الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                جزء صفحة
                                                معاني الآثار 5 ص: فَقَالُوا: أَمَا مَا ذَكَرْتُمُوهُ مِنْ بِئْرِ بُضَاعَةَ فَلَا حُجَّةَ لَكُمْ فِيهِ; لِأَنَّ بِئْرَ بُضَاعَةَ قَدِ اخْتَلَفَتْ فِيهَا مَا كَانَتْ؟ فَقَالَ قَوْمٌ: كَانَتْ طَرِيقًا لِلْمَاءِ إِلَى الْبَسَاتِينِ، فَكَانَ الْمَاءُ لَا يَسْتَقِرُّ فِيهَا، فَكَانَ حُكْمُ مَائِهَا كَحُكْمِ مَاءِ الْأَنْهَارِ، وَهَكَذَا نَقُولُ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ كَانَ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ وَقَعَتْ فِي مَائِهِ نَجَاسَةٌ; فَلَا يُنَجَّسُ مَاؤُهُ إِلَّا أَنْ يَغْلِبَ عَلَى طَعْمِهِ أَوْ لَوْنِهِ أَوْ رِيحِهِ ، أَوْ يَعْلَمَ أَنَّهَا فِي الْمَاءِ الَّذِي يُؤْخَذُ مِنْهُ; فَإِنَّ عَلِمَ ذَلِكَ كَانَ نَجِسًا، وَإِنْ كَانَ لَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ كَانَ طَاهِرًا. شرح معاني الآثار ش: أَشَارَ بِهَذَا إِلَى الْجَوَابِ عَنِ الْآثَارِ الْمَذْكُورَةِ وَهُوَ ظَاهِرٌ. قَوْلُهُ: "فِيهِ" أَيْ فِيمَا ذَكَرْتُمُوهُ مِنَ الْآثَارِ، وَأَرَادَ بِقَوْلِهِ: "فَقَالَ قَوْمٌ" الْوَاقِدِيَّ وَمَنْ تَبِعَهُ عَلَى مَا يَجِيءُ، وَهُوَ قَوْلُ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أَيْضًا عَلَى مَا رُوِيَ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: "إِنَّ بِئْرَ بُضَاعَةَ كَانَتْ قَنَاةً وَلَهَا مَنْفَذٌ إِلَى بَسَاتِينِهِمْ وَيُسْقَى مِنْهَا خَمْسَةُ بَسَاتِينَ أَوْ سَبْعَةٌ" وَقَالَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ: وَالَّذِي رَوَاهُ مَالِكٌ وَرَدَ فِي بِئْرِ بُضَاعَةُ وَمَاؤُهُ كَانَ جَارِيًا فِي الْبَسَاتِينِ. وَقَالَ الْخَطَابِيُّ : قَدْ يَتَوَهَّمُ مَنْ سَمِعَ حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّ هَذَا كَانَ مِنْهُمْ عَادَةً، وَأَنَّهُمْ كَانُوا يَأْتُونَ هَذَا الْفِعْلَ قَصْدًا وَتَعَمُّدًا، وَهَذَا مَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُظَنَّ بِذِمِّيٍّ بَلْ وَثَنِيٍّ فَضْلًا عَنْ مُسْلِمٍ ، وَلَمْ تَزَلْ عَادَةُ النَّاسِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا مُسْلِمِهِمْ وَكَافِرِهِمْ تَنْزِيهَ الْمِيَاهِ، فَكَيْفَ يُظَنُّ بِأَعْلَى طَبَقَاتِ الدِّينِ وَأَفْضَلِ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ وَالْمَاءُ بِبِلَادِهِمْ أَعَزُّ وَالْحَاجَةُ إِلَيْهِ أَمَسُّ أَنْ يَكُونَ صَنِيعُهُمْ بِهِ هَكَذَا وَقَدْ لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَنْ تَغَوَّطَ فِي مَوَارِدِ الْمَاءِ وَمَشَارِعِهِ فَكَيْفَ مَنِ اتَّخَذَ عُيُونَ الْمَاءِ وَمَنَابِعَهُ رَصْدًا لِلْأَنْجَاسِ وَمَطْرَحًا لِلْأَقْذَارِ، مِثْلُ هَذَا الظَّنِّ لَا يَلِيقُ بِهِمْ وَلَا يَجُوزُ فِيهِمْ، وَإِنَّمَا كَانَ مِنْ أَجْلِ أَنَّ هَذِهِ الْبِئْرَ مَوْضِعُهَا فِي حُدُورٍ مِنَ الْأَرْضِ، وَأَنَّ السُّيُولَ كَانَتْ تَكْسَحُ هَذِهِ الْأَقْذَارَ مِنَ الطُّرُقِ وَالْأَفْنِيَةِ فَتَحْمِلُهَا فَتُلْقِيهَا فِيهَا، وَكَانَ الْمَاءُ لِكَثْرَتِهِ لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ وُقُوعُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ، وَلَا تُغَيِّرُهُ، فَسَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ شَأْنِهَا لِيَعْلَمُوا حُكْمَهَا مِنَ الطَّهَارَةِ وَالنَّجَاسَةِ، فَكَانَ مِنْ جَوَابِهِ لَهُمْ: "إِنَّ الْمَاءَ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ" يُرِيدُ الْكَثِيرَ مِنْهُ الَّذِي صِفَتُهُ صِفَةُ مَاءِ هَذِهِ الْبِئْرِ فِي غَزَارَتِهِ; لِأَنَّ السُّؤَالَ إِنَّمَا وَقَعَ عَنْهَا نَفْسِهَا فَخَرَجَ الْجَوَابُ عَلَيْهَا. قَوْلُهُ: "عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ" إِشَارَةٌ إِلَى قَوْلِهِ: "فَكَانَ الْمَاءُ لَا يَسْتَقِرُّ فِيهَا". قَوْلُهُ: "أَوْ يَعْلَمُ أَنَّهَا" أَيِ النَّجَاسَةَ. قَوْلُهُ: "وَإِنْ كَانَ لَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ" أَيْ وُقُوعَ النَّجَاسَةِ فِي الْمَاءِ الَّذِي يُؤْخَذُ مِنْهُ، كَانَ الْمَاءُ طَاهِرًا عَلَى حَالِهِ; لِأَنَّ الْأَصْلَ الطَّهَارَةُ فَلَا يَثْبُتُ كَوْنُهُ نَجِسًا إِلَّا بِالْعِلْمِ، وَإِنْ شَكَّ فِيهِ فَكَذَلِكَ طَاهِرٌ، عَلَى الْأَصْلِ الْمَعْهُودِ: أَنَّ الْيَقِينَ لَا يَزُولُ بِالشَّكِّ.

                                                ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                الخدمات العلمية