الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
مسند الشافعي 1267 [ 1285 ] أَبَنَا الرَّبِيعُ، أَبَنَا الشَّافِعِيُّ، وَأَبَنَا الْقَاسِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ حَفْصٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ; أَنَّ زَوْجَ بَرِيرَةَ كَانَ عَبْدًا . شرح مسند الشافعي الشَّرْحُ زَبْرَاءُ مَوْلَاةٌ لِبَنِي عَدِيٍّ. رَوَتْ عَنْ: حَفْصَةَ. وَرَوَى عَنْهَا: عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ . وَيُقَالُ أَنَّهَا كَانَتْ أَمَةً نُوبِيَّةً، وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ فِي حَدِيثِ حَفْصَةَ بَدَلُ: "وَهِيَ أَمَةٌ يَوْمَئِذٍ": "وَهِيَ أَمَةٌ نُوبِيَّةٌ". وَمُغِيثٌ زَوْجُ بَرِيرَةَ كَانَ عَبْدًا أَسْوَدَ، وَيُرْوَى أَنَّهُ كَانَ مَمْلُوكًا لِآلِ أَبِي أَحْمَدَ. وَالْقَاسِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْعُمَرِيُّ مِمَّنْ تَكَلَّمُوا فِيهِ . وَقَوْلُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: "كَانَتْ فِي بَرِيرَةَ ثَلَاثُ سُنَنٍ" تُرِيدُ بِهِ مَا رُوِيَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ غُنْدَرٍ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا أَرَادَتْ أَنْ تَشْتَرِيَ بَرِيرَةَ فَتُعْتِقُهَا وَأَرَادَ مَوَالِيهَا أَنْ يَشْتَرِطُوا الْوَلَاءَ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "اشْتَرِيهَا وَأَعْتِقِيهَا فَإِنَّ الْوَلَاءَ لِمَنْ أَعْتَقَ. قَالَتْ: وَأُتِيَ بِلَحْمٍ فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قَالُوا: هَذَا أَهْدَتْهُ إِلَيْنَا بَرِيرَةُ تُصُدِّقَ بِهِ عَلَيْهَا. فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: هُوَ لَهَا صَدَقَةٌ وَلَنَا هَدِيَّةٌ" وَخُيِّرَتْ حِينَ عُتِقَتْ. وَرَوَى مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ حُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ زَائِدَةَ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا اشْتَرَتْ بَرِيرَةَ مِنْ أُنَاسٍ مِنَ الْأَنْصَارِ وَاشْتَرَطُوا الْوَلَاءَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "الْوَلَاءُ لِمَنْ وَلِيَ النِّعْمَةَ" وَخَيَّرَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَكَانَ زَوْجُهَا عَبْدًا، وَأَهْدَتْ لِعَائِشَةَ لَحْمًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "لَوْ صَنَعْتُمْ لَنَا مِنْ هَذَا اللَّحْمِ؟" قَالَتْ عَائِشَةُ: تُصُدِّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ. فَقَالَ: "هُوَ لَهَا صَدَقَةٌ وَلَنَا هَدِيَّةٌ" . وَصَنَّفَ الْإِمَامُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ كِتَابًا فِي الْقَضَايَا الْمُتَعَلِّقَةِ بِبَرِيرَةَ. وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ الْأَمَةَ إِذَا أُعْتِقَتْ وَهِيَ تَحْتَ عَبْدٍ أَنَّ لَهَا الْخِيَارَ بَيْنَ أَنْ تُقِيمَ النِّكَاحَ وَبَيْنَ أَنْ تَفْسَخَهُ، وَإِنْ أُعْتِقَتْ وَهِيَ تَحْتَ حُرٍّ فَعِنْدَ الْأَوْزَاعِيِّ وَمَالِكٍ وَابْنِ أَبِي لَيْلَى وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ: لَا خِيَارَ لَهَا وَعِنْدَ الشَّعْبِيِّ وَالنَّخَعِيِّ وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَأَبُو حَنِيفَةَ: لَهَا الْخِيَارُ وَاحْتِجَاجًا بِمَا رُوِيَ عَنِ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ زَوْجُ بَرِيرَةَ حُرًّا، فَخَيَّرَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. لَكِنَّ رِوَايَةَ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ عَبْدًا، وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ عَنْ قُتَيْبَةَ عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيِّ عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ زَوْجُ بَرِيرَةَ عَبْدًا أَسْوَدَ، وَكَانَ يُقَالُ لَهُ: مُغِيثٌ عَبْدٌ لِبَنِي فُلَانٍ، كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ يَطُوفُ خَلْفَهَا فِي سِكَكِ الْمَدِينَةِ يَبْكِي . وَرَوَى أَيْضًا فِي الصَّحِيحِ عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ; أَنَّ زَوْجَ بَرِيرَةَ كَانَ عَبْدًا يُقَالُ لَهُ: مُغِيثٌ، كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ يَطُوفُ خَلْفَهَا يَبْكِي وَدُمُوعُهُ تَسِيلُ عَلَى لِحْيَتِهِ. فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْعَبَّاسِ: "أَلَا تَعْجَبُ مِنْ حُبِّ مُغِيثٍ بَرِيرَةَ وَبُغْضِ بَرِيرَةَ مُغِيثًا". فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "لَوْ رَاجَعْتِيهِ فَإِنَّهُ أَبُو وَلَدِكِ". قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ تَأْمُرُنِي؟ قَالَ: "لَا، إِنَّمَا أَشْفَعُ". قَالَتْ: فَلَا حَاجَةَ لِي فِيهِ . وَرَوَى ابْنُ أَبِي لَيْلَى، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ; أَنَّ زَوْجَ بَرِيرَةَ كَانَ عَبْدًا . وَرِوَايَةُ الْأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ تُعَارِضُهَا رِوَايَةُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ وَقَدْ ذَكَرْنَاهَا، [وَ] رِوَايَةُ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ زَوْجُهَا عَبْدًا، فَخَيَّرَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَوْ كَانَ حُرًّا لَمْ يُخَيِّرْهَا . رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي خَيْثَمَةَ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، عَنْ جَرِيرٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ. وَرَجَّحَتْ رِوَايَتَهُمَا; فَإِنَّهَا خَالَةُ عُرْوَةَ وَعَمَّةُ الْقَاسِمِ، وَكَانَا يَدْخُلَانِ عَلَيْهَا وَيَسْمَعَانِ مِنْ غَيْرِ حِجَابٍ، وَالْأَسْوَدُ يَسْمَعُ مِنْهَا مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ، وَكَانَتْ رِوَايَتُهُمَا أَبْعَدَ مِنَ الْغَلَطِ، وَرَوَتْ أَيْضًا عَمْرَةُ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَيَّرَهَا وَكَانَ زَوْجُهَا مَمْلُوكًا . وَعَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ [أَبِي] عُبَيْدٍ أَنَّ زَوْجَ بَرِيرَةَ كَانَ عَبْدًا . عَلَى أَنَّ أَبَا حُذَيْفَةَ رَوَى عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ. وَأَبَا جَعْفَرٍ الرَّازِيَّ رَوَى عَنِ الْأَعْمَشِ [عَنْ إِبْرَاهِيمَ] عَنِ الْأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ زَوْجَ بَرِيرَةَ كَانَ عَبْدًا . قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَلَا يُمْكِنُ قِيَاسُ مَا إِذَا عَتَقَتْ تَحْتَ عَبْدٍ; لِأَنَّ الْعَبْدَ لَا يُكَافِئُهَا بَعْدَ كَمَالِهَا بِالْعِتْقِ، وَلَا يَقْدِرُ عَلَى الْإِحْسَانِ إِلَيْهَا، وَلَا يُنْفِقُ عَلَى وَلَدِهَا مِنْهُ، وَلَا يَرِثُ وَلَا يُورَثُ، وَالْحُرُّ بِخِلَافِهِ، وَاسْتُدِلَّ بِإِثْبَاتِ الْخِيَارِ عَلَى أَنَّ زَوَالَ الْمِلْكِ عَنْهَا لَا يُخْرِجُهَا عَنْ مِلْكِ الزَّوْجِ حَتَّى يَفْسَخَ، وَقَالَ : إِذَا لَمْ يُوجِبُ خُرُوجُهَا عَنْ مِلْكِ السَّيِّدِ بِالْعِتْقِ زَوَالَ النِّكَاحِ، فَانْتِقَالُهَا مِنْ مَالِكٍ إِلَى مَالِكٍ أَوْلَى أَنْ لَا يَجِبَ زَوَالُهُ، وَرَدَّ بِذَلِكَ عَلَى مَنْ قَالَ: أَنَّ بَيْعَ الْأَمَةِ طَلَاقُهَا. قَالَ: وَبَرِيرَةُ قَدْ خَرَجَتْ مِنْ رِقِّ مَالِكِهَا إِلَى مِلْكِ عَائِشَةَ، وَمِنْ مِلْكِ عَائِشَةَ إِلَى الْعِتْقِ فَجَمَعَتِ الْخُرُوجَيْنِ مِنَ الرِّقِّ إِلَى الرِّقِّ وَمِنَ الرِّقِّ إِلَى الْعِتْقِ، ثُمَّ خَيَّرَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَهُمَا. ثُمَّ خِيَارُ الْعِتْقِ عَلَى الْفَوْرِ فِي الْقَوْلِ الْأَظْهَرِ لِلشَّافِعِيِّ حَتَّى إِذَا أَخَّرَتِ الْفَسْخَ مَعَ الْإِمْكَانِ بَطَلَ حَقُّهَا، وَفِيهِ قَوْلُ: أَنَّ لَهَا الْخِيَارَ مَا لَمْ تُمَكِّنِ الزَّوْجَ مِنَ الْوَطْءِ، لِحَدِيثِ حَفْصَةَ، وَيُرْوَى عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ فِي أَمَالِي النِّكَاحَ: وَلَا أَعْلَمُ فِي تَوْقِيتِ الْخِيَارِ شَيْئًا يُتَّبَعُ إِلَّا قَوْلَ حَفْصَةَ، وَفِي تَرْكِهَا إِيَّاهُ أَنْ يَمَسَّهَا كَالدَّلَالَةِ عَلَى تَرْكِ الْخِيَارِ. وَقَوْلُهَا: "وَلَا أُحِبُّ أَنْ تَصْنَعِي شَيْئًا" كَأَنَّهَا تُرِيدُ: وَلَا أُحِبُّ أَنْ تُفَارِقِيهِ وَلَا آمُرُكِ بِهِ، لَكِنْ أُخْبِرُكِ أَنَّ لَكِ ذَلِكَ. وَقَوْلُهَا: "فَفَارَقَتْهُ ثَلَاثًا" يَجُوزُ أَنْ تُرِيدَ بِهِ بَعْدَ ثَلَاثٍ، وَيَجُوزُ أَنْ تُرِيدَ مُفَارَقَةً مُؤَكَّدَةً كَالْمُفَارَقَةِ بِالطَّلَقَاتِ الثَّلَاثِ، وَيَجُوزُ أَنْ تُرِيدَ فَسَأَلَتْهُ الطَّلَاقَ فَفَارَقَتْهُ ثَلَاثَ طَلَقَاتٍ، وَسَيَأْتِي مَا يَدُلُّ عَلَى التَّنْزِيلِ الثَّالِثِ، وَأَثَرُ ابْنِ عُمَرَ فِي التَّوْقِيتِ بِالْمَسِيسِ يُوَافِقُ مَا ذَكَرَتْهُ حَفْصَةُ، وَيُرْوَى فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ بَرِيرَةَ; أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَيَّرَهَا وَقَالَ لَهَا: "إِنْ قَرَبَكِ فَلَا خِيَارَ لَكِ" .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية