الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
جزء صفحة
85 - قَوْلُهُ: (ص): فِي ذِكْرِ الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ بَعْضُ الثِّقَاتِ مُرْسَلًا وَبَعْضُهُمْ مُتَّصِلًا – "فَحَكَى الْخَطِيبُ أَنَّ أَكْثَرَ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ يَرَوْنَ الْحُكْمَ فِي هَذَا وَأَشْبَاهِهِ لِلْمُرْسَلِ ..." إِلَى آخِرِ كَلَامِهِ . وَقَدْ تَبِعَ الْخَطِيبُ أَبُو الْحَسَنِ ابْنُ الْقَطَّانِ عَلَى اخْتِيَارِ الْحُكْمِ لِلرَّفْعِ أَوِ الْوَصْلُ مُطْلَقًا. وَتَعَقَّبَهُ أَبُو الْفَتْحِ ابْنُ سَيِّدِ النَّاسِ قَائِلًا بِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بَعِيدًا مِنَ النَّظَرِ إِذَا اسْتَوَيَا فِي رُتْبَةِ الثِّقَةِ وَالْعَدَالَةِ أَوْ تَقَارَبَا; لِأَنَّ الرَّفْعَ زِيَادَةٌ عَلَى الْوَقْفِ وَقَدْ جَاءَ عَنْ ثِقَةٍ فَسَبِيلُهُ الْقَبُولُ، فَإِنْ كَانَ ابْنُ الْقَطَّانِ قَالَ هَذَا عَلَى سَبِيلِ النَّظَرِ فَهُوَ صَحِيحٌ وَإِنْ كَانَ قَالَ نَقْلًا عَمَّنْ تَقَدَّمَهُ، فَلَيْسَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ عَمَلٌ مُطَّرِدٌ. قُلْتُ: قَدْ صَرَّحَ ابْنُ الْقَطَّانِ بِأَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الِاخْتِيَارِ فَإِنَّهُ حَكَى هَذَا الْمَذْهَبَ وَقَرَّرَهُ، ثُمَّ قَالَ: "هَذَا هُوَ الْحَقُّ فِي هَذَا الْأَصْلِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ أَكْثَرِ الْأُصُولِيِّينَ وَكَذَا اخْتَارَهُ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ: أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ لَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ (يَعْنِي الْمُحَدِّثِينَ) عَلَى الرَّأْيِ الْأَوَّلِ (يَعْنِي تَقْدِيمَ الْإِرْسَالِ عَلَى الْوَصْلِ. وَمَا اخْتَارَهُ ابْنُ سَيِّدِ النَّاسِ سَبَقَهُ إِلَى ذَلِكَ شَيْخُهُ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ فَقَالَ فِي مُقَدِّمَةِ شَرْحِ الْإِلْمَامِ: "مَنْ حَكَى عَنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ أَوْ أَكْثَرِهِمْ أَنَّهُ إِذَا تَعَارَضَ رِوَايَةُ مُرْسِلٍ وَمُسْنِدٍ أَوْ رَافِعٍ وَوَاقِفٍ أَوْ نَاقِصٍ وَزَائِدٍ أَنَّ الْحُكْمَ لِلزَّائِدِ فَلَمْ يُصِبْ فِي هَذَا الْإِطْلَاقِ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ قَانُونًا مُطَّرِدًا وَبِمُرَاجَعَةِ أَحْكَامِهِمُ الْجُزْئِيَّةِ يُعْرَفُ صَوَابُ مَا نَقُولُ". وَبِهَذَا جَزَمَ الْحَافِظُ الْعَلَائِيُّ فَقَالَ: "كَلَامُ الْأَئِمَّةِ الْمُتَقَدِّمِينَ فِي هَذَا الْفَنِّ كَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَالْبُخَارِيِّ وَأَمْثَالُهُمْ يَقْتَضِي أَنَّهُمْ لَا يَحْكُمُونَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِحُكْمِ كُلِّيٍّ بَلْ عَمَلُهُمْ فِي ذَلِكَ دَائِرٌ مَعَ التَّرْجِيحِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا يَقْوَى عِنْدَ أَحَدِهِمْ فِي كُلِّ حَدِيثٍ حَدِيثٌ" . قُلْتُ: وَهَذَا الْعَمَلُ الَّذِي حَكَاهُ عَنْهُمْ إِنَّمَا هُوَ فِيمَا يَظْهَرُ لَهُمْ فِيهِ التَّرْجِيحُ وَأَمَّا مَا لَا يَظْهَرُ فِيهِ التَّرْجِيحُ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ الْمَفْرُوضُ فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ وَعَلَى هَذَا فَيَكُونُ فِي كَلَامِ ابْنِ الصَّلَاحِ إِطْلَاقٌ فِي مَوْضِعِ التَّقْيِيدِ وَسَيَكُونُ لَنَا عَوْدَةٌ إِلَى هَذَا فِي الْكَلَامِ عَلَى زِيَادَةِ الثِّقَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ - .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية