مَنْ يَتَغَلَّبُوا عَلَيْهِ; لِأَنَّ الْأُمَمَ إِذَا انْتَشَرَتْ وَلَمْ يَضْبِطْهَا مَلِكٌ وَهِيَ أَمْرُهَا. وَقَوْلُهُ: ("وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ") خُصَّتْ بِذَلِكَ لِشَرَفِهَا، وَكَذَا وَأَنْفُسِ الْخَلْقِ. وَفِيهِ: الْإِخْبَارُ عَمَّا كَانَ بَعْدَهُ وَقَدْ وَقَعَ، لِلَّهِ الْحَمْدُ. الْحَدِيثُ الثَّانِي بَعْدَ الْأَرْبَعِينَ: حَدِيثُ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- وَهُوَ عَامِرُ بْنُ سُوَاءَةَ حَلِيفُ بَنِي زُهْرَةَ وَخَالُهُ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ مَاتَ بِالْكُوفَةِ سَنَةَ (أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ) فِي وِلَايَةِ بِشْرٍ وَقِيلَ: سَنَةَ سِتٍّ وَسِتِّينَ وَهُوَ ابْنُ عَمِّ أَبِي جُحَيْفَةَ وَهْبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ السُّوَائِيِّ. الْحَدِيثُ الثَّالِثُ بَعْدَ الْأَرْبَعِينَ: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا-: قَدِمَ مُسَيْلِمَةُ الْكَذَّابُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ-صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَجَعَلَ يَقُولُ: إِنْ جَعَلَ لِي مُحَمَّدٌ الْأَمْرَ مِنْ بَعْدِهِ تَبِعْتُهُ.. الْحَدِيثَ بِطُولِهِ. وَفِيهِ: أَنَّهُ كَانَ لَا يُحَارِبُ قَوْمًا إِلَّا بِإِذْنٍ عَمَلًا بِقَوْلِهِ: "وَلَنْ تَعْدُوَ أَمْرَ اللَّهِ فِيكَ" يَعْنِي أَنَّ لَهُ عِدَةً يَبْلُغُهَا. وَفِيهِ: أَنَّ رُؤْيَا الْأَنْبِيَاءِ حَقٌّ. وَفِيهِ: إِتْيَانُ الشَّارِعِ مَنْ يَدْعُوهُ إِلَى الْإِسْلَامِ لِيُبَلِّغَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ. وَالْعَنْسِيُّ-بِالنُّونِ-وَهُوَ الْأَسْوَدُ الْكَذَّابُ، وَكَانَ تَنَبَّأَ طُلَيْحَةُ، ثُمَّ أَسْلَمَ وَأَتَى عُمَرَ- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- فَقَالَ لَهُ عُمْرُ: وَاللَّهِ مَا أُحِبُّكَ. فَقَالَ لَهُ طُلَيْحَةُ: لَيْسَ أَسْأَلُكَ الْوُدَّ، قَدْ يَتَعَاشَرُ النَّاسُ عَلَى السِّبَابِ قَالَ لَهُ عُمَرُ: صَدَقْتَ. وَكَانَ تَنَبَّأَ الْحَارِثُ عَلَى عَهْدِ عَبْدِ الْمَلِكِ (...) طَعَنَهُ بِالْحَرْبَةِ. وَإِمْسَاكُهُ- عَلَيْهِ السَّلَامُ- الْقِطْعَةَ مِنَ الْجَرِيدِ; لِأَنَّهُ كَانَ يَسْتَحِبُّ ذَلِكَ: وَيُقَالُ إِنَّهَا الْمِخْصَرَةُ وَالْقَضِيبُ. وَقَوْلُهُ: ("لَنْ تَعْدُوَ") هَكَذَا هُوَ بِالنَّصْبِ، وَهُوَ الصَّوَابُ لِأَجْلِ (لَنْ) فَإِنَّهَا تَنْصِبُ الْمُسْتَقْبَلَ. وَوَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ: (تَعْدُ) وَهُوَ جَارٍ عَلَى لُغَةِ أَنَّهَا تُجْزَمُ. وَقَوْلُهُ: ("رَأَيْتُ فِي يَدِي سُوَارَيْنِ مِنْ ذَهَبٍ") السُّوَارُ بِضَمِّ السِّينِ، وَكَسْرِهَا وَيُقَالُ لَهُ: أُسْوَارٌ كَمَا فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ. وَقَوْلُهُ: "مِنْ ذَهَبٍ" هُوَ لِلتَّأْكِيدِ; لِأَنَّ السُّوَارَ لَا يَكُونُ إِلَّا مِنْ ذَهَبَ، فَإِنْ كَانَ مِنْ فِضَّةٍ فَهُوَ قَلْبٌ. وَتَأْوِيلُ ("نَفَخْتُهُمَا") أَنَّهُمَا قُتِلَا بِرُمْحِهِ; لِأَنَّهُمَا لَمْ يَغُزْهُمَا بِنَفْسِهِ. وَالذَّهَبُ زُخْرُفٌ يَدُلُّ عَلَى زُخْرُفِهِمَا، وَدَلَّا بِلَفْظِهِمَا عَلَى مَلِكَيْنِ; لِأَنَّ الْأَسَاوِرَةَ هُمُ الْمُلُوكُ، وَبِمَعْنَاهُمَا عَلَى التَّضَيُّقِ; لِكَوْنِ السُّوَارِ مُضَيِّقًا عَلَى الذِّرَاعِ.قَوْلُهُ: ("وَلَئِنْ أَدْبَرْتَ لَيَعْقِرَنَّكَ اللَّهُ") أَيْ: لِيُهْلِكَنَّكَ، وَأَصْلُهُ: عَقَرْتُ الْفَرَسَ بِالسَّيْفِ إِذَا ضَرَبْتُ قَوَائِمَهُ فَعَرْقَبْتُهُ، وَكَذَلِكَ عَقَرْتُ النَّخْلَةَ إِذَا قَطَعْتَ رَأْسَهَا فَيَبِسَتْ. وَمُسَيْلِمَةُ-بِكَسْرِ اللَّامِ- صَاحِبُ الْيَمَامَةِ، قَتَلَهُ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ وَوَحْشِيٌّ فِي خِلَافَةِ الصِّدِّيقِ وَافْتَتَحَ الْيَمَامَةَ بِصُلْحٍ، وَاسْتُشْهِدَ بِهَا أَلْفٌ وَمِائَةٌ وَقِيلَ أَرْبَعُمِائَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ. الْحَدِيثُ الرَّابِعُ بَعْدَ الْأَرْبَعِينَ: حَدِيثُ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-أُرَاهُ- عَنِ النَّبِيِّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: "رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أُهَاجِرُ مِنْ مَكَّةَ إِلَى أَرْضٍ بِهَا نَخْلٌ، فَذَهَبَ وَهْلِي إِلَى أَنَّهَا الْيَمَامَةُ أَوِ الْهَجَرُ، فَإِذَا هِيَ الْمَدِينَةُ يَثْرِبُ.. ". الْحَدِيثَ. ("وَهْلِي"): بِإِسْكَانِ الْهَاءِ وَفَتْحِهَا، وَذَلِكَ جَائِزٌ مِثْلَ نَهْرٍ وَنَهَرٍ، وَشَعْرٍ وَشَعَرَ، وَأَمْثَالُ ذَلِكَ نَبَّهَ عَلَيْهِ ابْنُ التِّينِ. وَمَعْنَى: وَهَلْتُ إِلَى الشَّيْءِ: ذَهَبَ وَهْمِي إِلَيْهِ، قَالَ الْهَرَوِيُّ: وَمِنْهُ قَوْلُ ابْنَ عُمَرَ: وَهَلَ أَنَسٌ. أَيْ: غَلِطَ، يُقَالُ: وَهَلْ يَهِلُ: وَهَمَ إِلَى الشَّيْءِ يَهِمُ وَهْلًا وَوَهْمًا. قَالَ ابْنُ فَارِسٍ: وَهَلْتُ إِلَى الشَّيْءِ: ذَهَبَ وَهْمِي إِلَيْهِ. ضَبَطَهُ بِفَتْحِ الْهَاءِ. وَذَكَرَ عَنْ أَبِي زَيْدٍ وَهَلْتُ إِلَى الشَّيْءِ، وَعَنْهُ (أَيْهَلَ) وَهْلًا إِذَا نَسِيتُ وَغَلِطْتُ، فِيهِ ضَبْطُهُ بِكَسْرِ الْهَاءِ. وَالْيَمَامَةُ -بِفَتْحِ الْيَاءِ وَالْمِيمِ- مَدِينَةٌ بِقُرْبِ الْيَمَنِ عَلَى أَرْبَعِ مَرَاحِلَ مِنْ مَكَّةَ وَمَرْحَلَتَيْنِ مِنَ الطَّائِفِ، قِيلَ: سُمِّيَتْ بِاسْمِ جَارِيَةٍ زَرْقَاءَ كَانَتْ تُبْصِرُ الرَّاكِبَ مِنْ مَسِيرَةِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، فَقَالَ: هُوَ أَبْصَرُ مِنْ زَرْقَاءِ الْيَمَامَةِ، فَسُمِّيَتِ الْيَمَامَةُ لِكَثْرَةِ مَا أُضِيفَ إِلَيْهَا، وَالنِّسْبَةُ إِلَيْهَا يَمَامِيُّ. وَهَجْرُ: مَدِينَةٌ بِالْيَمَنِ وَهِيَ قَاعِدَةُ الْبَحْرَيْنِ بِفَتْحِ الْهَاءِ وَالْجِيمِ، وَيُقَالُ: الْهَجَرُ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْبَحْرِينِ عَشْرُ مَرَاحِلَ. وَفِيهِ: تَسْمِيَةُ الْمَدِينَةِ يَثْرِبُ، وَقَدْ نُهِيَ عَنِ التَّسْمِيَةِ بِهَا حَتَّى قِيلَ: مَنْ قَالَهَا وَهُوَ عَالِمٌ كُتِبَتْ عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ. وَسَبَّبَهُ مَا فِيهِ مِنْ مَعْنَى التَّثْرِيبِ، وَالشَّارِعُ مِنْ شَأْنِهِ تَغْيِيرُ الْأَسْمَاءِ الْقَبِيحَةِ إِلَى الْحَسَنَةِ. وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ هَذَا قَبْلَ النَّهْيِ. كَمَا قِيلَ: إِنَّهُ سَمَّاهَا فِي الْقُرْآنِ بِهِ إِخْبَارًا عَنْ تَسْمِيَةِ الْكَفَّارِ لَهَا قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ تَسْمِيَتَهَا دَارَ الْإِيمَانِ، وَوَسَمَهَا بِطَابَةَ لِتَكُونَ دَاعِيَةً لِإِيطَابِهَا لِلْمُسْلِمِينَ وَاسْتِطَابَةِ الْعَيْشِ بِهَا. وَفِيهِ: تَأْخِيرُ الْبَيَانِ إِلَى وَقْتِ الْحَاجَةِ إِذَا لَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُ مِنْ حِينِ رَأَى أَنَّهَا الْمَدِينَةُ. قَوْلُهُ: ("فَإِذَا هُوَ مَا جَاءَ اللَّهُ بِهِ مِنَ الْفَتْحِ وَاجْتِمَاعِ الْمُؤْمِنِينَ") أَيْ بَعْدَ أُحُدٍ. وَفِيهِ: أَنَّ الْبَقَرَ يُعَبَّرُ بِالرِّجَالِ، فَإِنَّهُ قَالَ: "وَرَأَيْتُ فِيهَا بَقَرًا وَاللَّهُ خَيْرٌ، فَإِذَا هُمُ الْمُؤْمِنُونَ يَوْمَ أُحُدٍ" وَعَبَّرَهَا فِي الْقُرْآنِ بِالسِّنِينَ، فَهِيَ تَدُلُّ عَلَى أَشْيَاءَ كُلٌّ تَأَوَّلَهُ مَا يَلِيقُ بِهَا. وَقَوْلُهُ: ("وَثَوَابُ الصِّدْقِ الَّذِي آتَانَا اللَّهُ بَعْدَ يَوْمِ بَدْرٍ") يُرِيدُ وَقْعَةَ أُحُدٍ، وَلَا يُرِيدُ مَا كَانَ قَبْلَ أُحُدٍ. وَقَوْلُهُ: "ثُمَّ هَزَزْتُهُ أُخْرَى فَعَادَ أَحْسَنَ مَا كَانَ" (...). الْحَدِيثُ الْخَامِسُ بَعْدَ الْأَرْبَعِينَ: حَدِيثُ عَائِشَةَ- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا-: أَقْبَلَتْ فَاطِمَةُ- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- تَمْشِي، كَأَنَّ مِشْيَتَهَا مِشْيَةُ النَّبِيِّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "مَرْحَبًا بِابْنَتِي". ثُمَّ أَجْلَسَهَا عَنْ يَمِينِهِ-أَوْ عَنْ شِمَالِهِ- ثُمَّ أَسَرَّ إِلَيْهَا حَدِيثًا، فَبَكَتْ، فَقُلْتُ لَهَا: لِمَ تَبْكِينَ؟ ثُمَّ أَسَرَّ إِلَيْهَا حَدِيثًا، فَضَحِكَتْ.. الْحَدِيثَ. وَفِيهِ: أَنَّ بُكَاءَهَا إِخْبَارُهُ بِحُضُورِ أَجْلِهِ "وَإِنَّكَ أَوَّلُ أَهْلِ بَيْتِي لَحَاقًا بِي" وَضَحَّكَهَا بِقَوْلِهِ: "أَلَا تَرْضَيْنَ أَنْ تَكُونِي سَيِّدَةَ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ" أَوْ "نِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ" ثُمَّ سَاقَهُ عَنْهَا بِنَحْوِهِ وَسَيَأْتِي أَيْضًا. وَفِيهِ: أَنَّهَا بَكَتْ لِقَبْضِهِ فِي وَجَعِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، وَأَنَّهَا ضَحِكَتْ; لِإِخْبَارِهِ أَنَّهَا أَوَّلُ أَهْلِ بَيْتِهِ يَتْبَعُهُ. قَوْلُهُ: (كَأَنَّ مِشْيَتَهَا مِشْيَةُ رَسُولِ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-)، كَانَ- عَلَيْهِ السَّلَامُ- إِذَا مَشَى كَأَنَّهُ يَنْحَدِرُ مِنْ صَبَبٍ وَهُوَ دَالٌّ عَلَى فَضْلِهَا. قَالَ- عَلَيْهِ السَّلَامُ- لِجَعْفَرٍ: "أَشْبَهْتَ خَلْقِي وَخُلُقِي" وَفِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّهَا ضَحِكَتْ; لِإِخْبَارِهِ لَهَا أَنَّهَا سَيِّدَةُ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَوْ نِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ، وَفِي الثَّانِيَةِ; لِأَنَّهَا أَوَّلُ أَهْلِ بَيْتِهِ يَتْبَعُهُ. وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى أَنَّهَا بَكَتْ مِنْهُ وَمِنْ قَوْلِهِ: "مَا أَرَاهُ إِلَّا حَضَرَ أَجْلِي". فَلْيُتَأَمَّلِ الْجَمْعُ. وَمَاتَتْ بَعْدَ أَبِيهَا بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ، قَالَتْ عَائِشَةُ: وَذَلِكَ فِي رَمَضَانَ، عَنْ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ سَنَةٍ، وَقِيلَ: مَاتَتْ بَعْدَهُ بِثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ. وَذَكَرَ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي آخِرِ "جَامِعِ مُخْتَصَرِهِ" أَنَّ عُمْرَهَا حِينَئِذٍ تِسْعًا وَعِشْرِينَ سَنَةً. وَفِيهِ: أَنَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّ الْبَقَاءَ بَعْدَ مَحْبُوبِهِ، قَالَ ابْنُ عُمَرَ فِي عَاصِمٍ: فَلَيْتَ الْمَنَايَا كُنَّ خَلَّفْنَ عَاصِمًا فَعِشْنَا جَمِيعًا أَوْ ذَهَبْنَ بِنَا مَعَا قِيلَ: وَمَا رُئِيَتْ فَاطِمَةُ ضَاحِكَةً بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِلَّا تَبَسُّمًا حَتَّى مَاتَتْ، وَتَبَسَّمَتْ فِيمَا قِيلَ عِنْدَ قَوْلِهَا لِامْرَأَةٍ: تَرَيْنَ مَا صَنَعَ بِيَ الْمَرَضُ، فَأَرَتْهَا مَا تَصْنَعُ عَلَى النَّعْشِ فَتَبَسَّمَتْ وَقَالَتْ: سَتَرْتِينِي سَتَرَكِ اللَّهُ. الْحَدِيثُ السَّابِعُ بَعْدَ الْأَرْبَعِينَ: حَدِيثُ أَبِي بِشْرٍ-وَاسْمُهُ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي وَحْشِيَّةَ إِيَاسٍ- عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- قَالَ: كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- يُدْنِي ابْنَ عَبَّاسٍ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: إِنَّ لَنَا أَبْنَاءً مِثْلَهُ. فَقَالَ: إِنَّهُ مِنْ حَيْثُ تَعْلَمُ. فَسَأَلَ عُمَرُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ [النَّصْرِ: 1]. فَقَالَ: أَجَلُ رَسُولِ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَعْلَمَهُ إِيَّاهُ. قَالَ: مَا أَعْلَمُ مِنْهَا إِلَّا مَا تَعْلَمُ. إِنَّمَا حَصَلَ لَهُ ذَلِكَ بِدُعَاءِ رَسُولِ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ وَعِلِّمْهُ التَّأْوِيلَ". الْحَدِيثُ الثَّامِنُ بَعْدَ الْأَرْبَعِينَ: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا-: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ بِمِلْحَفَةٍ قَدْ عُصِّبَ بِعِصَابَةٍ دَسْمَاءَ، حَتَّى جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: "أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ النَّاسَ يَكْثُرُونَ وَيَقِلُّ الْأَنْصَارُ". الْحَدِيثَ. وَالدَّسْمَاءُ: السَّوْدَاءُ عَلَى مَا قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ. وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ: هِيَ الَّتِي أُخِذَ فِيهَا الْعَرَقُ وَنَحْوُهُ. وَفِيهِ: التَّجَاوُزُ عَنِ الْهَفْوَةِ مَا لَمْ تَكُنْ حَدًّا. الْحَدِيثُ التَّاسِعُ بَعْدَ الْأَرْبَعِينَ: حَدِيثُ أَبِي مُوسَى-وَهُوَ إِسْرَائِيلُ بْنُ مُوسَى بَصْرِيٌّ كَانَ يَنْزِلُ الْهِنْدَ- عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ: أَخْرَجَ النَّبِيُّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ذَاتَ يَوْمٍ الْحَسَنَ، فَصَعِدَ بِهِ عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ: "ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ، وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ". هَذَا الْحَدِيثُ تَقَدَّمَ فِي الصُّلْحِ، وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى وِلَايَةِ الْمَفْضُولِ بِحَضْرَةِ الْفَاضِلِ. الْحَدِيثُ الْخَمْسُونَ: حَدِيثُ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّهُ- عَلَيْهِ السَّلَامُ- نَعَى جَعْفَرًا وَزَيْدًا قَبْلَ أَنْ يَجِيءَ خَبَرُهُمْ، وَعَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ. الْحَدِيثُ الْحَادِي بَعْدَ الْخَمْسِينَ: حَدِيثُ جَابِرٍ- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: "هَلْ لَكُمْ مِنْ أَنْمَاطٍ؟..". الْحَدِيثَ. وَقَدْ سَلَفَ أَيْضًا، فَأَخْبَرَ- عَلَيْهِ السَّلَامُ- أَنَّهَا سَتَكُونُ، وَدَلَّهُمْ عَلَى تَرْكِ السَّرَفِ وَابْتِغَاءِ الْقَصْدِ بَيْنَ الْأَنْمَاطِ لِيَظْهَرَ نِعْمَةُ اللَّهِ عِنْدَهُ وَلَا يُرِيدَ رِيَاءً وَلَا سُمْعَةً.

                                                                                                                                                                                                                              ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية