الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
مسند أحمد 27682 8384 - (19573) - (4 \ 399) وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِنَّ مَثَلَ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهِ مِنَ الْهُدَى وَالْعِلْمِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَصَابَ الْأَرْضَ، فَكَانَتْ مِنْهُ طَائِفَةٌ قَبِلَتْ فَأَنْبَتَتِ الْكَلَأَ وَالْعُشْبَ الْكَثِيرَ، وَكَانَتْ مِنْهَا أَجَادِبُ أَمْسَكَتِ الْمَاءَ، فَنَفَعَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهَا نَاسًا فَشَرِبُوا فَرَعَوْا وَسَقَوْا وَزَرَعُوا وَأَسْقَوْا، وَأَصَابَتْ طَائِفَةً مِنْهَا أُخْرَى. إِنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ لَا تُمْسِكُ مَاءً وَلَا تُنْبِتُ كَلَأً. فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقُهَ فِي دِينِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَنَفَعَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِمَا بَعَثَنِي بِهِ، وَنَفَعَ بِهِ فَعَلِمَ وَعَلَّمَ. وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا، وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ ". حاشية مسند أحمد * "كَمَثَلِ غَيْثٍ": أَيْ: مَطَرٍ نَافِعٍ فِي الطَّهَارَةِ وَالْحَيَاةِ وَكَثْرَةِ الْمَنَافِعِ وَشِدَّةِ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ. * "أَصَابَ الْأَرْضَ": أَيِ: الَّتِي هِيَ مَحِلُّ الِانْتِفَاعِ، وَقَدْ قَسَّمَ هَذَا الْقِسْمَ إِلَى قِسْمَيْنِ؛ بِاعْتِبَارِ اخْتِلَافِ أَنْوَاعِ الِانْتِفَاعِ، وَقَابَلَهُ بِمَا لَا انْتِفَاعَ فِيهِ، وَهُوَ الَّذِي بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: "وَأَصَابَتْ طَائِفَةً أُخْرَى. . . إِلَخْ" فَالْحَاصِلُ: أَنَّ الْأَرْضَ بِالنَّظَرِ إِلَى الْغَيْثِ قِسْمَانِ، وَالْقِسْمُ الْأَوَّلُ مِنْهُمَا قِسْمَانِ أَيْضًا. * "قَبِلَتْ": أَيْ: ذَلِكَ الْغَيْثَ. * "أَجَادِبُ": هِيَ صِلَابُ الْأَرَاضِي الَّتِي تُمْسِكُ الْمِيَاهَ. * "قِيعَانٌ": جَمْعُ قَاعٍ، وَهُوَ [مِنَ] الْأَرْضِ: الْمُسْتَوِي الَّذِي يَسِيلُ عَنْهُ الْمَاءُ، فَلَا يَقْبَلُ الْمَاءَ فِي بَاطِنِهِ، وَلَا يُمْسِكُهُ عَلَى ظَاهِرِهِ حَتَّى يَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ أَحَدُ النَّفْعَيْنِ. * "فَذَلِكَ": الْمَذْكُورُ مِنْ قِسْمَيِ الْأَرْضِ، وَهُمَا: مَحِلُّ الِانْتِفَاعِ، وَغَيْرُ مَحِلِّ الِانْتِفَاعِ، نَعَمْ، قَدْ قَسَّمَ مَحِلَّ الِانْتِفَاعِ بِالْمَاءِ فِي الْأَرْضِ إِلَى قِسْمَيْنِ: مَا يُنْتَفَعُ فِيهِ بِعَيْنِ الْمَاءِ، وَمَا يُنْتَفَعُ فِيهِ بِثَمَرَاتِ الْمَاءِ بَيْنَهُمَا، عَلَى أَنَّ مَحِلَّ الِانْتِفَاعِ بِالْعِلْمِ فِي النَّاسِ قِسْمَانِ: قِسْمٌ يُنْتَفَعُ فِيهِ بِعَيْنِ الْعِلْمِ؛ كَأَهْلِ الرِّوَايَةِ وَالْحَدِيثِ، وَقِسْمٌ يُنْتَفَعُ فِيهِ بِثَمَرَاتِ الْعِلْمِ؛ كَأَهْلِ الدِّرَايَةِ وَالْفِقْهِ، وَبِهَذَا انْدَفَعَ تَوَهُّمُ أَنَّ الْمَذْكُورَ فِي جَانِبِ الْمُشَبَّهِ بِهِ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ، وَفِي جَانِبِ الْمُشَبَّهِ قِسْمَانِ، وَمَنْشَأُ ذَلِكَ التَّوَهُّمِ هُوَ قِلَّةُ النَّظَرِ فِي نَظْمِ الْحَدِيثِ. وَإِلَّا فَلَا يَخْفَى عَلَى النَّاظِرِ أَنَّ قَوْلَهُ: "وَأَصَابَتْ طَائِفَةً أُخْرَى" عُطِفَ عَلَى قَوْلِهِ: "أَصَابَ الْأَرْضَ" ذُكِرَ مُقَابِلًا لَهُ، وَقَوْلُهُ: "فَكَانَتْ مِنْهُ طَائِفَةٌ" تَقْسِيمٌ لِلْقِسْمِ الْأَوَّلِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. * * *

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية