الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                جزء صفحة
                                                معاني الآثار 670 ص: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرَةَ ، قَالَ: نَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: نَا شُعْبَةُ ، عَنِ الْحَكَمِ، قَالَ: سَمِعْتُ ذَرَّ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يُحَدِّثُ، عَنِ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى ، عَنْ أَبِيهِ: " ، أَنَّ رَجُلًا أَتَى عُمَرَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- فَقَالَ: إِنِّي كُنْتُ فِي سَفَرٍ، فَأَجْنَبْتُ، فَلَمْ أَجِدِ الْمَاءَ، فَقَالَ عُمَرُ: لَا تُصَلِّ. فَقَالَ عَمَّارٌ: : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَمَا تَذْكُرُ أَنِّي كُنْتُ أَنَا وَإِيَّاكَ فِي سَرِيَّةٍ، فَأَجْنَبْنَا فَلَمْ نَجِدِ الْمَاءَ، فَأَمَّا أَنْتَ فَلَمْ تُصَلِّ، وَأَمَّا أَنَا فَتَمَرَّغْتُ فِي التُّرَابِ، فَأَتَيْنَا النَّبِيَّ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- فَأَخْبَرْنَاهُ، فَقَالَ: أَمَّا أَنْتَ فَكَانَ يَكْفِيكَ، وَقَالَ بِيَدَيْهِ وَضَرَبَ بِهِمَا، وَنَفَخَ فِيهِمَا، وَمَسَحَ وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ". . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: فَفِعْلُ عَمَّارٌ إِذْ تَمَرَّغَ يُرِيدُ بِذَلِكَ التَّيَمُّمَ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بَعْدَ نُزُولِ الْآيَةِ، فَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ مِنْهُ - عِنْدَنَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ - لِأَنَّهُ عَمِلَ عَلَى أَنَّ التَّيَمُّمَ لِلْجَنَابَةِ غَيْرُ التَّيَمُّمِ لِلْحَدِيثِ، حَتَّى عَلَّمَهُ النَّبِيُّ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- أَنَّهُمَا سَوَاءٌ. شرح معاني الآثار ش: أَوْرَدَ هَذَا الْحَدِيثَ لِمَعْنَيَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُ نَاسِخٌ لِمَا تَقَدَّمَ مِنَ التَّيَمُّمِ إِلَى الْمَنَاكِبِ وَالْآبَاطِ. وَالثَّانِي: أَنَّ فِعْلَ عَمَّارٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَعْنِي: تَمَرُّغَهُ لِأَجْلِ التَّيَمُّمِ - إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ مِنْهُ ظَنًّا مِنْهُ أَنَّ هَذَا هُوَ تَيَمُّمُ الْجَنَابَةِ، وَأَنَّ تَيَمُّمَ الْجَنَابَةِ غَيْرُ تَيَمُّمِ الْحَدَثِ، حَتَّى عَلَّمَهُ النَّبِيُّ أَنَّهُمَا سَوَاءٌ. وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، وَأَبُو دَاوُدَ هُوَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ ، وَالْحَكَمُ هُوَ ابْنُ عُتَيْبَةَ ، وَذَرُّ - بِفَتْحِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ - بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زُرَارَةَ الْمِرْهَبِيُّ الْهَمَدَانِيُّ، رَوَى لَهُ الْجَمَاعَةُ. وَأَخْرَجَهُ الْجَمَاعَةُ: فَقَالَ الْبُخَارِيُّ: نَا آدَمُ، نَا شُعْبَةُ، ثَنَا الْحَكَمُ ، عَنْ ذَرٍّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: "جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَالَ: إِنِّي أَجْنَبْتُ فَلَمْ أُصِبِ الْمَاءَ، فَقَالَ: لَا تُصَلِّ. فَقَالَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ لِعُمْرَ: أَمَا تَذْكُرُ أَنَّا كُنَّا فِي سَفَرٍ أَنَا وَأَنْتَ؟ فَأَمَّا أَنْتَ فَلَمْ تُصَلِّ، وَأَمَّا أَنَا فَتَمَعَّكْتُ فَصَلَّيْتُ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ النَّبِيَّ -عَلَيْهِ السَّلَامُ-، فَقَالَ: إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ هَكَذَا، فَضَرَبَ بِكَفَّيْهِ الْأَرْضَ وَنَفَخَ فِيهِمَا، ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ". وَقَالَ مُسْلِمٌ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ هَاشِمٍ الْعَبْدِيُّ، قَالَ: نَا يَحْيَى - يَعْنِي: ابْنَ سَعِيدٍ الْقَطَّانَ - عَنْ شُعْبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي الْحَكَمُ ، عَنْ ذَرٍّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى ، عَنْ أَبِيهِ: "أَنَّ رَجُلًا أَتَى -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- فَقَالَ: إِنِّي أَجْنَبْتُ فَلَمْ أَجِدْ مَاءً. قَالَ: لَا تُصَلِّ. فَقَالَ عَمَّارٌ: أَتَذْكُرُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ أَنَا وَأَنْتَ فِي سَرِيَّةٍ، فَأَجْنَبْنَا فَلَمْ نَجِدْ مَاءً؟ فَأَمَّا أَنْتَ فَلَمْ تُصَلِّ، وَأَمَّا أَنَا فَتَمَعَّكْتُ فِي التُّرَابِ وَصَلَّيْتُ، وَقَالَ النَّبِيُّ -عَلَيْهِ السَّلَامُ-: إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَضْرِبَ بِيَدَيْكَ الْأَرْضَ، ثُمَّ تَنْفُخَ، ثُمَّ تَمْسَحَ بِهِمَا وَجْهَكُ وَكَفَّيْكَ. فَقَالَ عُمَرُ: اتَّقِ اللَّهَ يَا عَمَّارُ، قَالَ: إِنْ شِئْتَ لَمْ أُحَدِّثْ بِهِ". قَالَ الْحَكَمُ: وَحَدِّثْنِيهِ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى ، عَنْ أَبِيهِ، مِثْلَ حَدِيثِ ذَرٍّ، قَالَ: وَحَدَّثَنِي سَلَمَةُ ، عَنْ ذَرٍّ، فِي هَذَا الْإِسْنَادِ، وَالَّذِي ذَكَرَهُ الْحَكَمُ، فَقَالَ عُمَرُ: "نُوَلِّيكَ مَا تَوَلَّيْتَ". وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ الْعَبْدِيُّ، قَالَ: نَا سُفْيَانُ ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى، قَالَ: "كُنْتُ عِنْدَ عُمَرَ، فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: إِنَّا نَكُونُ بِالْمَكَانِ [الشَّهْرَ] أَوِ الشَّهْرَيْنِ، فَقَالَ عُمَرُ: أَمَّا أَنَا فَلَمْ أَكُنْ أُصَلِّي حَتَّى أَجِدَ الْمَاءَ. قَالَ: فَقَالَ عَمَّارٌ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَمَا تَذْكُرُ إِذْ كُنْتُ أَنَا وَأَنْتَ فِي الْإِبِلِ فَأَصَابَتْنَا جَنَابَةٌ؟ فَأَمَّا أَنَا فَتَمَعَّكَتْ، فَأَتَيْنَا النَّبِيَّ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ إِنَّمَا كَانَ [يَكْفِيكَ] أَنْ تَقُولَ هَكَذَا، وَضَرَبَ بِيَدَيْهِ إِلَى الْأَرْضِ، ثُمَّ نَفَخَهُمَا، ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ إِلَى نِصْفِ الذِّرَاعِ، فَقَالَ عُمَرُ: يَا عَمَّارُ، اتَّقِ اللَّهَ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنْ شِئْتَ - وَاللَّهِ - لَمْ أَذْكُرْهُ أَبَدًا، فَقَالَ عُمَرُ: كَلَّا وَاللَّهِ، لَنُوَلِّنَيَّكَ مِنْ ذَلِكَ مَا تَوَلَّيْتَ". وَأَخْرَجَهُ مِنْ طُرُقٍ كَثِيرَةٍ، وَفِي بَعْضِ طُرُقِهِ: "وَمَسَحَ بِهَا وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ إِلَى الْمَرْفِقَيْنِ أَوِ الذِّرَاعَيْنِ". وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ: مُخْتَصَرًا وَقَالَ: قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَخْلَدٍ الْحِمْصِيُّ: حَدِيثُ عَمَّارٍ فِي التَّيَمُّمِ لِلْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ حَدِيثٌ صَحِيحٌ. وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ: أَيْضًا بِطُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ، مُطَوَّلَةٍ وَمُخْتَصَرَةٍ مِنْهَا مَا قَالَ: أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ يَزِيدَ، قَالَ: ثَنَا بَهْزٌ، قَالَ: ثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: ثَنَا الْحَكَمُ ، عَنْ ذَرٍّ ، عَنِ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى ، عَنْ أَبِيهِ: "أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ عَنِ التَّيَمُّمِ فَلَمْ يَدْرِ مَا يَقُولُ، فَقَالَ عَمَّارٌ: أَتَذْكُرُ حَيْثُ كُنَّا فِي سَرِيَّةٍ، فَأَجْنَبْتُ، فَتَمَعَّكَتْ فِي التُّرَابِ، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- قَالَ: إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ هَكَذَا، وَضَرَبَ شُعْبَةُ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَمَسَحَ فِي يَدَيْهِ، وَمَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ مَرَّةً وَاحِدَةً". وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ: فَقَالَ: نَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، ثَنَا شُعْبَةُ ، عَنِ الْحَكَمِ ... إِلَى آخِرِهِ نَحْوَ رِوَايَةِ مُسْلِمٍ، وَلَيْسَ فِيهِ: "فَقَالَ عُمَرُ: اتَّقِ اللَّهَ... " إِلَى آخِرِهِ. قَوْلُهُ: "أَمَا تَذْكُرُ" بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَتَخْفِيفِ الْمِيمِ، تُسْتَعْمَلُ فِي الْكَلَامِ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ تَكُونَ حَرْفَ اسْتِفْتَاحٍ بِمَنْزِلَةِ "أَلَا" وَتَكْثُرُ قَبْلَ الْقَسَمِ. الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى "حَقًّا". قَوْلُهُ: "فِي سَرِيَّةٍ" وَهِيَ طَائِفَةٌ مِنَ الْجَيْشِ يَبْلُغُ أَقْصَاهَا أَرْبَعَ مِائَةٍ، تُبْعَثُ إِلَى الْعَدُوِّ، وَجَمْعُهَا: السَّرَايَا، سُمُّوا بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمْ يَكُونُونَ خُلَاصَةَ الْعَسْكَرِ وَخِيَارَهُمْ؛ مِنَ الشَّيْءِ السَّرِيِّ: النَّفِيسِ، وَقِيلَ: سُمُّوا بِذَلِكَ لِأَنَّهُمْ يُبْعَثُونَ سِرًّا وَخُفْيَةً، وَلَيْسَ بِالْوَجْهِ؛ لِأَنَّ لَامَ السِّرِّ: رَاءٌ، وَهَذِهِ يَاءٌ، فَافْهَمْ. قَوْلُهُ: "فَأَجْنَبْنَا" أَيْ: صِرْنَا جُنُبًا، وَالْجُنُبُ يَسْتَوِي فِيهِ الْوَاحِدُ وَالْمُثَنَّى وَالْجَمْعُ، وَالْمُؤَنَّثُ، وَقَدْ فَسَّرْنَاهُ فِيمَا مَضَى مُسْتَقْصًى. قَوْلُهُ: "فَتَمَرَّغْتُ" أَيْ: تَمَعَّكْتُ. قَوْلُهُ: "قَالَ بِيَدَيْهِ هَكَذَا" مِنَ الْعَرَبِ مَنْ يَجْعَلُ الْقَوْلَ عِبَارَةً عَنْ جَمِيعِ الْأَفْعَالِ، وَيُطْلِقُهُ عَلَى غَيْرِ الْكَلَامِ وَاللِّسَانِ، فَيَقُولُ: قَالَ بِيَدِهِ: أَيْ أَخَذَ، وَقَالَ بِرِجْلِهِ: أَيْ مَشَى، وَقَالَتِ الْعَيْنَانِ: سَمْعًا وَطَاعَةً، أَيْ: أَوْمَأَتْ، وَقَالَ بِالْمَاءِ عَلَى يَدِهِ: أَيْ قَلَّبَ، وَقَالَ بِثَوْبِهِ: أَيْ رَفَعَهُ، وَكُلُّ ذَلِكَ عَلَى الْمَجَازِ وَالِاتِّسَاعِ. وَيُقَالُ: "قَالَ" هَا هُنَا بِمَعْنَى: ضَرَبَ، وَلِهَذَا فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: "وَضَرَبَ بِهِمَا". وَتَجِيءُ "قَالَ" بِمَعْنَى "أَقْبَلَ" وَبِمَعْنَى "مَالَ" وَ: "اسْتَرَاحَ" وَ: "ضَرَبَ" وَ: "غَلَبَ" وَغَيْرِ ذَلِكَ. قَوْلُهُ: "اتَّقِ اللَّهَ" أَيْ: خَفِ اللَّهَ فِيمَا تَرْوِيهِ، وَتَثَبَّتْ، لَعَلَّكَ نَسِيتَ، أَوِ اشْتَبَهَ عَلَيْكَ الْأَمْرُ. قَوْلُهُ: "إِنْ شِئْتَ لَمْ أُحَدِّثْ بِهِ" أَرَادَ إِنْ رَأَيْتَ الْمَصْلَحَةَ فِي إِمْسَاكِي عَنِ التَّحَدُّثِ بِهِ رَاجِحَةً عَلَى مَصْلَحَةِ تَحْدِيثِي أَمْسَكْتُ، فَإِنَّ طَاعَتَكَ وَاجِبَةٌ عَلَيَّ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ. قَوْلُهُ: "كَلَّا وَاللَّهِ" كَلَّا رَدْعٌ وَزَجْرٌ وَتَنْبِيهٌ عَلَى الْخَطَأِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: فِي: كَلَّا بَعْدَ قَوْلِهِ: إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ وَتَجِيءُ بِمَعْنَى "حَقًّا" وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ أَحْكَامٌ: الْأَوَّلُ: اسْتَدَلَّ بِهِ مِنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ التَّيَمُّمَ ضَرْبَةٌ وَاحِدَةٌ لِلْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ جَمِيعًا. وَالْجَوَابُ: أَنَّ الْمُرَادَ هَا هُنَا صُورَةُ الضَّرْبِ لِلتَّعْلِيمِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بَيَانَ جَمِيعِ مَا يَحْصُلُ بِهِ التَّيَمُّمُ، وَقَدْ أَوْجَبَ اللَّهُ غَسْلَ الْيَدَيْنِ إِلَى الْمَرْفِقَيْنِ فِي الْوُضُوءِ، ثُمَّ قَالَ فِي التَّيَمُّمِ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْيَدَ الْمُطْلَقَةَ هَا هُنَا هِيَ الْمُقَيَّدَةُ فِي الْوُضُوءِ فِي أَوَّلِ الْآيَةِ، فَلَا يُتْرَكُ هَذَا الصَّرِيحُ إِلَّا بِدَلَالَةٍ [صَرِيحَةٍ]. الثَّانِي: اسْتَدَلَّ بِهِ أَبُو حَنِيفَةَ عَلَى جَوَازِ التَّيَمُّمِ مِنَ الصَّخْرَةِ الَّتِي لَا غُبَارَ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مُعْتَبَرًا لَمْ يَنْفُخْ فِي يَدَيْهِ. الثَّالِثُ: فِيهِ حُجَّةٌ لِمَا كَانَ يَذْهَبُ إِلَيْهِ عُمَرُ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ مِنْ أَنَّ الْجُنُبَ لَا يُطَهِّرُهُ إِلَّا الْمَاءُ، وَلَكِنَّ الْأَصَحَّ أَنَّهُمَا رَجَعَا عَنْ ذَلِكَ فَإِنْ قِيلَ: إِنَّ عُمَرَ لَمْ يَقْنَعْ بِقَوْلِ عَمَّارٍ، حَيْثُ قَالَ: "اتَّقِ اللَّهَ يَا عَمَّارُ" فَكَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ؟ قُلْتُ: لَمَّا أَخْبَرَهُ عَمَّارٌ عَنِ النَّبِيِّ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- أَنَّ التَّيَمُّمَ يَكْفِيهِ، سَكَتَ عَنْهُ وَلَمْ يَنْهَهُ، فَلَمَّا لَمْ يَنْهَهُ عَلِمْنَا أَنَّهُ وَقَعَ فِي قَلْبِهِ تَصْدِيقُ عَمَّارٍ؛ لِأَنَّ عَمَّارًا قَالَ لَهُ: "إِنْ شِئْتَ لَمْ أَذْكُرْهُ" وَلَوْ وَقَعَ بِقَلْبِهِ تَكْذِيبُ عَمَّارٍ لَنَهَاهُ؛ لِمَا كَانَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - قَدْ جَعَلَ فِي قَلْبِهِ مِنْ تَعْظِيمِ حُرُمَاتِ اللَّهِ، وَلَا شَيْءَ أَعْظَمُ مِنَ الصَّلَاةِ، وَغَيْرُ مُتَوَهَّمٍ عَلَى عُمَرَ أَنْ يَسْكُتَ عَلَى صَلَاةٍ تُصَلَّى عِنْدَهُ مِنْ غَيْرِ طَهَارَةٍ، وَهُوَ الْخَلِيفَةُ الْمَسْئُولُ عَنِ الْأُمُورِ، وَكَانَ أَتْقَى النَّاسِ لِرَبِّهِ وَأَنْصَحَهُمْ لَهُ فِي دِينِهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ. الرَّابِعُ: فِيهِ جَوَازُ الِاجْتِهَادِ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- فَإِنَّ عَمَّارًا -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- اجْتَهَدَ فِي صِفَةِ التَّيَمُّمِ، وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْأُصُولِ فِيهِ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ مُسْتَوْفًى. الْخَامِسُ: فِي قَوْلِهِ: "إِلَى نِصْفِ الذِّرَاعِ"، فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ، حُجَّةٌ لِمَالِكٍ، حَيْثُ يَقُولُ: إِنَّ التَّيَمُّمَ إِلَى الْكُوعَيْنِ. وَالْجَوَابُ عَنْهُ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ.

                                                ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                الخدمات العلمية