الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                جزء صفحة
                                                معاني الآثار 7318 ص: وَقَدْ رَوَيْنَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا يَدُلُّ عَلَى إِبَاحَةِ الْعَمَلِ الَّذِي لَيْسَ مِنَ الْقُرْبِ فِي الْمَسْجِدِ.حَدَّثَنَا فَهْدٌ ، قَالَ: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ بْنِ الْأَصْبَهَانِيُّ ، قَالَ: أَنَا شَرِيكٌ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ ، عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- يَقُولُ: "يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ ، لَيَبْعَثَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ رَجُلًا امْتَحَنَ اللَّهُ بِهِ الْإِيمَانَ، يَضْرِبُ رِقَابَكُمْ عَلَى الدِّينِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَنَا هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "لَا" فَقَالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أَنَا هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنَّهُ خَاصِفُ النَّعْلِ فِي الْمَسْجِدِ، قَالَ: وَكَانَ قَدْ أَلْقَى إِلَى عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - نَعْلَهُ يَخْصِفُهَا". أَفَلَا تَرَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- لَمْ يَنْهَ عَلِيًّا عَنْ خَصْفِ النَّعْلِ فِي الْمَسْجِدِ، وَأَنَّ النَّاسَ لَوِ اجْتَمَعُوا حَتَّى يَعُمُّوا الْمَسْجِدَ بِخَصْفِ النِّعَالِ كَانَ ذَلِكَ مَكْرُوهًا، فَلَمَّا كَانَ مَا لَا يَعُمُّ الْمَسْجِدَ مِنْ هَذَا غَيْرَ مَكْرُوهٍ، وَمَا يَعُمُّهُ مِنْهُ أَوْ يَغْلِبُ عَلَيْهِ مَكْرُوهًا كَانَ كَذَلِكَ الْبَيْعُ وَإِنْشَادُ الشِّعْرِ وَالتَّحَلُّقُ فِيهِ قَبْلَ الصَّلَاةِ، مَا عَمَّهُ مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ مَكْرُوهٌ، وَمَا لَمْ يَعُمَّهُ مِنْهُ وَلَمْ يَغْلِبْ عَلَيْهِ فَلَيْسَ بِمَكْرُوهٍ. شرح معاني الآثار ش: ذَكَرَ حَدِيثَ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - شَاهِدًا لِصِحَّةِ قَوْلِهِ: "وَكَذَلِكَ أَيْضًا مَا نَهَى عَنْهُ مِنَ الْبَيْعِ...." إِلَى آخِرِهِ. وَأَخْرَجَهُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ: عَنْ فَهْدِ بْنِ سُلَيْمَانَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْأَصْبَهَانِيِّ ، عَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ مَنْصُورِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ ، عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ، بِكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ الرَّاءِ وَفِي آخِرِهِ شِينٌ مُعْجَمَةٌ. وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ : نَا سُفْيَانُ بْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثَنَا أَبِي، عَنْ شَرِيكٍ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ، قَالَ: ثَنَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِالرَّحْبَةِ فَقَالَ: "لَمَّا كَانَ يَوْمُ الْحُدَيْبِيَةِ خَرَجَ إِلَيْنَا نَاسٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فِيهِمْ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو، وَأُنَاسٌ مِنْ رُؤَسَاءِ الْمُشْرِكِينَ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ خَرَجَ إِلَيْكَ مِنْ أَبْنَائِنَا وَإِخْوَانِنَا وَأَرِقَّائِنَا وَلَيْسَ لَهُمْ فِقْهٌ فِي الدِّينِ [وَإِنَّمَا خَرَجُوا فِرَارًا مِنْ أَمْوَالِنَا وَضِيَاعِنَا فَارْدُدْهُمْ إِلَيْنَا. قَالَ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ فِقْهٌ فِي الدِّينِ] سَنُفَقِّهُهُمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ -عَلَيْهِ السَّلَامُ-: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ لَتَنْتَهُنَّ أَوْ لَيَبْعَثَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ مَنْ يَضْرِبُ رِقَابَكُمْ بِالسَّيْفِ عَلَى الدِّينِ، قَدِ امْتَحَنَ اللَّهُ قَلْبَهُ عَلَى الْإِيمَانِ. قَالُوا: مَنْ هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَنْ هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ وَقَالَ عُمَرَ: مَنْ هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: هُوَ خَاصِفُ النَّعْلِ. وَكَانَ أَعْطَى عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - نَعْلَهُ يَخْصِفُهَا، قَالَ: ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيْنَا عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- قَالَ: مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمَّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ". قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مِنْ حَدِيثِ رِبْعِيِّ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. وَأَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ فِي "مُسْنَدِهِ" : ثَنَا صَالِحُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَأَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى، قَالَا: ثَنَا أَبُو غَسَّانَ، قَالَ: ثَنَا يَحْيَى بْنُ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ رِبْعِيٍّ ، عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: "اجْتَمَعَتْ قُرَيْشٌ إِلَى النَّبِيِّ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- فَقَالُوا: إِنَّ أَرِقَّاءَنَا لَجَئُوا إِلَيْكَ وَدَخَلَ مَعَكَ فِي هَذَا الْأَمْرِ مَنْ لَيْسَ لَهُ بِأَهْلٍ؛ ارْدُدْهُمْ إِلَيْنَا، فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- حَتَّى رُؤِيَ الْغَضَبُ فِي وَجْهِهِ ثُمَّ قَالَ: لَتَنْتَهُنَّ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ أَوْ "يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ ، لَيَبْعَثَنَّ اللَّهُ رَجُلًا مِنْكُمُ امْتَحَنَ اللَّهُ قَلْبَهُ بِالْإِيمَانِ يَضْرِبُ رِقَابَكُمْ عَلَى الدِّينِ، (فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَبُو بَكْرٍ؟ قَالَ: لَا. قِيلَ: فَعُمَرُ؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنَّهُ خَاصِفُ النَّعْلِ الَّذِي فِي الْحُجْرَةِ، قَالَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: فَكُنْتُ أَنَا خَاصِفَ النَّعْلِ، قَالَ عَلِيٌّ: فَاسْتَفْظَعَ النَّاسُ ذَلِكَ مِنْ عَلِيٍّ، فَقَالَ: أَمَا إِنِّي سَمِعْتُهُ يَقُولُ: لَا تَكْذِبُوا عَلَيَّ، فَإِنَّهُ مَنْ يَكْذِبُ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَلِجِ النَّارَ". قَوْلُهُ: "امْتَحَنَ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ- قَلْبَهُ لِلْإِيمَانِ" يَعْنِي صَفَّى قَلْبَهُ وَهَذَّبَهُ لِلْإِيمَانِ، وَمِنْهُ مَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: "فَذَلِكَ الشَّهِيدُ الْمُمْتَحَنُ" أَيِ الْمُصَفَّى الْمُهَذَّبُ، مِنْ مَحَنْتُ الْفِضَّةَ إِذَا صَفَّيْتَهَا وَخَلَّصْتَهَا بِالنَّارِ. قَوْلُهُ: "وَلَكِنَّهُ خَاصِفُ النَّعْلِ" مِنْ خَصَفَ النَّعْلَ إِذَا خَرَزَهَا، وَالْخَصْفُ: الضَّمُّ وَالْجَمْعُ، وَمِنْ هَذَا سُمِّيَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – خَاصِفَ النَّعْلِ، وَهِيَ نَعْلُ النَّبِيِّ -عَلَيْهِ السَّلَامُ-. وَفِي الْحَدِيثِ مِنَ الدَّلَالَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَى فَضِيلَةِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وَقَدِ احْتَجَّ بِهِ الشِّيعَةُ عَلَى تَفْضِيلِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَلَى أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ – وَسَائِرِ الصَّحَابَةِ، [....] وَمَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ: أَنَّ أَفْضَلَ النَّاسِ بَعْدَ نَبِيِّنَا -عَلَيْهِ السَّلَامُ- أَبُو بَكْرٍ، ثُمَّ عُمَرَ، ثُمَّ عُثْمَانُ، ثُمَّ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وَمِنْهُمْ مَنْ يُفَضِّلُ عَلِيًّا عَلَى غَيْرِهِ. قَوْلُهُ: "أَفَلَا تَرَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -عَلَيْهِ السَّلَامُ-...إِلَى آخِرِهِ" تَوْضِيحٌ لِمَا ذَكَرَهُ مِنَ الْمَعْنَى؛ وَبَاقِي الْكَلَامِ ظَاهِرٌ، فَافْهَمْ.

                                                ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                الخدمات العلمية