الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                جزء صفحة
                                                معاني الآثار 1470 ص: وَكَانَ أَحَدٌ مَنْ رُوِيَ عَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَيْضًا الْقُنُوتُ فِي الْفَجْرِ: أَنَسُ بْنَ مَالِكٍ، فَرَوَى عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَنَسٍ بْنِ مَالِكٍ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمْ يَزَلْ يَقْنُتُ بَعْدَ الرُّكُوعِ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ حَتَّى فَارَقَهُ". فَأَثْبَتَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الْقُنُوتَ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ وَأَنَّ ذَلِكَ لَمْ يُنْسَخْ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ مِنْ وُجُوهٍ خِلَافُ ذَلِكَ، فَرَوَى أَيُّوبُ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: "سُئِلَ أَنَسٌ: : أَقَنَتَ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، فَقِيلَ: قَبْلَ الرُّكُوعِ أَوْ بَعْدَهُ؟ فَقَالَ: بَعْدَ الرُّكُوعِ يَسِيرًا". وَرَوَى إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: "قَنَتَ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ثَلَاثِينَ صَبَاحًا، يَدْعُو عَلَى رِعْلٍ وَذَكْوَانَ". . وَرَوَى قَتَادَةُ عَنْهُ نَحْوًا مِنْ ذَلِكَ. وَقَدْ رَوَى عَنْهُ حُمَيْدٌ: " أَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - إِنَّمَا قَنَتَ عِشْرِينَ يَوْمًا" فَهَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ قَدْ أَخْبَرُوا عَنْهُ بِخِلَافِ مَا رَوَى عَمْرٌو، عَنِ الْحَسَنِ. ، وَرَوَى عَنْهُ عَاصِمٌ إِنْكَارَ الْقُنُوتِ بَعْدَ الرُّكُوعِ أَصْلًا، وَأَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - إِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ شَهْرًا، وَلَكِنَّ الْقُنُوتَ قَبْلَ الرُّكُوعِ، يُضَادُّ ذَلِكَ أَيْضًا مَا رَوَى عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ وَخَالَفَهُ، فَلَمْ يُجِزْ لِأَحَدٍ أَنْ يَحْتَجَّ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ بِأَحَدِ الْوَجْهَيْنِ مِمَّا رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ; لِأَنَّ لِخَصْمِهِ أَنْ يَحْتَجَّ عَلَيْهِ بِمَا رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ مِمَّا يُخَالِفُ ذَلِكَ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَلَكِنَّ الْقُنُوتَ قَبْلَ الرُّكُوعِ فَلَمْ يُذْكَرْ ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، فَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ أَخَذَهُ عَمَّنْ بَعْدَهُ أَوْ رَأْيًا رَآهُ، فَقَدْ رَأَى غَيْرَهُ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - خِلَافَ ذَلِكَ، فَلَا يَكُونُ قَوْلُهُ أَوْلَى مِنْ قَوْلِ مَنْ خَالَفَهُ إِلَّا بِحُجَّةِ تُبَيَّنُ لَنَا. شرح معاني الآثار ش: أَيْ كَانَ أَحَدُ مَنْ رَوَى الْقُنُوتَ فِي الصُّبْحِ أَيْضًا عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، هَذَا جَوَابُ مَا رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، بَيَانُهُ: أَنَّهُ لَا يَصْلُحُ حُجَّةً لِأَحَدٍ مِنَ الْخُصُومِ; لِأَنَّ الرِّوَايَةَ عَنْهُ فِي ذَلِكَ مُضْطَرِبَةٌ، فَرَوَى عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ ، عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ ، عَنْ أَنَسٍ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمْ يَزَلْ يَقْنُتُ بَعْدَ الرُّكُوعِ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ حَتَّى فَارَقَهُ". وَرَوَى عَنْهُ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ: "أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ يَقْنُتُ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ بَعْدَ الرُّكُوعِ يَسِيرًا" وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ حَتَّى فَارَقَهُ، وَرَوَى عَنْهُ إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: "أَنَّهُ قَنَتَ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ثَلَاثِينَ صَبَاحًا"، فَهَذَا مُقَيَّدٌ بِالْمُدَّةِ الْمَذْكُورَةِ، وَكَذَلِكَ رَوَى قَتَادَةُ عَنْهُ، وَرَوَى عَنْهُ حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ: "أَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - إِنَّمَا قَنَتَ عِشْرِينَ يَوْمًا" فَهَذَا أَيْضًا مُقَيَّدٌ بِمُدَّةٍ أَقَلَّ مِنْ تِلْكَ الْمُدَّةِ. وَرَوَى الْبَزَّارُ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ: "خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا" وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ، وَفِي رِوَايَةٍ لِابْنِ مَنْدَهْ: "تِسْعَةً وَعِشْرِينَ لَيْلَةً" وَقَدْ ذَكَرْنَاهَا أَيْضًا، وَرَوَى عَنْهُ عَاصِمٌ الْأَحْوَلُ إِنْكَارَ الْقُنُوتِ بَعْدَ الرُّكُوعِ أَصْلًا، وَأَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، إِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ شَهْرًا، وَلَكِنَّ الْقُنُوتَ قَبْلَ الرُّكُوعِ. فَهَذِهِ رِوَايَاتٌ كَمَا تَرَى مُضْطَرِبَةٌ مُخْتَلِفَةٌ، وَفِي بَعْضِهَا تَضَادٌّ; لِأَنَّ رِوَايَةَ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ تُضَادُّ رِوَايَةَ عَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ ، عَنِ الْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ: "لَمْ يَزَلْ يَقْنُتُ بَعْدَ الرُّكُوعِ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ" فَحِينَئِذٍ لَمْ يَجُزْ لِأَحَدٍ أَنْ يَحْتَجَّ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ بِأَحَدِ الْوَجْهَيْنِ -بِالنَّفْيِ أَوِ الْإِثْبَاتِ- لِأَنَّ لِأَحَدِ الْخَصْمَيْنِ أَنْ يَحْتَجَّ عَلَى الْآخَرِ بِمَا يَحْتَجُّ بِهِ مِنْ خِلَافِ مَا يَحْتَجُّ بِهِ. عَلَى أَنَّهُ قَدْ رَوَى عَنْ أَنَسٍ أَيْضًا مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْقُنُوتَ فِي الصُّبْحِ مَنْسُوخٌ. وَهُوَ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ : ثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، نَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: "أَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَنَتَ شَهْرًا ثُمَّ تَرَكَهُ". فَقَوْلُهُ: "ثُمَّ تَرَكَهُ" يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْقُنُوتَ فِي الْفَرَائِضِ ثُمَّ نُسِخَ. فَإِنْ قِيلَ: قَدْ قَالَ الْخَطَّابِيُّ: مَعْنَى قَوْلِهِ: "ثُمَّ تَرَكَهُ" أَيْ تَرَكَ الدُّعَاءَ عَلَى هَؤُلَاءِ الْقَبَائِلِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْأَحَادِيثِ فِي هَذَا الْبَابِ، أَوْ تَرَكَ الْقُنُوتَ فِي الصَّلَوَاتِ الْأَرْبَعِ، وَلَمْ يَتْرُكْهُ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ. قُلْتُ: لَا يَنْبَغِي أَنْ يَصْدُرَ مِثْلُ هَذَا الْكَلَامِ عَنْ مِثْلِ الْخَطَّابِيِّ، فَإِنَّهُ كَلَامُ مُتَحَكِّمٍ مُتَعَصِّبٍ، فَإِنَّ الضَّمِيرَ فِي تَرْكِهِ يَرْجِعُ إِلَى الْقُنُوتِ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: "قَنَتَ" وَهُوَ عَامٌّ يَتَنَاوَلُ جَمِيعَ الْقُنُوتِ فِي جَمِيعِ الصَّلَوَاتِ، وَتَخْصِيصُ الْفَجْرِ مِنْ بَيْنِهَا -بِلَا دَلِيلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ- بَاطِلٌ. وَقَوْلُهُ: "أَيْ تَرَكَ الدُّعَاءَ" لَا يَصِحُّ أَيْضًا; لِأَنَّ الدُّعَاءَ لَمْ يَمْضِ ذِكْرُهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، وَلَئِنْ سَلَّمْنَا; فَالدُّعَاءُ هَا هُنَا هُوَ عَيْنُ الْقُنُوتِ، وَمَا ثَمَّ شَيْءٌ غَيْرُهُ، فَيَكُونُ قَدْ تَرَكَ الْقُنُوتَ، وَالتَّرْكُ بَعْدَ الْعَمَلِ نَسْخٌ. فَافْهَمْ. وَقَوْلُهُ: "وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَلَكِنَّ الْقُنُوتَ قَبْلَ الرُّكُوعِ ... " إِلَى آخِرِهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ أَنَسًا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَهُ شَيْءٌ مِنَ الْقُنُوتِ قَبْلَ الرُّكُوعِ; لِأَنَّ قَوْلَهُ: وَلَكِنَّ الْقُنُوتَ قَبْلَ الرُّكُوعِ لَيْسَ عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ، لِأَنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ ذَلِكَ عَنْهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَدْ أَخَذَ ذَلِكَ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، أَوْ يَكُونُ ذَلِكَ رَأْيًا رَآهُ بِاجْتِهَادِهِ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ رَأْيًا فَقَدْ رَأَى غَيْرُهُ مِنَ الصَّحَابَةِ خِلَافَ ذَلِكَ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ الرُّكُوعِ "فَلَا يَكُونُ قَوْلُ أَنَسٍ أَوْلَى وَأَرْجَحَ مِنْ قَوْلِ غَيْرِهِ إِلَّا بِحُجَّةٍ تُبَيَّنُ جِهَةَ الرُّجْحَانِ وَالْأَوْلَوِيَّةِ، وَإِنْ كَانَ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، فَقَدْ رُوِيَ عَنْ غَيْرِهِ خِلَافُهُ فَلَا تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ. فَافْهَمْ.

                                                ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                الخدمات العلمية